الأحد، 16 أغسطس 2026

10:01 م

صناعة الأسمنت البوزولاني.. ارتفاع الاستهلاك المحلي في مصر لـ54 مليون طن خلال 2025

الأحد، 16 أغسطس 2026 08:16 م

الأسمنت البوزولاني- أرشيفية

الأسمنت البوزولاني- أرشيفية

تبدو مصر أمام فرصة تتجاوز مجرد إنتاج نوع جديد من الأسمنت فالسوق المصرية تنتج بالفعل الأسمنت البوزولاني، لكن التطور المنتظر يرتبط بتوسيع استخدام المواد البوزولانية والمواد الأسمنتية التكميلية المنتجة محليًا، والاستفادة من الخامات المصرية في تصنيع أسمنت أقل استهلاكًا للطاقة وأقل انبعاث للكربون، في الوقت الذي تستعد فيه صناعة الأسمنت عالميًا لمرحلة جديدة عنوانها خفض الانبعاثات وتقليل الاعتماد على الكلنكر.

وتأتي أهمية هذا الاتجاه من ضخامة صناعة الأسمنت المصرية نفسها فبحسب أحدث بيانات هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية USGS، ارتفع إنتاج مصر من الأسمنت إلى نحو 64 مليون طن خلال 2025، مقابل 53 مليون طن في 2024، بينما بلغت الطاقة الإنتاجية للكلنكر نحو 75 مليون طن سنويًا في 2025، مقارنة بنحو 60 مليون طن قبل عام، وعلى المستوى العالمي، بلغ إنتاج الأسمنت نحو 3.8 مليار طن خلال 2025.  

هذه الأرقام تضع مصر في موقع مهم داخل صناعة الأسمنت العالمية، لكنها تكشف في الوقت نفسه عن تحدي آخر: كيف يمكن إنتاج هذه الكميات الكبيرة مع خفض استهلاك الطاقة والانبعاثات؟ وهنا يأتي دور الأسمنت البوزولاني والمواد الأسمنتية التكميلية، التي تسمح باستبدال جزء من الكلنكر بمواد أخرى لها خواص أسمنتية أو بوزولانية.

صناعة موجودة بالفعل وليست مشروع من الصفر

ورغم الحديث المتزايد عن توطين صناعة الأسمنت البوزولاني، فإن المنتج ليس جديدًا على السوق المصرية. فقاعدة بيانات الهيئة المصرية العامة للمواصفات والجودة تضم بالفعل عددًا من المصانع التي تنتج الأسمنت البورتلاندي البوزولاني.

ومن أحدث الأمثلة شركة أسمنت أسيوط، التي تحمل منتجاتها شهادات جودة سارية لأسمنت CEM II/A-P 42.5 N، إلى جانب الأسمنت البوزولاني المقاوم للكبريتات CEM IV/A(P) 42.5 N-SR. كما تسجل الهيئة أسمنت بورتلاندي بوزولاني من أسمنت سيناء، وأسمنت بني سويف.  

شعبة البناء تحذر من استخدام الإسمنت البوزولاني في الأعمال الخرسانية المسلحة  - إيجي إن

وفي يونيو 2026، سجلت قاعدة بيانات الهيئة أيضًا لدى هولسيم للأسمنت مصر منتج CEM II/A-P 42.5N بشهادة سارية حتى مايو 2028، إلى جانب منتجات أخرى من الأسمنت كما تظهر بيانات هايدلبرج ماتيريالز – السويس للأسمنت منتجات بوزولانية ومواد ذات خواص بوزولانية.  

وبالتالي، فإن الحديث عن توطين الصناعة يحتاج إلى قدر من الدقة، مصر لا تبدأ من الصفر في إنتاج الأسمنت البوزولاني، وإنما الفرصة الحقيقية هي توطين وتوسيع سلسلة المواد الخام والتقنيات التي تسمح بإنتاج المزيد من الأسمنت منخفض الكلنكر.

السوق المحلي يتغير.. والطلب يصل إلى 54 مليون طن

شهد سوق الأسمنت المصري تحولًا واضحًا خلال 2025، بعد سنوات من وجود فائض كبير في المعروض، ووفق بيانات سوق اطلعت عليها إنتربرايز، ارتفع الاستهلاك المحلي بنحو 13 إلى 14% خلال العام الماضي ليصل إلى حوالي 54 مليون طن، مع عودة النشاط في قطاع التشييد واستقرار نسبي في سوق الصرف. 

هذا التطور مهم بالنسبة للأسمنت البوزولاني، لأن أي زيادة في نسبة الأسمنت منخفض الكلنكر داخل السوق المصري تعني سوق إضافي للمواد البوزولانية.

ولا توجد حتى الآن، بحسب البيانات المنشورة المتاحة، إحصائية رسمية تفصل حجم استهلاك الأسمنت البوزولاني وحده من إجمالي الاستهلاك المصري، لكن حجم السوق الكلي يعطي فكرة عن مساحة النمو الممكنة. فإذا استحوذت الأنواع منخفضة الكلنكر على 20% فقط من سوق يبلغ 54 مليون طن، فإن السوق النظري لهذه الأنواع سيصل إلى نحو 10.8 مليون طن سنويًا.

وإذا احتوى هذا الأسمنت في المتوسط على 20% من المواد الأسمنتية التكميلية، فإن ذلك يعني احتياجًا نظريًا إلى أكثر من 2.1 مليون طن من هذه المواد سنويًا  وهذه الحسابات ليست أرقامًا رسمية للسوق، وإنما سيناريو تحليلي يوضح حجم الفرصة المحتملة.

لماذا أصبح خفض الكلنكر أولوية؟

يعود السبب إلى طبيعة صناعة الأسمنت نفسها إنتاج الكلنكر يحتاج إلى درجات حرارة مرتفعة، كما أن تحلل الحجر الجيري أثناء التصنيع يؤدي إلى انبعاث ثاني أكسيد الكربون ولذلك أصبح تقليل نسبة الكلنكر في الأسمنت واحدًا من أهم المسارات المستخدمة عالميًا لخفض البصمة الكربونية للقطاع.

وفي وثيقة مصرية مقدمة إلى اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ، يظهر خفض محتوى الكلنكر في الأسمنت إلى 80% ضمن إجراءات خفض الانبعاثات في قطاع الأسمنت، إلى جانب تحسين كفاءة الطاقة وزيادة استخدام الوقود البديل.

وبالتالي فإن التوسع في البوزولانا والطين المكلسن ليس مجرد توجه بيئي، وإنما يمكن أن يتحول إلى سياسة صناعية لها تأثير مباشر على تكلفة الإنتاج واستهلاك الطاقة والقدرة التنافسية للصادرات.

مواد أسمنتية مخلوطة أكثر استدامة

تشير دراسة علمية مصرية منشورة في مجلة Scientific Reports التابعة لـNature، إلى أن معظم العينات التي تم اختبارها تمتلك خواص بوزولانية بدرجات مختلفة، وأن بعض العينات يمكن استخدامها في إنتاج مواد أسمنتية مخلوطة أكثر استدامة.  

ولفتت إلى وجود رواسب للطف البركاني في مناطق شمال ووسط وجنوب الصحراء الشرقية، وتذكر تقديرًا للموارد يتجاوز 2.5 مليار طن  لكن هذا الرقم يجب التعامل معه باعتباره تقديرًا جيولوجيًا واردًا في البحث، وليس احتياطيًا اقتصاديًا جاهزًا للتعدين التجاري.

والأهم أن الدراسة لم تكتفِ بتحليل التركيب الكيميائي، وإنما أجرت اختبارات للنشاط البوزولاني ومقاومة الضغط والخواص الفيزيائية. وخلصت إلى أن الطف البركاني المصري يمكن استخدامه بنجاح كمادة أسمنتية خضراء، مع نتائج جيدة عند نسب إضافة معينة. 

وهذا يفتح الباب أمام نموذج صناعي مختلف، بدل استخراج خام منخفض القيمة وبيعه كما هو، يمكن معالجته وطحنه وتصنيفه وتحويله إلى مادة أسمنتية تكميلية ذات قيمة مضافة.

سعر الأسمنت في المصانع والأسواق اليوم الأحد 15-2-2026 - الوطن

لكن ليست كل الخامات مناسبة

وجود خام بوزولاني في مصر لا يعني أن كل كمية منه يمكن استخدامها في الأسمنت.

فالخواص تختلف من منطقة إلى أخرى ومن محجر إلى آخر وفي الدراسة المصرية، أظهرت العينات اختلافًا في النشاط البوزولاني، بينما أثبتت معظم العينات نشاطًا مناسبًا بدرجات متفاوتةووجد الباحثون أن بعض العينات يمكن استخدامها بصورة فعالة في التركيبات الأسمنتية، في حين لم تظهر جميع العينات نفس الأداء.  

وهنا تكمن واحدة من أهم نقاط أي مشروع استثماري في هذا المجال: الاحتياطي الجيولوجي وحده لا يكفي. المطلوب هو تحديد الخام المناسب، واختباره معمليًا، ثم إجراء تجارب صناعية مع مصانع الأسمنت للتأكد من ثبات الجودة والتكلفة والأداء.

الطين المكلسن يدخل على الخط

الفرصة لا تتوقف عند البوزولانا الطبيعية فهناك اتجاه عالمي متزايد نحو استخدام الطين المكلسن Calcined Clay، وهو ما يفتح الباب أمام إنتاج نوع من الأسمنت منخفض الكلنكر يعرف باسم LC3 – Limestone Calcined Clay Cement.

ويعتمد LC3 على دمج الكلنكر مع الطين المكلسن والحجر الجيري والجبس، ما يسمح بتقليل محتوى الكلنكر بصورة كبيرة مقارنة بالأسمنت التقليدي.

وتكمن أهمية هذه التكنولوجيا بالنسبة لمصر في أنها تجمع بين مواد خام متاحة محليًا وصناعة أسمنت قائمة بالفعل كما أن الدراسات المصرية اختبرت استخدام خامات طينية محلية لإنتاج مواد مثل الميتاكولين واستخدامها في تركيبات الأسمنت منخفض الكلنكر.

وتشير منصة LC3 إلى إمكانية خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بنسبة تصل إلى نحو 40% مقارنة بالأسمنت التقليدي في التركيبات المناسبة، وهو ما يجعل التكنولوجيا محل اهتمام متزايد في الدول المنتجة للأسمنت.  

من السوق المحلي إلى التصدير

الفرصة لا ترتبط بالسوق المصرية فقط. فمصر أصبحت خلال السنوات الأخيرة لاعبًا مهمًا في صادرات الأسمنت، وهو ما يعطي أي تطوير لمنتجات منخفضة الكربون فرصة للوصول إلى أسواق خارجية.

والاتجاه العالمي يسير في الوقت نفسه نحو تشديد المتطلبات البيئية على المنتجات الصناعية، ما يعني أن القدرة على تقديم أسمنت أو مواد أسمنتية ذات بصمة كربونية أقل قد تتحول تدريجيًا من ميزة تسويقية إلى شرط للمنافسة في بعض الأسواق.

وهنا تمتلك مصر مجموعة من المزايا: صناعة أسمنت ضخمة، خامات محتملة، خبرة صناعية، موقع جغرافي قريب من أوروبا وأفريقيا والشرق الأوسط، بالإضافة إلى موانئ وشبكة تصدير قائمة بالفعل.

Short Url

search