أزمة الملاحة البحرية تتسع.. «النينيو» يخنق قناة بنما والمياه المنخفضة تضرب شرايين أوروبا
الأربعاء، 19 أغسطس 2026 09:09 م
سفن _ صورة أرشيفية
محمد ممدوح
تتداخل التداعيات الجيوسياسية والمناخية في الضغط على نشاط النقل البحري، لتضرب سلاسل التوريد العالمية في مقتل، وسط أزمة ملاحة تتوزع تداعياتها بين مضيق هرمز وقناة بنما وأوروبا.
ويواجه مضيق هرمز اضطرابات مستمرة منذ أكثر من خمسة أشهر، بينما تحولت قناة بنما إلى ممر حيوي للسفن والناقلات الراغبة في الانتقال بين المحيطين الأطلسي والهادئ، خصوصًا مع اضطراب طرق التجارة المرتبطة بالحرب في الشرق الأوسط.
وفي أوروبا، أضاف الصيف شديد الحرارة ضغطًا جديدًا على حركة الشحن، بعدما تراجع منسوب مياه نهري الراين والدانوب إلى مستويات قياسية، ما فرض قيودًا على حمولة السفن ورفع تكاليف نقل السلع والبضائع وصولًا إلى المستهلك النهائي.
«النينيو» يرفع تكلفة العبور في قناة بنما
رفعت ظاهرة «النينيو» المناخية تكلفة المزادات اليومية للعبور عبر أهوسة قناة بنما إلى أكثر من 16 ضعفًا، لتصل إلى مليون و1 مليون دولار، بالتزامن مع تصاعد أهمية القناة كممر رئيسي بين المحيطين الأطلسي والهادئ.
وتعتمد قناة بنما، وهي ممر مائي اصطناعي شُيد في تضاريس وعرة، على نظام الأهوسة منذ افتتاحها. وتعمل هذه البوابات الضخمة على التحكم في مستوى المياه داخل القناة، بما يسمح برفع السفن وخفضها خلال عملية العبور.
وترفع ظاهرة «النينيو» درجات الحرارة في المحيط الهادئ وتخفض معدلات الهطول المطري، ما يقلص قدرة البحيرات الطبيعية على تغذية القناة بالكميات اللازمة من المياه.
ومع تراجع منسوب المياه، تقل كمية البضائع التي تستطيع سفن الشحن حملها، كما يتراجع عدد ممرات العبور المتاحة، لتتصاعد تكلفة المرور عبر القناة.
113 سفينة تنتظر العبور
أدت هذه الضغوط إلى اختناقات كبيرة بمحاذاة القناة. وفي الثالث من أغسطس، بلغ عدد السفن المنتظرة للعبور 113 سفينة، مقابل معدل يومي قدره 40 سفينة في يناير الماضي.
ويواجه قطاع الملاحة ضغوطًا متزامنة في الشرق الأوسط وأمريكا الوسطى وأوروبا، بفعل المخاطر الأمنية والظروف المناخية التي تعيد تشكيل حركة التجارة العالمية وتكاليفها.
ناقلات الطاقة تتجه إلى قناة بنما
ارتفع الطلب على نقل الطاقة من الولايات المتحدة إلى الأسواق الآسيوية، مع اتجاه بعض الشحنات من الساحل الشرقي للولايات المتحدة، وتحديدًا من هيوستن في تكساس، عبر قناة بنما وصولًا إلى الأسواق الآسيوية.
وكانت قناة بنما تتعامل في الظروف العادية مع نحو 35 ناقلة يوميًا، فيما تشهد حاليًا اصطفافًا متزايدًا للسفن والناقلات الراغبة في الانتقال بين المحيطين.
وتضاعفت الضغوط على القناة مع تأثيرات ظاهرة «النينيو»، التي ترفع درجات الحرارة في المحيط الهادئ وتخفض معدلات الأمطار، ما يقلص حجم المياه التي تغذي البحيرات المرتبطة بالقناة.

الحجز والمزادات.. آليتان لعبور السفن
دفع انخفاض منسوب المياه سلطات القناة إلى مطالبة السفن بخفض حمولاتها أو الانتظار ضمن طوابير العبور. وتتم عملية المرور عبر آليتين رئيسيتين: الحجز المبكر والمزادات.
وتتيح آلية المزادات للسفن التي تحتاج إلى عبور عاجل المنافسة على أولوية المرور، ما رفع تكاليف العبور إلى مستويات قياسية.
واضطرت إحدى الناقلات التي تحمل علم سنغافورة وتتبع شركة يابانية إلى دفع 4 ملايين دولار للمرور عبر قناة بنما، في مؤشر على حجم الزيادة في تكلفة العبور.
3.5 مليون دولار بدلًا من انتظار 10 أيام
فاق الطلب قدرة القناة على تمرير السفن بالوتيرة المعتادة، ما أدى إلى مفاضلة بين السفن، خصوصًا سفن «باناماكس» و«نيو باناماكس» المخصصة لنقل حاويات بحجم 40 قدمًا.
ودفعت بعض هذه السفن 3 ملايين و3.5 مليون دولار مقابل رحلة العبور الواحدة، إذ يصبح هذا المبلغ خيارًا اقتصاديًا مقارنة بالانتظار نحو 10 أيام لإتاحة المرور.
وتشمل تكلفة الانتظار أجور الطواقم ومصروفات التشغيل وارتفاع تكاليف التأمين، ما يدفع بعض الشركات إلى تحمل رسوم عبور مرتفعة لتجنب التأخير.
وتزداد أهمية سرعة العبور بالنسبة إلى السلع سريعة التلف أو المرتبطة بجداول تسليم دقيقة، حيث تتحول أولوية المرور إلى عنصر رئيسي في حسابات التكلفة.
أزمة المياه تضرب شرايين أوروبا
تلقى أزمة الشحن تداعياتها في أوروبا أيضًا، بعدما انخفض منسوب مياه نهري الراين والدانوب إلى مستويات قياسية بفعل صيف شديد الحرارة.
ويعتمد النشاط التجاري بين دول الاتحاد الأوروبي بدرجة كبيرة على النهرين، فيما أدى تراجع مناسيب المياه إلى خفض قدرة السفن على نقل البضائع.

واكتفت بعض السفن بنقل نحو 20% من حمولاتها، ما رفع تكاليف النقل وانعكس على أسعار السلع وصولًا إلى المستهلك.
الجفاف يهدد النمو الاقتصادي الفرنسي
تشير التقديرات إلى احتمال خسارة الناتج المحلي الفرنسي 1.7% هذا العام نتيجة الجفاف وتداعياته على حركة الشحن والنشاط الاقتصادي.
وتزيد هذه الضغوط مخاطر عودة التضخم إلى الواجهة الأوروبية، مع ارتفاع تكاليف النقل وتراجع كفاءة سلاسل الإمداد.
وفي حال تصاعد الضغوط التضخمية، قد يجد البنك المركزي الأوروبي نفسه أمام خيار رفع أسعار الفائدة، ما يضيف عبئًا جديدًا على اقتصاد أوروبي يعاني ضعف معدلات النمو.
من كورونا إلى باب المندب وهرمز.. أزمة متكاملة
تتجمع الضغوط المناخية والجيوسياسية في شبكة واحدة من الأزمات التي تضرب طرق التجارة العالمية، بدءًا من تداعيات جائحة كورونا عام 2020، مرورًا بأزمة الملاحة في باب المندب منذ السابع من أكتوبر، وصولًا إلى التطورات المرتبطة بمضيق هرمز.
وتواجه حركة الشحن تحديات متزايدة في بحر آزوف والبحر الأسود والبحر الأحمر، بفعل التطورات الأمنية المحيطة بمضيق باب المندب.

وتضغط هذه الأزمات مجتمعة على قطاع الملاحة وسلاسل الإمداد العالمية، عبر مخاطر أمنية واختناقات في الممرات المائية وتغيرات مناخية تخفض مناسيب المياه، إلى جانب ارتفاع تكاليف العبور والتأمين والشحن.
ويمر قطاع النقل البحري بمرحلة شديدة التعقيد، تتقاطع فيها التوترات الجيوسياسية مع تداعيات التغير المناخي، بما يهدد باستمرار اضطراب حركة التجارة وارتفاع تكلفة السلع على المستهلك النهائي.
Short Url
7 سفن حاويات لـMSC تعبر باب المندب دون تفعيل نظام التتبع AIS
19 أغسطس 2026 10:01 م
روسيا تعيد تأهيل الموانئ واللوجستيات المتضررة جراء الهجمات الأوكرانية
19 أغسطس 2026 07:40 م
180 يوما تفصل هيئة الدواء المصري عن استكمال تطوير المنظومة الرقابية
19 أغسطس 2026 07:12 م
أكثر الكلمات انتشاراً