الثلاثاء، 08 سبتمبر 2026

08:50 ص

الصين تضخ 365 مليار يوان بالبنوك.. هل تنجح التحفيزات في إنعاش الاقتصاد؟

الثلاثاء، 08 سبتمبر 2026 08:20 ص

الصين

الصين

مي المرسي

تواجه التحفيزات الصينية في 2026، اختبارًا صعبًا، فبينما أبقى بنك الشعب الصيني على بيئة نقدية ميسرة، وضخ سيولة في النظام المصرفي، وثبّت أسعار الفائدة عند مستويات منخفضة، تكشف بيانات الائتمان والتمويل الاجتماعي أن المشكلة لم تعد فقط في تكلفة الاقتراض أو توافر السيولة، وإنما في ضعف الطلب على القروض وتراجع شهية الأسر والشركات للإنفاق والاستثمار.

وتظهر أحدث البيانات، أن إجمالي التمويل الاجتماعي الجديد في الصين بلغ 22.25 تريليون يوان، خلال أول 7 أشهر من 2026، بانخفاض 1.74 تريليون يوان، عن الفترة نفسها من العام الماضي، بينما سجلت القروض الجديدة باليوان نحو 10.38 تريليون يوان، مقابل 12.87 تريليون يوان خلال الفترة نفسها من 2025. 

أرقام الائتمان الصيني تكشف ضعف الطلب

وكشفت بيانات بنك الشعب الصيني عن تباطؤ واضح في نمو الائتمان، رغم استمرار السياسة النقدية في توفير السيولة.

وفي نهاية يوليو 2026، بلغ رصيد إجمالي التمويل الاجتماعي 463.27 تريليون يوان، بزيادة 7.4% على أساس سنوي، وهي النسبة نفسها المسجلة في نهاية يونيو.

وفي الوقت نفسه، ارتفع المعروض النقدي M2 بنسبة 7.7% على أساس سنوي إلى 355.51 تريليون يوان بنهاية يوليو، بينما زاد M1 بنسبة 4% إلى 115.46 تريليون يوان، وهنا تظهر المفارقة الأساسية؛ المال موجود في النظام المالي، لكن نمو الائتمان يتباطأ.

فالقروض المقومة باليوان، زادت خلال أول 7 أشهر بنحو 10.38 تريليون يوان، لكن ذلك جاء أقل بكثير من الزيادة البالغة 12.87 تريليون يوان في الفترة نفسها من العام السابق، والأكثر دلالة أن القروض الجديدة باليوان سجلت انكماشًا قدره 340 مليار يوان في يوليو وحده، في ثاني انكماش شهري خلال العام، بينما انخفضت قروض الأسر والرهون العقارية بنحو 460.3 مليار يوان، وتراجعت قروض الشركات بنحو 130 مليار يوان.

اليوان الصيني

نمو القروض يتراجع إلى مستوى قياسي منخفض

وبلغ نمو القروض القائمة نحو 5.1% على أساس سنوي في يوليو 2026، وهو مستوى قياسي منخفض، في إشارة إلى أن خفض تكلفة التمويل لم يكن كافيًا لإعادة تنشيط الطلب الائتماني.

وتشير هذه البيانات، إلى أن التحدي أمام بنك الشعب الصيني لم يعد مجرد توفير أموال أرخص للبنوك، وإنما إقناع الأسر والشركات بالاقتراض والإنفاق والاستثمار في ظل استمرار حالة عدم اليقين المرتبطة بالعقار والدخل والطلب المحلي.

أسعار الفائدة الصينية عند مستويات منخفضة

ويحافظ بنك الشعب الصيني، على بيئة تمويل منخفضة نسبيًا، واستقر سعر الفائدة الأساسي للقروض لمدة عام عند 3%، بينما بقي سعر الخمس سنوات عند 3.50% في أحدث قراءة بتاريخ 20 أغسطس 2026. 

كما استقر سعر عمليات إعادة الشراء العكسية لأجل 7 أيام، عند 1.40%، وهو أحد أهم أدوات إدارة السيولة قصيرة الأجل لدى البنك المركزي. وفي يوليو، ضخ البنك المركزي 206.5 مليار يوان عبر عمليات إعادة شراء عكسية لأجل 7 أيام بهذا السعر، إضافة إلى أدوات أخرى لإدارة السيولة. 

وبالتالي، فإن الصين لا تواجه في الوقت الحالي مشكلة ارتفاع حاد في تكلفة التمويل، بل تواجه سؤالًا أكثر تعقيدًا؛ هل هناك من يريد الاقتراض أصلًا؟

التمويل الاجتماعي.. الحكومة تعوض ضعف الائتمان المصرفي

وتكشف مكونات التمويل الاجتماعي عن تحول مهم في مصادر التمويل، فخلال أول 7 أشهر من 2026، بلغ صافي تمويل سندات الشركات نحو 2.52 تريليون يوان، بزيادة 1.1 تريليون يوان عن الفترة نفسها من العام السابق.

وفي المقابل، بلغ صافي تمويل السندات الحكومية نحو 7.76 تريليون يوان، فيما زاد التمويل بالأسهم المحلية للشركات غير المالية بنحو 406.1 مليار يوان، وهذا يعني أن جزءًا أكبر من التمويل الجديد يأتي عبر السندات الحكومية وتمويل الشركات والأسواق المالية، بدلًا من الاعتماد فقط على القروض المصرفية.

وبالتالي، فإن تراجع القروض لا يعني بالضرورة غياب التمويل عن الاقتصاد بالكامل، لكنه يشير إلى تغير في تركيبة التمويل ومن يحصل عليه وكيف يستخدمه.

هل وصلت الصين إلى فخ السيولة؟

الأدق اقتصاديًا وصف الوضع بأنه فجوة بين عرض السيولة والطلب على الائتمان، وليس الجزم بأن الاقتصاد دخل «فخ السيولة» بالمعنى الأكاديمي الكامل.

فالبنك المركزي يستطيع توفير الأموال وخفض أسعار الفائدة، لكن تأثير السياسة النقدية يظل محدودًا إذا كانت الشركات لا ترى فرصًا كافية للاستثمار، أو إذا كانت الأسر تفضل خفض مديونيتها والادخار بدلًا من الاقتراض.

وتظهر هذه المشكلة بوضوح في سوق العقارات، حيث انكمش النشاط العقاري 0.2% في النصف الأول من 2026، بينما نما قطاع التصنيع 5.5% وقطاع المعلومات والبرمجيات 10.7% خلال الفترة نفسها، بمعنى آخر، السيولة تتحرك، لكن ليس بالضرورة نحو القطاعات الأكثر احتياجًا لتحفيز الطلب المحلي.

الاستهلاك الصيني.. التحفيز يحقق نتائج لكن الزخم يتباطأ

فيما تظهر بيانات مبيعات التجزئة أن الطلب المحلي لا يزال أضعف من المستهدف، بلغ إجمالي مبيعات التجزئة في الصين خلال أول 7 أشهر من 2026 نحو 28.77 تريليون يوان، بزيادة 1.2% فقط على أساس سنوي.

وفي يوليو وحده، ارتفعت مبيعات التجزئة بنسبة 0.6% فقط، بينما ارتفعت المبيعات باستثناء السيارات بنسبة 2.5%، واللافت أن بعض القطاعات شهدت انكماشًا واضحًا خلال يوليو؛ فقد تراجعت مبيعات السيارات 17%، والأثاث 8.8%، والأجهزة المنزلية والإلكترونيات السمعية والبصرية 1.9%، ومواد البناء والتشطيبات 14.2%. 

وهذه الأرقام مهمة لأنها تشير إلى أن الحوافز لا تزال تدعم أجزاء من الاستهلاك، لكنها لم تحدث حتى الآن موجة واسعة من الطلب المحلي.

المصانع في الصين

250 مليار يوان لتحفيز الاستهلاك

وتراهن بكين، على السياسة المالية بدلًا من الاعتماد على البنك المركزي وحده، وخصصت الصين 250 مليار يوان من السندات الحكومية الخاصة فائقة الطول لتمويل برامج استبدال السلع الاستهلاكية في 2026، إلى جانب إنشاء صندوق للتنسيق المالي والمالي بقيمة 100 مليار يوان لدعم الطلب المحلي. 

وأظهرت البيانات الرسمية، أن برامج استبدال السلع حققت مبيعات بقيمة 1.1 تريليون يوان خلال النصف الأول من 2026، واستفاد منها نحو 150 مليون مستهلك.

وشملت البرامج استبدال نحو 3.707 مليون سيارة و63.266 مليون جهاز منزلي، إضافة إلى شراء 79.098 مليون منتج رقمي وذكي، لكن مقارنة بالعام السابق، تشير بيانات نشرتها Caixin إلى تراجع مبيعات برامج الاستبدال إلى 1.1 تريليون يوان في النصف الأول من 2026، مقابل 1.6 تريليون يوان في الفترة نفسها من 2025، ما يعكس تراجع العائد الهامشي للتحفيز بعد استفادة جزء من الطلب مسبقًا من البرامج السابقة. 

التضخم لا يزال ضعيفًا رغم التحفيز

فيما تظل مؤشرات الأسعار عاملًا آخر يفسر صعوبة إنعاش الطلب، ارتفع مؤشر أسعار المستهلك الصيني 0.5% على أساس سنوي في يوليو 2026، لكنه انخفض 0.1% على أساس شهري.

وفي المقابل، ارتفع التضخم الأساسي، باستثناء الغذاء والطاقة، بنسبة 0.9% على أساس سنوي، بينما تراجعت أسعار الغذاء 1.5%. 

كما ارتفع مؤشر أسعار المنتجين 3.5% على أساس سنوي في يوليو، لكنه انخفض 0.7% على أساس شهري، وتعني هذه الأرقام أن الصين لا تواجه موجة تضخم ناجمة عن التحفيز، بل مساحة لا تزال متاحة أمام السلطات لدعم الطلب إذا رأت أن الاقتصاد يحتاج إلى مزيد من التحفيز.

الاقتصاد الصيني يتباطأ.. لكن الصورة ليست انهيارًا

ورغم ضعف الطلب المحلي، لا تعكس بيانات الاقتصاد الصيني صورة انهيار شامل، فقد نما الاقتصاد الصيني 4.7% خلال النصف الأول من 2026، لكن معدل النمو تباطأ من 5% في الربع الأول إلى 4.3% في الربع الثاني، وهو ما يعكس فقدانًا للزخم مع تقدم العام. 

في المقابل، حافظت قطاعات التكنولوجيا والتصنيع على معدلات نمو قوية، إذ نما التصنيع 5.5% في النصف الأول، بينما نما قطاع المعلومات والبرمجيات وخدمات تكنولوجيا المعلومات 10.7%. 

كما ارتفع مؤشر S&P Global/RatingDog، لمديري المشتريات في قطاع التصنيع إلى 51.5 نقطة في أغسطس من 50.9 نقطة في يوليو، لكن البيانات أظهرت استمرار ضعف الطلب المحلي.

الصين تضخ 365 مليار يوان في البنوك.. هل تنجح في إعادة تشغيل الائتمان؟

وفي أحدث تطورات التحفيزات الصينية 2026، أعلنت بكين، ضخ نحو 365 مليار يوان، أي نحو 54 مليار دولار، في عدد من البنوك وشركات التأمين الحكومية لتعزيز رؤوس أموالها ودعم قدرتها على الإقراض.

وتشمل العملية بنوكًا كبرى مثل البنك الزراعي الصيني والبنك الصناعي والتجاري الصيني، إضافة إلى شركات تأمين مملوكة للدولة. وتأتي الخطوة بعد عملية إعادة رسملة سابقة بلغت 500 مليار يوان. 

وتكشف هذه الخطوة عن تحول مهم: السلطات لا تحاول فقط خفض سعر الاقتراض، وإنما تعمل أيضًا على تقوية ميزانيات المؤسسات المالية نفسها حتى تستطيع مواصلة تمويل الاقتصاد، لكن المشكلة تظل في جانب الطلب؛ فإذا لم ترغب الشركات والأسر في الاقتراض، فإن زيادة قدرة البنوك على الإقراض لن تتحول بالضرورة إلى زيادة مماثلة في الإنفاق والاستثمار.

الصين

ماذا يعني ذلك للنمو الصيني في 2026؟

وضعت الحكومة الصينية هدف نمو للناتج المحلي الإجمالي خلال 2026، عند 4.5% إلى 5%، مع التأكيد على السعي لتحقيق نتائج أفضل، لكن تباطؤ النمو إلى 4.3% في الربع الثاني، وضعف نمو الائتمان والطلب المحلي، يجعلان تحقيق الجزء الأعلى من المستهدف أكثر تحديًا.

وتشير أحدث صورة، إلى أن الصين ما زالت تمتلك مساحة مالية ونقدية كبيرة للتحرك، لكنها تواجه مشكلة مختلفة عن الأزمات التقليدية: ليست المشكلة في غياب الأموال، وإنما في كيفية تحويل الأموال المتاحة إلى استهلاك واستثمار خاص مستدام.

وتكشف أرقام التحفيزات الصينية والاقتصاد الصيني في 2026، عن فجوة واضحة بين السياسة النقدية والاقتصاد الحقيقي.

فـ22.25 تريليون يوان من التمويل الاجتماعي الجديد خلال أول 7 أشهر لا تزال تمثل تدفقًا ضخمًا، لكن انخفاضها 1.74 تريليون يوان عن العام السابق، بالتزامن مع انكماش القروض الجديدة في يوليو وتراجع نمو الائتمان إلى 5.1%، يؤكد أن السيولة وحدها لا تكفي لإعادة تشغيل الطلب.

ومن هنا تأتي أهمية التحول نحو التحفيز المالي، ودعم دخول الأسر، وبرامج استبدال السلع، والاستثمار الحكومي، إلى جانب إعادة رسملة البنوك، وبالتالي، فإن الاختبار الحقيقي للسياسة الاقتصادية الصينية في النصف الثاني من 2026 لن يكون كم يوانًا يستطيع بنك الشعب الصيني ضخها بل كم يوانًا من هذه السيولة سينتهي به المطاف في إنفاق الأسر واستثمارات الشركات الخاصة.

اقرأ أيضًا:

المركزي الأوروبي يتجه لرفع الفائدة في سبتمبر إلى 2.5% مع ارتفاع التضخم

احتياطيات اليابان تهبط 79.6 مليار دولار في أغسطس بعد تدخل لدعم الين

كوريا الجنوبية وأمريكا تتفقان على استثمار 22.3 مليار دولار في محطة غاز بتكساس

Short Url

search