-
وزير النقل: القطار السريع «قناة سويس جديدة» على قضبان يربط البحرين الأحمر والمتوسط
-
رئيس الوزراء يفتتح 9 مشروعات صناعية جديدة باستثمارات 84.5 مليون دولار
-
البنك المركزي: ارتفاع ودائع البنوك بالعملات الأجنبية لـ3.4 تريليون جنيه بنهاية يوليو 2026
-
دقيق القمح المصري يحصد المركز الخامس عالميا في التصدير بـ 944 ألف طن
أفريقيا أكبر من جرينلاند 14 مرة.. كيف خدعتنا خريطة مركاتور لأكثر من 450 عامًا؟
الأحد، 06 سبتمبر 2026 11:03 ص
خريطة مركاتور والأمم المتحدة
مي المرسي
أفريقيا أكبر من جرينلاند بنحو 14 مرة، لكنهما تبدوان على أشهر خرائط العالم أقرب إلى بعضهما في الحجم، وأوروبا، التي تبلغ مساحتها نحو 10.2 مليون كيلومتر مربع، تبدو بصريًا أكبر مما هي عليه، بينما تمتد أفريقيا على نحو 30.3 مليون كيلومتر مربع، أي ما يقرب من ثلاثة أمثال مساحة أوروبا.
هذه ليست مفارقة في الجغرافيا، بقدر ما هي نتيجة لخريطة عمرها أكثر من 450 عامًا، ففي عام 1569، وضع الجغرافي الفلمنكي «جيراردوس مركاتور» إسقاطه الشهير للعالم، في محاولة لحل مشكلة عملية واجهت بحارة عصر الكشوف الجغرافية، وهي كيف يمكن تمثيل سطح الأرض الكروي على خريطة مسطحة، مع الحفاظ على الاتجاهات التي يحتاجها الملاحون؟
نجحت الفكرة في الملاحة، لكنها غيّرت في الوقت نفسه الطريقة التي يرى بها الإنسان أحجام القارات، فكلما ابتعدنا عن خط الاستواء واقتربنا من القطبين، زاد التضخيم البصري للمساحات، لتبدو مناطق مثل جرينلاند وأجزاء من شمال أوروبا وأمريكا الشمالية أكبر بكثير من حجمها الحقيقي.
وبعد نحو 457 عامًا من ظهور خريطة مركاتور، انتقل الجدل من كتب الجغرافيا إلى أروقة الأمم المتحدة، ففي 4 سبتمبر 2026، اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارًا يدعو إلى إعادة النظر في تمثيل العالم على الخرائط، وحصل القرار على تأييد 164 دولة، مقابل رفض دولة واحدة وامتناع 6 دول عن التصويت.

ظاهريًا، يبدو الأمر مجرد خلاف حول إسقاط جغرافي، لكن وراء الخطوط والألوان قصة أكبر مفادها؛ من يحدد الصورة التي يرى بها العالم نفسه؟ وهل يمكن لخريطة وُضعت لخدمة الملاحة قبل أربعة قرون أن تستمر في تشكيل تصورنا عن حجم القارات، وعن مركز العالم، وعن الجغرافيا التي تتحول اليوم إلى تجارة ونفوذ وقوة؟، من هنا تبدأ قصة الخريطة التي لم تغيّر شكل الأرض، لكنها ربما غيّرت الطريقة التي نراها بها.
لماذا قررت الأمم المتحدة تغيير الخريطة الآن؟
القرار تقوده دولة توجو بدعم من الاتحاد الأفريقي، ويستند إلى فكرة بسيطة ظاهريًا لكنها شديدة التأثير، وهي أن المساحة التي تراها على الخريطة ليست دائمًا المساحة الموجودة على الأرض.
فالخريطة المسطحة تحاول تمثيل كوكب كروي على سطح ثنائي الأبعاد، ولذلك لا يمكن لأي إسقاط جغرافي أن يحافظ في الوقت نفسه على الشكل والمساحة والمسافة والاتجاه بصورة مثالية، لكن المشكلة، وفقًا لأنصار المبادرة، أن إسقاط مركاتور ظل لعقود طويلة حاضرًا في التعليم والإعلام والخرائط الرقمية، ما جعل التشوه الرياضي يتحول تدريجيًا إلى صورة ذهنية عن العالم.
وتقول الأمم المتحدة إن هذه التمثيلات غير المتناسبة أسهمت في تقليص الحجم المتصور لأفريقيا والمناطق القريبة من خط الاستواء، وأصبح النقاش بالتالي يتجاوز الدقة الجغرافية إلى تأثير الخرائط على الوعي والتعليم والتصورات الثقافية والجيوسياسية والاقتصادية.
1569.. كيف بدأت قصة مركاتور؟
لفهم سبب كل هذا الجدل، علينا العودة نحو 457 عامًا إلى الوراء، ففي عام 1569، قدم الجغرافي وصانع الخرائط الفلمنكي جيراردوس مركاتور إسقاطه الشهير للعالم، في عصر كانت فيه الملاحة البحرية الأوروبية تتوسع بسرعة، وكانت السفن تقطع المحيطات بحثًا عن طرق تجارية جديدة وموانئ وأسواق وموارد.
لم يكن مركاتور يحاول تكبير أوروبا أو تصغير أفريقيا، كان يحاول حل مشكلة تقنية شديدة الأهمية للبحارة؛ كيف يمكن تحويل سطح الأرض الكروي إلى خريطة مسطحة تساعد السفينة على الحفاظ على اتجاه ثابت؟
وجاء إسقاطه بحل عبقري؛ إذ حافظ على الزوايا والاتجاهات، وأصبح بالإمكان رسم مسار ذي اتجاه ثابت على الخريطة كخط مستقيم تقريبًا، وهي خاصية جعلت مركاتور أداة مهمة للملاحة البحرية، لكن هذا الحل جاء بثمن، فكلما ابتعدنا عن خط الاستواء باتجاه القطبين، ازداد تضخيم المساحات على الخريطة.
وهنا بدأت المفارقة التي استمرت أكثر من 4 قرون ونصف القرن؛ خريطة صُممت أساسًا لخدمة البحارة أصبحت لاحقًا واحدة من أشهر الصور التي يتعلم من خلالها مليارات البشر شكل العالم.
أفريقيا وجرينلاند.. الرقم الذي يكشف الخدعة
ربما لا توجد مقارنة أكثر وضوحًا من أفريقيا وجرينلاند على خريطة مركاتور، إذ تبدو جرينلاند في كثير من الأحيان قريبة في الحجم من أفريقيا، بينما الحقيقة أن مساحة أفريقيا تبلغ نحو 30.3 مليون كيلومتر مربع، مقابل نحو 2.16 مليون كيلومتر مربع لجرينلاند، أي أن أفريقيا أكبر من جرينلاند بنحو 14 مرة.
ومع ذلك، فإن العين التي اعتادت على خريطة مركاتور قد ترى الكتلتين الجغرافيتين متقاربتين نسبيًا في الحجم،وهنا تكمن قوة الخريطة؛ هي لا تغير الأرض، لكنها تستطيع أن تغير إدراك الإنسان للأرض.
الأمر لا يتوقف عند أفريقيا وجرينلاند؛ فالمناطق القريبة من القطبين تظهر أكبر من حجمها الحقيقي، بينما تتعرض المناطق الاستوائية، ومنها أجزاء واسعة من أفريقيا وأمريكا الجنوبية وجنوب آسيا، للانكماش البصري، ولهذا، عندما تنتقل الخريطة من كتاب الجغرافيا إلى السياسة، تبدأ الأرقام في اكتساب معنى مختلف.
أفريقيا ليست «قارة صغيرة».. الأرقام تقول شيئًا آخر
تبلغ مساحة أفريقيا نحو 30.3 مليون كيلومتر مربع، أي أنها تمثل قرابة 20% من إجمالي مساحة اليابسة على كوكب الأرض، والقارة أكبر بنحو 3 مرات من أوروبا من حيث المساحة، بل إن المساحة الأفريقية الهائلة تسمح، نظريًا، باستيعاب مساحات الولايات المتحدة والصين والهند واليابان والمكسيك وجزء كبير من أوروبا داخل حدودها.
هذه المقارنات ليست مجرد لعبة أرقام؛ لأنها تكشف الفارق بين الجغرافيا الفعلية والجغرافيا التي صنعتها الصورة البصرية للخريطة.
ومن هنا جاء خطاب توجّو والاتحاد الأفريقي؛ إذا كانت أفريقيا واحدة من أكبر الكتل الجغرافية في العالم، وإذا كانت تضم 54 دولة، ويعيش فيها نحو 1.5 مليار نسمة، فإن الطريقة التي تظهر بها على الخريطة ليست مسألة جمالية أو تقنية فقط، إنها جزء من الطريقة التي يُنظر بها إلى القارة نفسها.

Equal Earth.. ما الذي يتغير؟
الإسقاط الذي تدفع الأمم المتحدة باتجاهه هو Equal Earth، وهو إسقاط جغرافي ظهر عام 2018، ويهدف إلى الحفاظ على النسب الحقيقية لمساحات القارات بصورة أفضل من مركاتور، لكن حتى Equal Earth ليست «الخريطة المثالية»، وهذه نقطة مهمة جدًا.
فلا توجد طريقة لتحويل الكرة الأرضية إلى سطح مستوٍ من دون التضحية بشيء ما، ولذلك فإن الخريطة الجديدة لا تعني أن العالم أصبح فجأة مطابقًا تمامًا لما هو موجود على الأرض، وإنما تعني أن المساحات النسبية للقارات أصبحت أكثر دقة.
وهنا تتحول فلسفة التغيير من سؤال «أي خريطة صحيحة؟» إلى سؤال أكثر دقة؛ أي خاصية نريد أن نحافظ عليها عندما نرسم العالم؟
مركاتور أعطت الأولوية للاتجاهات والزوايا لخدمة الملاحة، بينما تعطي الخرائط متساوية المساحة الأولوية للحفاظ على النسب الحقيقية للمساحات.
لماذا تحمل الخريطة كل هذا المعنى السياسي؟
لأن الخرائط لا تُستخدم في الملاحة فقط، بل يستخدمها الطالب في المدرسة، ويستخدمها صانع القرار، وتستخدمها وسائل الإعلام، وشركات التكنولوجيا، والمؤسسات الدولية، وشركات الطيران والشحن، ومنصات تحديد المواقع، وبالتالي، فإن الصورة التي تتكرر أمام الإنسان آلاف المرات خلال حياته تصبح جزءًا من الذاكرة البصرية الجماعية.
ولهذا وصفت المبادرة الأفريقية تغيير الخريطة بأنه محاولة لمعالجة إرث تاريخي طويل ارتبط بالتمثيل غير المتوازن للقارات، خصوصًا أفريقيا.
ويذهب أنصار التغيير إلى أن تمثيل القارة بحجم أقرب إلى حقيقتها يمكن أن يساعد في إعادة بناء تصور عالمي أكثر دقة عن الموارد والسكان والاقتصاد والموقع الجغرافي والاستراتيجي لأفريقيا، لكن واشنطن رأت المسألة بصورة مختلفة، فقد كانت الولايات المتحدة الدولة الوحيدة التي صوتت ضد القرار، بينما امتنعت إستونيا وجورجيا وليتوانيا ومولدوفا وصربيا وأوكرانيا عن التصويت.
من الخريطة إلى الاقتصاد.. عندما تتحول المسافة إلى أموال
وهنا تبدأ العلاقة المباشرة بين الخرائط والاقتصاد، في عالم التجارة العالمية، لا تُقاس الجغرافيا بالكيلومترات فقط، وإنما بالوقت والوقود والتكلفة والطاقة الاستيعابية للموانئ والمطارات والمستودعات.
سفينة الحاويات لا ترى الخريطة كما يراها طالب المدرسة، وشركة الطيران لا تسأل عن شكل القارة بقدر ما تسأل عن أقصر مسار وأقل استهلاك للوقود، وشركات التجارة الإلكترونية لا تحتاج فقط إلى معرفة أين يعيش العميل، بل إلى معرفة أين تضع مستودعاتها، وكم تستغرق الشحنة، وكيف تصل إلى العميل في آخر كيلومتر.
وهنا تستخدم شركات اللوجستيات أنظمة GIS ونماذج جغرافية متعددة، لأن إسقاطًا مناسبًا للملاحة ليس بالضرورة مناسبًا لحساب المساحة أو توزيع المستودعات.
الطيران.. لماذا لا يكون أقصر طريق خطًا مستقيمًا؟
إذا نظرت إلى خريطة مسطحة، قد يبدو أن أقصر طريق بين مدينتين بعيدتين هو الخط المستقيم الذي يربط بينهما، لكن الأرض ليست سطحًا مستويًا،ـ هي كرة تقريبًا، ولذلك تعتمد الرحلات الجوية الطويلة على مفهوم الدائرة العظمى Great Circle، أي أقصر مسار بين نقطتين على سطح الكرة الأرضية.
ولهذا قد تبدو الطائرة على الخريطة وكأنها تتجه شمالًا ثم تعود جنوبًا، رغم أن هذا المسار هو الأقصر على سطح الأرض، والفرق بين المسار النظري والمسار الفعلي ليس تفصيلًا جماليًا؛ فعندما نتحدث عن آلاف الرحلات يوميًا، تصبح كل دقيقة وكل كمية وقود جزءًا من حسابات بملايين الدولارات.
والمفارقة.. مركاتور ما زالت مهمة
هنا تأتي المفارقة الأكبر، الأمم المتحدة لا تطالب بإعدام مركاتور؛ فالقرار غير ملزم، ولا يحظر استخدام الإسقاط، كما أن مركاتور ما زالت مفيدة في بعض تطبيقات الملاحة لأنها تحافظ على الاتجاهات والزوايا التي يحتاجها البحارة، وهذا يعني أن المعركة ليست بين «خريطة صحيحة» و«خريطة خاطئة»، إنها بين وظائف مختلفة للخريطة، فإذا كنت تريد الملاحة، قد تحتاج إلى إسقاط يحافظ على الاتجاه، وإذا كنت تريد مقارنة مساحة أفريقيا بأوروبا، تحتاج إلى إسقاط متساوي المساحة، وإذا كنت تريد حساب المسافة بين نقطتين، قد تحتاج إلى أدوات ونماذج مختلفة.
وإذا كنت تريد إدارة أسطول من الشاحنات، فإن السؤال يصبح؛ أين الطريق؟ كم طوله؟ كم يستهلك من الوقود؟ وكم يستغرق؟

الخريطة التي بدأت للبحارة أصبحت قضية نفوذ
المفارقة التاريخية أن مركاتور صُممت في القرن السادس عشر لتسهيل الملاحة، أي في قلب عصر توسع التجارة البحرية الأوروبية، وبعد نحو 457 عامًا، تعود الخريطة نفسها إلى صدارة النقاش العالمي، لكن هذه المرة ليس بسبب البحارة، وإنما بسبب كيفية تمثيل العالم ومن يملك حق تحديد الصورة التي يرى بها العالم نفسه، وفي هذه المعركة، لا تريد أفريقيا تغيير مساحتها؛ فهي لا تحتاج إلى ذلك، ما تريد تغييره هو الصورة التي تظهر بها مساحتها أمام العالم، ولهذا جاءت المبادرة بعنوان «تصحيح الخريطة».
من 1569 إلى 2026.. العالم الذي تغيرت خريطته
بين خريطة مركاتور عام 1569 وقرار الأمم المتحدة عام 2026 نحو 457 عامًا، خلال هذه الفترة انتقل العالم من السفن الشراعية إلى طائرات تقطع المحيطات في ساعات، ومن الخرائط الورقية إلى الأقمار الصناعية وأنظمة تحديد المواقع والذكاء الاصطناعي، لكن شيئًا واحدًا بقي ثابتًا؛ الخريطة ليست مجرد صورة للعالم، بل طريقة لرؤية العالم.
ولهذا فإن قرار الأمم المتحدة لا يغير شكل أفريقيا على الأرض، ولا يجعل أوروبا أصغر، ولا يجعل أمريكا الشمالية تختفي، إنه يغير شيئًا أكثر دقة؛ الصورة البصرية التي تُقاس بها القارات في أذهان الناس.
وفي عالم تتحول فيه الجغرافيا إلى تجارة، والتجارة إلى نفوذ، والنفوذ إلى قوة سياسية، يصبح السؤال عن شكل الخريطة سؤالًا أكبر بكثير من مجرد خطوط وألوان، فمن يرسم الخريطة لا يغير العالم.. لكنه يستطيع أن يغير الطريقة التي يراه بها العالم.
اقرأ أيضًا:
اجتماع أوبك+ اليوم.. هل يوقف التحالف زيادات إنتاج النفط في أكتوبر؟
تقرير أمريكي يتوقع تقلبات حادة في «وول ستريت» خلال سبتمبر.. والأسباب تاريخية
أسعار النفط اليوم.. خام برنت يتجاوز 95 دولارًا مع مكاسب شهرية تتخطى 21%
Short Url
تمرد الذكاء الاصطناعي على البشر.. وكلاء OpenAI ينفذون 18 ألف تعديل على موقع ألماني
06 سبتمبر 2026 09:21 ص
الأصول الرقمية تتجاوز 6 مليارات دولار عالميا.. والإمارات الأكثر دعما عربيا
05 سبتمبر 2026 11:00 ص
أكثر الكلمات انتشاراً