الأحد، 30 أغسطس 2026

06:43 ص

إزالة الروائح في صناعة الزيوت.. «خبير»: التقنية الحديثة توازن بين جودة المنتج وسلامة الغذاء

الأحد، 30 أغسطس 2026 04:30 ص

صناعة الزيوت

صناعة الزيوت

هدير جلال

أكد الدكتور عدنان محمد خضر، الخبير والمستشار الدولي في الصناعات الغذائية وسلامة الغذاء، أن عملية إزالة الروائح «Deodorisation» تعد من أهم وأدق المراحل النهائية في تكرير الزيوت والدهون الغذائية.

وأشار خضر، إلى أن دورها لم يعد يقتصر على التخلص من الروائح والطعم غير المرغوب، وإنما أصبحت عملية استراتيجية تستهدف تحقيق التوازن بين جودة المنتج والحفاظ على قيمته الغذائية وسلامته، إلى جانب خفض استهلاك الطاقة وتحسين الكفاءة الاقتصادية.

وأوضح، أن صناعة الزيوت والدهون الغذائية تعتمد بصورة متزايدة على التكامل بين علوم الكيمياء والهندسة والتكنولوجيا الحديثة، ملفتًا إلى أن الزيوت الخام تمر بعدد من مراحل المعالجة للوصول إلى منتج نهائي يتمتع بالنقاء والثبات والجودة الحسية ومتطلبات السلامة الغذائية.

وأضاف أن عملية إزالة الروائح، تتم من خلال فصلٍ فيزيائي تحت ظروف خاصة تشمل درجات حرارة مرتفعة وضغط تفريغ عالٍ، واستخدام البخار المباشر، حيث تعتمد العملية على اختلاف تطاير المركبات الموجودة في الزيت.

ويسمح ذلك بإزالة المركَّبات ذات الوزن الجزيئي المنخفض، مثل الألدهيدات والكيتونات والأحماض الدهنية الحرة والمركَّبات المسؤولة عن الطعم والرائحة، مع بقاء الدهون الثلاثية الأساسية داخل الزيت.

 

إزالة الروائح خطوة أساسية للحصول على زيت محايد

وأشار الخبير الدولي في الصناعات الغذائية وسلامة الغذاء، إلى أن الزيوت بعد مراحل التكرير الأولية، قد تحتوي على مركبات تؤثر على قبول المستهلك، من بينها الروائح النباتية الطبيعية ونواتج الأكسدة وآثار بعض مراحل المعالجة السابقة.

وشدد على أن ذلك يجعل إزالة الروائح مرحلة أساسية للحصول على زيت يتميز برائحة شبه معدومة وطعم محايد، بما يجعله مناسبًا للاستخدام في قطاعات متعددة.

وأوضح أن أهمية هذه العملية تزداد في الزيوت المستخدمة في صناعة الأغذية والمخابز والمنتجات اللبنية والأغذية الجاهزة والزيوت المتخصصة، باعتبار أن جودة الزيت النهائية تؤثر بصورة مباشرة على خصائص المنتجات الغذائية التي يدخل في تصنيعها.

 

4 عوامل تحسم كفاءة إزالة الروائح

وقال خضر، إن نجاح عملية إزالة الروائح يعتمد بشكلٍ رئيسي على أربعة عوامل هندسية، يأتي في مقدمتها درجة الحرارة، موضحًا أن العملية تحتاج إلى حرارة كافية لتحقيق تطاير المركبات المستهدفة، إلا أن ارتفاع درجة الحرارة بصورة مفرطة قد يؤدي إلى فقد جزء من مضادات الأكسدة الطبيعية، وتكوين مركبات حرارية غير مرغوبة وانخفاض الجودة الغذائية.

وأكد أن المصانع المتقدمة لا تستهدف الوصول إلى أعلى درجة حرارة ممكنة، وإنما تبحث عن الظروف المثلى التي تحقق أعلى كفاءة في إزالة المركبات غير المرغوبة، مع أقل تأثير حراري ممكن على الزيت.

وأشار إلى أن العامل الثاني، يتمثل في نظام التفريغ «Vacuum»، والذي يعد من أهم عناصر نجاح العملية، حيث يؤدي انخفاض الضغط إلى خفض درجات غليان المركبات المتطايرة، وتحسين عملية الفصل، وتقليل الحاجة إلى درجات حرارة مرتفعة.

وألفت إلى أن أي خلل في نظام التفريغ، يمكن أن يؤدي إلى بقاء جزءٍ من الروائح غير المرغوبة، وزيادة استهلاك الطاقة وإطالة زمن التشغيل.

وأضاف أن العامل الثالث، هو البخار المباشر، الذي يستخدم كوسيط لحمل المركبات المتطايرة خارج الزيت، موضحًا أن كفاءة استخدام البخار، ترتبط بمعدل الحقن وتوزيعه وجودة التلامس مع الزيت.

ويتضمن العامل الرابع، بحسب خضر، زمن الاحتجاز، حيث يجب تحقيق توازن دقيق بين الوقت اللازم لإزالة المركبات غير المرغوبة وبين تجنب التعرض الحراري الزائد، إذ قد يؤدي الزمن القصير إلى إزالة غير مكتملة، بينما قد يؤدي الزمن الطويل إلى زيادة الأكسدة الحرارية، وفقد بعض المركبات الطبيعية.

 

تطور تقنيات إزالة الروائح

وأوضح الدكتور عدنان خضر، أن تقنيات إزالة الروائح شهدت تطورًا ملحوظًا، حيث انتقلت الصناعة من الأنظمة التقليدية إلى أنظمة مستمرة وأكثر تقدمًا.

وأشار شيرًا إلى أن الأنظمة الدفعية «Batch» ما زالت تستخدم في بعض المصانع الصغيرة والمتوسطة، وتتميز بالبساطة، لكنها قد ترتبط باستهلاك طاقة أعلى واختلافات في جودة الدفعات.

وأضاف أن الأنظمة المستمرة «Continuous» أصبحت الخيار الأساسي في المصانع الكبيرة، لما توفره من ثبات أكبر في جودة المنتج وانخفاض تكلفة التشغيل وإمكانية التحكم الآلي في ظروف العملية.

وأشار إلى ظهور تقنيات حديثة مثل «Short Path Deodorisation» و«Low Temperature Deodorisation»، والتي تستهدف تقليل التأثير الحراري والمحافظة على المركبات الغذائية، وتحسين كفاءة التشغيل.

 

سلامة الغذاء تفرض رقابة على الملوثات الحرارية

وأكد خضر، أن عملية إزالة الروائح ترتبط بشكلٍ مباشرٍ بمنظومة سلامة الغذاء، موضحًا أنه وفقًا لمتطلبات أنظمة سلامة الغذاء الحديثة مثل ISO 22000 وFSSC 22000 وHACCP، يجب التعامل مع العملية باعتبارها من العمليات التي تحتاج إلى تقييم المخاطر والسيطرة عليها.

وأوضح أن الخطر الميكروبي، يكون منخفضًا نتيجة درجات الحرارة المرتفعة المستخدمة في العملية، بينما تبرز المخاطر الكيميائية باعتبارها من أهم التحديات التي تحتاج إلى متابعة دقيقة.

وأشار إلى أن من أبرز الملوثات الحرارية التي تحظى باهتمام صناعة الزيوت، مركبات «3-MCPD Esters»، والتي يمكن أن تتكون أثناء المعالجة الحرارية، وتتأثر بدرجة الحرارة وزمن المعالجة، ووجود مركبات الكلور ونوع الزيت.

كما أَلفت إلى «Glycidyl Esters»، باعتبارها من المركبات التي تحظى باهتمام كبير بسبب ارتباطها بظروف المعالجة الحرارية العالية، مؤكدًا أن السيطرة عليها، تتطلب تحسين ظروف التكرير، وتقليل الحمل الحراري، والتحكم في مراحل التصنيع السابقة.

 

جودة الزيت الخام شرط لنجاح العملية

وشدد الخبير والمستشار الدولي، على أن إزالة الروائح لا يمكن أن تكون حلًا لجميع مشكلات الزيت، مؤكدًا أن جودة الزيت الخام قبل دخوله هذه المرحلة، تؤثر بصورة كبيرة على كفاءة العملية النهائية.

وأوضح أن المعالجة الجيدة قبل إزالة الروائح،  تشمل إزالة الصموغ والتحييد والتبييض وتقليل المعادن والشوائب، مشيرًا إلى أنه كلما ارتفعت جودة الزيت الداخل إلى مرحلة إزالة الروائح، أصبحت العملية النهائية أكثر كفاءة وقدرة على تحقيق المواصفات المطلوبة.

وأضاف أن تقييم الزيت بعد عملية إزالة الروائح، يعتمد على مجموعة من التحاليل الكيميائية، من بينها الأحماض الدهنية الحرة «FFA» ورقم البيروكسيد «PV» ورقم الأنيسيدين «p-AV» وقيمة «Totox»، إلى جانب متابعة المركبات الغذائية مثل التوكوفيرولات «Vitamin E» والستيرولات النباتية.

وأشار إلى أهمية قياس الثبات التأكسدي باستخدام «Rancimat» وطرق التحليل الحراري، إلى جانب مراقبة الملوثات الحرارية، خاصة «3-MCPD» و«Glycidyl Esters».

 

المصنع الذكي يرسم مستقبل صناعة الزيوت

وأكد خضر، أن مستقبل صناعة الزيوت والدهون، يتجه نحو مفهوم «المصنع الذكي»، مع زيادة الاعتماد على التكنولوجيا الرقمية والذكاء الاصطناعي في مراقبة العمليات وتحسين الأداء.

وأوضح أن الذكاء الاصطناعي، يمكن أن يسهم في التنبؤ بجودة المنتج وضبط العملية قبل حدوث أي انحراف، بينما تتيح الأنظمة الرقمية مثل «SCADA» وأجهزة الاستشعار «Sensors» وتقنيات «Digital Twin» مستويات أكثر تقدمًا من المراقبة والتحكم.

وأشار إلى أن الاستدامة ستكون أحد المحاور الرئيسية في تطوير عمليات إزالة الروائح، من خلال خفض استهلاك الطاقة واسترجاع الحرارة وتقليل الفاقد وخفض الانبعاثات.

واختتم خضر، بالتأكيد على أن إزالة الروائح تمثل نقطة التقاء بين علوم الدهون والهندسة الصناعية وسلامة الغذاء، وأنها لم تعد مجرد مرحلة للتخلص من الرائحة، وإنما أصبحت منظومة متقدمة للتحكم في جودة الزيت وتحقيق أعلى قيمة غذائية واقتصادية.

وأكد أن نجاح مصانع الزيوت والدهون في المستقبل، سيعتمد على قدرتها على تحقيق معادلة متوازنة تجمع بين جودة أعلى، وسلامة غذائية أفضل، واستهلاك أقل للطاقة، واستدامة أكبر، بما يعزز قدرتها على المنافسة في الأسواق المحلية والعالمية.

Short Url

search