-
«المواصفات والجودة» تعقد اجتماعات 22 لجنة فنية إلكترونيًا لتطوير المواصفات المصرية
-
وزير الاستثمار: 3 محافظات جديدة ضمن خطة «مصر تنطلق بالتصدير» حتى نهاية العام
-
«التجلي الأعظم».. "الملاذ البارد" للسياحة العالمية بعد حرائق الغابات الأوروبية
-
بدء تطبيق أول زيادة سنوية بنسبة 15% بموجب قانون "الإيجار القديم" خلال أيام
«التجلي الأعظم».. "الملاذ البارد" للسياحة العالمية بعد حرائق الغابات الأوروبية
الأحد، 16 أغسطس 2026 03:10 م
السياحة الباردة في شرم الشيخ
مي المرسي
في الوقت الذي تشتعل فيه غابات جنوب أوروبا، يجد السائح نفسه مضطرًا إلى إعادة حساباته قبل أن يحزم حقائبه؛ فقد واجهت إسبانيا واليونان وإيطاليا والبرتغال موجات عاتية من حرائق الغابات، التهمت أكثر من 500 ألف هكتار من الأراضي، وأسفرت عن إجلاء عشرات الآلاف من الزوار وإلغاء آلاف الحجوزات الجوية والفندقية، ومع تجاوز درجات الحرارة حاجز 46 درجة مئوية في عدة مناطق من جنوب القارة الأوروبية، تحولت عطلات «الشمس والبحر» التقليدية إلى تجربة محفوفة بمخاطر الإجهاد الحراري واضطرابات حركة السفر، ليبدأ الطقس نفسه في فرض شروط جديدة على خريطة السياحة الأوروبية.
ولا تتوقف تداعيات هذا الصيف القاسي عند حدود اضطراب موسم سياحي بعينه، بل تكشف عن تحول أعمق في «اقتصاد قرار السفر»؛ فالمسافر لم يعد ينظر إلى الوجهة من زاوية أسعار الإقامة أو طبيعة الشواطئ وحدها، وإنما يضع ملاءمة درجات الحرارة، واحتمالات الحرائق، وسهولة التنقل، وقدرته على الاستمتاع بالرحلة دون أن تتحول الظروف المناخية إلى عبء، ضمن حساباته قبل الحجز، ومع هذا التحول، بدأ المناخ ينتقل من كونه خلفية تحيط بالتجربة السياحية إلى عامل اقتصادي قادر على توجيه الطلب وتغيير وجهة الإنفاق.
وتعكس أرقام قطاع السفر هذا التحول بوضوح؛ إذ أقرَّ 75% من مستشاري السفر الدوليين بأن مخاطر موجات الحرارة والحرائق أصبحت معيارًا حاسمًا لدى عملائهم عند اختيار الوجهات، بينما اتجه 42% من السياح عالميًا إلى البحث عن وجهات أكثر اعتدالًا أو برودة، ومع تغير تفضيلات المسافرين، بدأت صناعة السياحة نفسها في الاستجابة، لتظهر سوق جديدة تقوم على البحث عن الطقس الأكثر ملاءمة، وتمنح الوجهات التي تتمتع بمناخ معتدل فرصة اقتصادية متزايدة لجذب جزء من الطلب الذي تعيد أزمة المناخ توزيعه عالميًا.
حين يتحول الطقس إلى سلعة
تتحرك أموال السياحة مع حركة السائح، ومع إعادة المسافرين حساباتهم تحت ضغط الحرارة والحرائق، بدأت صناعة السفر ترصد صعودًا لافتًا لما يُعرف عالميًا بـ«Coolcationing» أو «السياحة الباردة»؛ إذ لم تعد الوجهات الأكثر اعتدالًا خيار بديلًا فقط، وإنما تحولت إلى سوق جديدة تستقطب جزءًا متزايدًا من الطلب خلال أشهر الصيف، وتكشف بيانات “ Trip Group” عن ارتفاع الحجوزات الفاخرة إلى شمال أوروبا بأكثر من 263%، بالتزامن مع قفزة تجاوزت 237% في عمليات البحث عن الوجهات الباردة خلال الصيف.
وتعيد هذه الموجة رسم خريطة الحركة الجوية داخل القارة؛ فبحسب بيانات Intrepid Travel، ارتفعت الرحلات المتجهة إلى شمال أوروبا بأكثر من 50%، مقابل تراجع بنحو 15% في الاتجاهات الجنوبية، ولم تتوقف الطفرة عند الاتجاه العام، إذ سجل الطلب على آيسلندا زيادة تجاوزت 85%، بينما قفز الطلب على سلوفينيا بأكثر من 400% وفق بيانات حجوزات التذاكر المشار إليها، بما يعكس انتقالًا تدريجيًا في بوصلة السائح من الوجهات التي كانت تستقطبه صيفًا إلى وجهات توفر طقسًا أكثر اعتدالًا.
وتكشف هذه الأرقام عن تحول اقتصادي يتجاوز فكرة تغيير مسارات السفر؛ فحين يغير السائح وجهته، تنتقل معه حزمة كاملة من الإنفاق، تبدأ من تذكرة الطيران وتمتد إلى الإقامة والمطاعم والنقل والأنشطة والترفيه، ومن ثم، لم تعد درجة الحرارة مجرد عامل مناخي يحدد راحة المسافر، بل أصبحت متغيرًا اقتصاديًا قادرًا على إعادة توزيع الطلب، وتحريك الاستثمارات، وتحويل تدفقات الإنفاق السياحي بين الوجهات، لتصبح «البرودة» نفسها أصلًا تنافسيًا في سوق السفر العالمي.
سانت كاترين.. والسياحة الباردة
تقف سانت كاترين على ارتفاع يتراوح بين 1586 و1600 مترًا فوق سطح البحر، فيما يصل ارتفاع جبل كاترين إلى 2629 مترًا، ليكون أعلى قمة جبلية في مصر، وتمنح هذه الجغرافيا المدينة استثناءً مناخيًا لافتًا في بلد ارتبطت صورته السياحية تاريخيًا بالشمس والبحر ودرجات الحرارة المرتفعة؛ فهنا، في قلب سيناء، يصنع الارتفاع مناخًا مختلفًا ويمنح السياحة أصلًا طبيعيًا لا يحتاج إلى تصنيع.
وتتراوح درجات الحرارة في الأودية خلال الصيف نهارًا بين 23 و27 درجة مئوية، بينما تنخفض ليلًا على القمم إلى ما بين 10 و15 درجة، بالتزامن مع انخفاض مستويات الرطوبة، وبينما تقترب درجات الحرارة في أجزاء من جنوب أوروبا من منتصف الأربعينيات، يستطيع زائر سانت كاترين أن يجد في ذروة الصيف طقسًا أكثر اعتدالًا، وقد يحتاج مع حلول الليل إلى ملابس لا يتوقع أن يرتديها في موسم الصيف بمصر.
وتتحول هذه الأرقام من مجرد حقائق مناخية إلى ميزة اقتصادية يصعب تقليدها؛ فالفندق يستطيع أن يبني أفخم الغرف، وشركة السياحة تستطيع أن تصمم أكثر البرامج تنوعًا، والدولة تستطيع أن تطور الطرق والمطارات، لكن لا يمكن إنشاء جبل بارتفاع 2629 مترًا أو استنساخ مناخ نشأ عبر آلاف السنين. ومن هنا تبدأ قيمة سانت كاترين الحقيقية: ميزة طبيعية يمكن تحويلها إلى منتج سياحي.

لا تبيع سانت كاترين البرودة فقط
وتتجاوز قيمة سانت كاترين ليس كمحاولة للهروب من الحرارة، فالمحمية تحتضن تنوعًا بيئيًا يضيف طبقات جديدة إلى المنتج السياحي؛ إذ تشير البيانات الواردة من وزارة البيئة إلى وجود 19 نوعًا من النباتات الطبية النادرة عالميًا، إلى جانب شبكة من الجبال والوديان والمسارات التي تفتح المجال أمام سياحة الطبيعة والمغامرات والمشي والاستشفاء البيئي.
ويمنح هذا التنوع المنطقة فرصة لبناء اقتصاد سياحي قائم على التجربة لا الإقامة وحدها. فـ«درب سيناء»، بما يقدمه من مسارات جبلية وتجارب للمشي والمغامرة، يخلق طلبًا على خدمات تمتد خارج الفندق، من النقل والإرشاد والمبيت والطعام إلى الأنشطة التي يشارك فيها أبناء قبيلة الجبلية، لتتحول السياحة إلى سلسلة قيمة تتوزع عوائدها على قطاعات ومجتمعات محلية متعددة.
ويتحول السائح في هذا النموذج من نزيل يقضي معظم وقته داخل الفندق إلى مستهلك لتجربة كاملة؛ يصعد الجبل، يعبر الوديان، يكتشف النباتات والطبيعة، يقضي الليل في هواء أكثر برودة، ويتعرف إلى ثقافة المكان. وكلما امتدت التجربة، امتد معها إنفاق السائح، لتصبح الطبيعة نفسها محركًا لنشاط اقتصادي يتجاوز حدود الإقامة الفندقية.

«التجلي الأعظم».. حين تتحول الطبيعة إلى استثمار
وتدخل الدولة على هذه المعادلة عبر مشروع «التجلي الأعظم»، الذي يستهدف تطوير سانت كاترين وإعادة تقديمها كوجهة تجمع بين السياحة البيئية والروحية والجبلية، ولا يتعلق الرهان زيادة عدد المنشآت، وإنما بتحويل المقومات الموجودة بالفعل إلى منظومة سياحية متكاملة تستطيع استقبال السائح وتقديم تجربة متوافقة مع طبيعة المنطقة.
وتعتمد فلسفة النزل البيئية المستهدفة على استخدام أساليب بناء وتصميم تساعد على الحفاظ على درجات حرارة أكثر ملاءمة داخليًا، وتقليل الاعتماد المكثف على أجهزة التكييف والطاقة، وهنا تتحول البيئة من مجرد عنصر يجب الحفاظ عليه إلى جزء من اقتصاد المشروع؛ فالمناخ المعتدل لا يجذب السائح فقط، وإنما يمكن أن يساهم أيضًا في خفض احتياجات التشغيل مقارنةً بوجهات شديدة الحرارة.
ويربط هذا النموذج بين ثلاثة عناصر عادةً ما تبدو منفصلة؛ الاستثمار والسياحة والاستدامة، فكلما صُممت المنشآت وفق طبيعة المكان، أمكن استثمار الميزة المناخية بدلًا من مقاومتها، وكلما أصبحت البيئة جزءًا من التجربة، زادت قدرتها على منح المنتج السياحي هوية يصعب استنساخها في وجهة أخرى.

المطار.. الحلقة التي تربط الجبل بالعالم
ويبقى الوصول أحد أكثر المفاتيح حساسية في معادلة السفر؛ فحتى أكثر الوجهات جمالًا قد تفقد جزءًا من قدرتها التنافسية إذا كانت رحلة الوصول إليها طويلة أو معقدة، ولذلك يمثل تطوير مطار سانت كاترين الدولي عنصرًا مهمًا في تحويل المدينة من وجهة ذات مقومات طبيعية إلى وجهة قادرة على استقبال حركة سياحية أكبر.
ويستهدف تطوير المطار دعم استقبال رحلات الطيران العارض المباشرة، بما يعزز اتصال سانت كاترين بحركة السياحة الدولية ويقلل الاعتماد على الرحلات البرية الطويلة، وبذلك لا يعود المطار مجرد مشروع للنقل، وإنما يصبح جزءًا من المنتج السياحي نفسه؛ لأنه يختصر المسافة بين السائح والتجربة.
وتكتمل المعادلة عندما تعمل عناصرها معًا؛ المطار يفتح الباب أمام الوصول، والمنشآت توفر الإقامة، والمسارات تصنع النشاط، والطبيعة تمنح التجربة خصوصيتها، بينما يوفر المناخ سببًا إضافيًا لاختيار الوجهة، وعند هذه النقطة، تتحول سانت كاترين من مجموعة مقومات منفصلة إلى منتج سياحي متكامل.

من أزمة مناخية.. إلى فرصة اقتصادية
وتفرض أزمة المناخ على صناعة السياحة إعادة النظر في مفهوم «الموسم المثالي»، فالوجهات التي كانت تستفيد من حرارة الصيف وشمسه قد تواجه في بعض الفترات ضغوطًا متزايدة مع ارتفاع درجات الحرارة والحرائق، بينما يمكن أن ترتفع قيمة الوجهات الجبلية والأكثر اعتدالًا مع تغير تفضيلات المسافرين.
وتملك مصر في سانت كاترين فرصة للدخول إلى هذا التحول بمنتج مختلف؛ فهي لا تنافس آيسلندا أو سلوفينيا بمحاولة تقليد ما لديهما، وإنما تقدم تركيبة خاصة بها؛ مناخ معتدل، جبال وصحراء، تنوع بيئي، سياحة روحية، مغامرات، وثقافة بدوية داخل وجهة واحدة.

ويظل التحدي الحقيقي في تحويل هذه المزايا إلى صناعة قادرة على تحقيق عائد اقتصادي مستدام؛ صناعة تجذب السائح، وتدفعه إلى الإقامة فترة أطول، وتزيد إنفاقه داخل المنطقة، وتخلق فرص عمل للسكان المحليين، وفي الوقت نفسه تحافظ على البيئة التي صنعت هذه الميزة من الأساس، فنجاح سانت كاترين لن يقاس بعدد الزوار فقط، وإنما بقدرتها على تحويل كل زيارة إلى قيمة مضافة للمكان وسكانه والاقتصاد السياحي المصري.
الصيف الذي يبدأ فوق السحاب
وتتحول سانت كاترين، في ظل هذا المشهد، من مدينة جبلية ذات طقس مختلف إلى اختبار لفكرة اقتصادية أكبر؛ ماذا يحدث عندما يتحول المناخ نفسه إلى أصل من أصول السياحة؟
فبينما تدفع الحرارة والحرائق بعض المسافرين بعيدًا عن وجهات جنوب أوروبا، تبحث صناعة السفر عن أماكن أكثر اعتدالًا، وفي قلب سيناء، تمتلك مصر مدينة ترتفع أكثر من 1500 متر فوق سطح البحر، يصل أعلى قممها إلى 2629 مترًا، وتتراوح درجات الحرارة فيها صيفًا بين 23 و27 درجة نهارًا، وتهبط ليلًا إلى 10 و15 درجة على القمم.
وربما لا تكون المنافسة السياحية المقبلة على عدد الشواطئ أو فخامة المنتجعات فقط، وإنما على قدرة الوجهة على تقديم شيء أصبح أكثر ندرة في عالم ترتفع حرارته عامًا بعد عام: طقس يمكن الاستمتاع به، وهناك، فوق جبال سيناء، لا تحتاج مصر إلى اختراع هذا المنتج؛ فسانت كاترين تملكه بالفعل. وما تحتاجه هو أن تحوّل برودة الجبل من ميزة طبيعية إلى قيمة سياحية، ومن قيمة سياحية إلى صناعة اقتصادية.
اقرأ أيضًا: مناخ البحر المتوسط يضع الساحل الشمالي في سباق المنافسة الأوروبية
Short Url
«أنثروبيك» تكشف سر العلامات المائية في «كلود» وكيف يمكن إزالة أثر الذكاء الاصطناعي
16 أغسطس 2026 01:00 م
160 ألف طن صادرات غذائية والدول العربية على رأس الدول المستقبلة
16 أغسطس 2026 12:34 م
«أنثروبيك» تكشف سر العلامات المائية في «كلود» وكيف يمكن إزالة أثر الذكاء الاصطناعي
16 أغسطس 2026 01:00 م
أكثر الكلمات انتشاراً