الإثنين، 21 سبتمبر 2026

10:44 ص

رفع أم تثبيت؟ كيف انقسمت البنوك المركزية الكبرى وأين تقف أميركا والصين؟

الإثنين، 21 سبتمبر 2026 09:21 ص

الاقتصاد العالمي ـ تعبيرية

الاقتصاد العالمي ـ تعبيرية

مي المرسي

دخلت السياسة النقدية العالمية مرحلة جديدة من التباين، بعدما اتجهت البنوك المركزية الكبرى في سبتمبر 2026 إلى قرارات مختلفة بشأن أسعار الفائدة، بين رفع الفائدة لمواجهة موجة تضخم جديدة تقودها الطاقة، وتثبيتها للحفاظ على مساحة دعم النمو وتجنب زيادة الضغوط على الاقتصاد.

وفي قلب هذا الانقسام تقف الولايات المتحدة والصين، أكبر اقتصادين في العالم؛ فبينما رفع الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي سعر الفائدة للمرة الأولى منذ أكثر من 3 سنوات، أبقى بنك الشعب الصيني أسعار الإقراض الرئيسية دون تغيير للشهر السادس عشر على التوالي.

وتزامن ذلك مع رفع البنك المركزي الأوروبي أسعار الفائدة، في المقابل أبقى بنك إنجلترا سعر الفائدة عند مستواه الحالي، لتكشف قرارات سبتمبر عن اختلاف واضح في أولويات البنوك المركزية بين السيطرة على التضخم، ودعم النشاط الاقتصادي، والحفاظ على استقرار الأسواق والعملات.

الفيدرالي الأمريكي يرفع الفائدة.. التضخم يعود إلى الواجهة

رفع الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي سعر الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس في اجتماعه يوم 16 سبتمبر، لتصل إلى نطاق 3.75% و4%، في أول زيادة للفائدة منذ عام 2023.

وجاء القرار بإجماع أعضاء لجنة السوق المفتوحة، التي صوتت بأغلبية 12-0 لصالح الرفع، مؤكدة أن النشاط الاقتصادي الأمريكي يتوسع بوتيرة قوية، وأن الإنفاق المحلي لا يزال متماسكًا، بينما بقي التضخم مرتفعًا، وهو ما دفع البنك إلى التحرك لدعم عودته إلى مستهدف 2%. 

وقال الفيدرالي إن حالة عدم اليقين لا تزال مرتفعة، خاصة مع التطورات الجيوسياسية، لكنه أشار في الوقت نفسه إلى قوة نمو الإنتاجية والاستثمارات، واستمرار مكاسب الوظائف بوتيرة تتماشى مع نمو قوة العمل، وبحسب رويترز، فإن قرار الرفع عكس تحولًا في لهجة السياسة النقدية الأمريكية، مع إشارة صناع السياسة إلى احتمالية استمرار التشديد خلال الأشهر المقبلة، في ظل مخاوف من أن تؤدي الضغوط التضخمية إلى تأخير الوصول إلى هدف البنك المركزي. 

ماذا يعني رفع الفائدة الأمريكية؟ 

رفع الفائدة يعني زيادة تكلفة الاقتراض بالدولار، وهو ما يضغط عادة على الطلب المحلي والاستثمار والإنفاق، لكنه في المقابل يزيد جاذبية الأصول المقومة بالدولار عندما ترتفع عوائدها مقارنة بالأسواق الأخرى.

وتظهر انعكاسات ذلك خارج الولايات المتحدة أيضًا؛ فقد أظهرت بيانات الأسواق أن ارتفاع عوائد سندات الخزانة الأميركية ضغط على عملات الأسواق الناشئة، إذ إن ارتفاع العائد على الأصول الأميركية يمكن أن يدفع المستثمرين إلى إعادة توزيع أموالهم باتجاه الدولار، كما يزيد تكلفة خدمة الديون المقومة بالدولار على الاقتصادات الناشئة. 

 رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي كيفن وورش
 

الصين تثبت الفائدة للشهر السادس عشر.. لماذا؟

في الاتجاه المقابل، أبقت الصين سعر الإقراض الأساسي لأجل عام عند 3%، ولأجل 5 سنوات عند 3.50% في سبتمبر، للشهر السادس عشر على التوالي، ويأتي القرار في وقت تواجه فيه الصين ضعفًا في الطلب على الائتمان، خاصة من قطاعي العقارات والحكومات المحلية، بينما يحاول بنك الشعب الصيني الموازنة بين دعم الاقتصاد وعدم الضغط بصورة أكبر على هوامش أرباح البنوك.

وبحسب تحليل رويترز، فإن البنك المركزي الصيني أصبح أكثر حذرًا في استخدام خفض أسعار الفائدة كأداة للتحفيز، في ظل التحول العالمي نحو سياسات نقدية أكثر تشددًا وارتفاع الفارق بين عوائد السندات الأميركية والصينية، كما أشار محافظ بنك الشعب الصيني بان قونغ شنغ إلى أن تباطؤ نمو القروض أصبح أقرب إلى «الوضع الطبيعي الجديد»، في ظل ضعف الاقتراض المرتبط بالعقارات والحكومات المحلية، وهو ما يعكس مشكلة تتعلق بالطلب على الائتمان أكثر من مجرد تكلفة الاقتراض. 

لماذا لا تخفض الصين الفائدة رغم ضعف الطلب؟

هنا تظهر أهمية المقارنة مع الولايات المتحدة، خفض الفائدة الصينية قد يعطي دفعة للاقتصاد المحلي، لكنه قد يوسع في الوقت نفسه فجوة العائد مع الأصول الأمريكية، خصوصًا بعدما رفع الفيدرالي الأمريكي الفائدة، وكانت علاوة عائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل 10 سنوات على نظيرتها الصينية قد اقتربت من مستويات قياسية، وفق رويترز.

وفي الوقت نفسه، ظل اليوان قويًا نسبيًا أمام الدولار، ما يمنح بكين مساحة محدودة للمناورة؛ ولذلك يبدو أن بنك الشعب الصيني يفضل في الوقت الحالي تثبيت الفائدة مع استخدام أدوات أخرى لدعم الاقتصاد بدل إطلاق دورة خفض واسعة. 

أمريكا ترفع والصين تثبت.. ماذا يحدث لفجوة العائد؟

الاختلاف بين قراري واشنطن وبكين مهم لأنه يؤثر مباشرة في حركة رؤوس الأموال والعملات، فعندما ترتفع الفائدة الأميركية بينما تبقى الفائدة الصينية ثابتة، تصبح الأصول الدولارية أكثر جاذبية نسبيًا، خصوصًا إذا توقع المستثمرون استمرار دورة التشديد الأميركية.

وبالفعل، أشارت رويترز إلى أن الفارق بين عوائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات والسندات الحكومية الصينية اقترب من أعلى مستوياته على الإطلاق بعد رفع الفيدرالي للفائدة، لكن تأثير ذلك على اليوان ليس آليًا أو في اتجاه واحد؛ فالصين تدير سعر الصرف بدرجة كبيرة، كما أن عوامل التجارة الخارجية وتدفقات رأس المال وقوة الاقتصاد المحلي تدخل في تحديد حركة العملة.

الصين

بنك إنجلترا يختار التثبيت رغم التضخم

في بريطانيا، أبقى بنك إنجلترا سعر الفائدة عند 3.75% خلال اجتماع سبتمبر، لكن القرار لم يكن بالإجماع، وصوت 6 أعضاء لصالح التثبيت، مقابل 3 أعضاء طالبوا برفع الفائدة ربع نقطة مئوية إلى 4%.

وجاء القرار رغم ارتفاع التضخم في بريطانيا إلى 3.1% في أغسطس، إذ أشار البنك إلى أن ارتفاع أسعار الطاقة نتيجة الصراع الممتد في الشرق الأوسط زاد الضغوط التضخمية، مع توقعات بمزيد من الارتفاع خلال الفصول المقبلة، وبذلك، يعكس موقف بنك إنجلترا حالة مختلفة عن الفيدرالي؛ البنك يرى أن التضخم مرتفع، لكنه يوازن في الوقت نفسه بين الحاجة إلى السيطرة على الأسعار ومخاطر الضغط على النشاط الاقتصادي وسوق العمل.

البنك المركزي الأوروبي يرفع الفائدة أيضًا

أما البنك المركزي الأوروبي، فقد اتخذ موقفًا أكثر تشددًا، ورفع أسعار الفائدة الرئيسية الثلاثة بمقدار 25 نقطة أساس في 10 سبتمبر، وبموجب القرار، ارتفع سعر الفائدة على ودائع البنوك لدى المركزي الأوروبي إلى 2.50%، وسعر عمليات إعادة التمويل الرئيسية إلى 2.65%، وسعر تسهيلات الإقراض الهامشي إلى 2.90%.

وبرر البنك قراره باستمرار الضغوط التضخمية الناتجة عن أزمة الشرق الأوسط وارتفاع أسعار الطاقة، متوقعًا أن يبلغ متوسط التضخم في منطقة اليورو 3% خلال 2026، قبل أن يتراجع إلى 2.5% في 2027 و2.1% في 2028، وهنا تختلف أوروبا عن الصين؛ فالأولوية الحالية لدى المركزي الأوروبي هي منع صدمة الطاقة من التحول إلى تضخم أكثر استمرارًا، حتى مع استمرار مخاوف النمو.

4 بنوك.. مساران مختلفان للفائدة

يمكن تلخيص المشهد النقدي في سبتمبر 2026 في اتجاهين رئيسيين:

الرفع: الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي والبنك المركزي الأوروبي، وكلاهما تحرك لمواجهة تضخم مرتفع أو متجدد، خصوصًا مع صدمة الطاقة.

التثبيت: بنك الشعب الصيني وبنك إنجلترا، لكن لأسباب مختلفة؛ الصين تحاول الحفاظ على دعم الاقتصاد دون توسيع فجوة العائد مع الولايات المتحدة، بينما بريطانيا تفضل الانتظار ومراقبة مسار التضخم وسوق العمل.

وبالتالي، فإن كلمة «تثبيت» لا تعني أن البنوك المركزية الأربعة ترى المشهد الاقتصادي بالطريقة نفسها؛ فكل بنك يوازن بين التضخم والنمو والعملات والائتمان والاستقرار المالي وفق ظروف اقتصاده.

النفط والطاقة.. العامل المشترك بين قرارات البنوك

القاسم المشترك الأوضح بين قرارات سبتمبر هو صدمة الطاقة، فارتفاع أسعار النفط والغاز الناتج عن التوترات الجيوسياسية يضع البنوك المركزية أمام معادلة صعبة؛ ارتفاع أسعار الطاقة يرفع التضخم، لكن رفع الفائدة لمواجهته قد يضغط في الوقت نفسه على النمو والاستثمار والاستهلاك.

وكانت أسعار النفط قد تجاوزت 108 دولارات للبرميل في منتصف سبتمبر، مع تصاعد المخاطر المرتبطة بالتوترات في الشرق الأوسط، بينما ارتفعت عوائد السندات الأميركية إلى مستويات مرتفعة تاريخيًا، وهو ما زاد الضغط على الأسواق العالمية. 

ماذا يعني الانقسام النقدي للاقتصاد العالمي؟

الاختلاف بين البنوك المركزية الكبرى يعني أن العالم لا يتحرك في دورة نقدية واحدة، فرفع الفيدرالي للفائدة يرفع تكلفة الأموال بالدولار ويزيد جاذبية العوائد الأمريكية، وهو ما يمكن أن يضغط على العملات والأسواق الناشئة، وفي المقابل، تثبيت الصين للفائدة يحافظ على تكلفة تمويل مستقرة نسبيًا داخل ثاني أكبر اقتصاد عالمي، لكنه لا يقدم دفعة نقدية جديدة قوية للاقتصاد.

أما رفع المركزي الأوروبي، فيعني أن صدمة التضخم المرتبطة بالطاقة أصبحت عاملًا مؤثرًا في السياسة النقدية الأوروبية، بينما يشير تثبيت بنك إنجلترا إلى أن بعض البنوك تفضل انتظار مزيد من البيانات قبل الانتقال إلى تشديد إضافي.

وتشير هذه الصورة إلى أن الفائدة العالمية لم تعد تتحرك في اتجاه واحد؛ بل أصبح لكل بنك مركزي معركته الخاصة، رغم أن مصدر جزء مهم من الضغوط الحالية واحد؛ التضخم الناتج عن الطاقة والتوترات الجيوسياسية.

أمريكا والصين.. المواجهة الأهم في سوق الفائدة

وتظل المقارنة بين الولايات المتحدة والصين هي الأكثر أهمية بالنسبة للأسواق العالمية، فالولايات المتحدة تتحرك نحو تشديد نقدي جديد بعد رفع الفائدة إلى 3.75%-4%، بينما تختار الصين التثبيت عند 3% للفائدة لأجل عام و3.50% لأجل 5 سنوات.

وهذا الفارق لا يتعلق فقط بمستوى الفائدة، بل يعكس اختلافًا في طبيعة التحديات الاقتصادية؛ واشنطن تركز على إعادة التضخم إلى مستهدفه، بينما تواجه بكين ضعف الطلب على الائتمان وأزمة في العقارات والحكومات المحلية، مع رغبة في تجنب خفض كبير للفائدة قد يضغط على العملة أو هوامش البنوك، ومن ثم، فإن قرارات سبتمبر ترسم خريطة جديدة للسياسة النقدية العالمية؛ الفيدرالي يشدد، الصين تنتظر، أوروبا ترفع، وبريطانيا تراقب، فيما ستحدد أسعار الطاقة والتضخم وحركة رؤوس الأموال إلى أي مدى يمكن أن يستمر هذا الانقسام خلال الأشهر المقبلة.

اقرأ أيضًا: 

شاحنات الديزل تعود للمنافسة في أمريكا.. جنرال موتورز تراهن على V-8 وتباطؤ الطلب على «الكهربائية»

Short Url

search