الثلاثاء، 11 أغسطس 2026

09:06 م

أوروبا تفرض قواعد جديدة على صناعة التغليف.. إعادة التدوير في صدارة التحولات

الثلاثاء، 11 أغسطس 2026 07:43 م

صناعة التغليف _ صورة أرشيفية

صناعة التغليف _ صورة أرشيفية

محمد ممدوح

تدخل قواعد أوروبية جديدة للتغليف حيز التنفيذ، بدءاً من الأربعاء 12 أغسطس 2026، في خطوة تعيد تشكيل سوق التعبئة والتغليف في الاتحاد الأوروبي، مع فرض قيود على المواد الكيميائية المعروفة باسم «المواد الكيميائية الأبدية» PFAS، وتشديد القيود على البلاستيك المستخرج من الوقود الأحفوري، إلى جانب وضع أهداف لخفض نفايات التغليف وإعادة استخدامه وتدويره، وتأتي القواعد الجديدة في إطار لائحة الاتحاد الأوروبي بشأن التغليف ونفايات التغليف، التي تستهدف معالجة الزيادة الحادة في حجم المخلفات، والتي ارتفعت بأكثر من 20% خلال العقد الماضي، مدفوعة بتوسع التجارة الإلكترونية وانتشار أنماط الاستهلاك السريع.

صناعة التغليف تمثل 40% 

وتستهلك صناعة التغليف، نحو 40% من إجمالي البلاستيك المستخدم في أوروبا، ما يجعل القطاع شديد الارتباط بسوق النفط والمواد البتروكيماوية، ووفق البيانات الأوروبية، ينتج كل فرد في الاتحاد الأوروبي نحو 180 كيلوغراماً من نفايات التغليف سنوياً، منها 35.3 كيلوغرام من البلاستيك المشتق من الوقود الأحفوري، فيما لم تتجاوز نسبة إعادة تدوير هذه النفايات 42% في عام 2023.

 صناعة الطباعة والتغليف

قيود على «المواد الكيميائية الأبدية»

وتبدأ المرحلة الأولى من القواعد الجديدة بوضع حدود قصوى لمستويات مواد PFAS، في عبوات ملامسة الأغذية، إلى جانب إلزام المصنعين بتوفير معلومات تتيح للسلطات تتبع العبوة إلى مصدرها في حال ظهور مخاوف تتعلق بسلامتها، وتستخدم مركبات PFAS في العديد من أنواع عبوات الأغذية، بما في ذلك حاويات الوجبات الجاهزة وأوراق المخابز وعلب البيتزا، نظراً لقدرتها على مقاومة الماء والدهون. إلا أن هذه المواد تتميز بقدرتها العالية على البقاء في البيئة وعدم تحللها طبيعياً، ما يثير مخاوف بشأن تراكمها في المياه والتربة والهواء والغذاء.

أهداف أكثر صرامة بحلول 2030

ولن تقتصر القواعد على المواد الكيميائية، إذ يعتزم الاتحاد الأوروبي خفض نفايات التغليف بنسبة 5% بحلول عام 2030، مقارنة بمستويات 2018، وبنسبة 15% بحلول 2040، وتفرض القواعد معايير جديدة لإعادة استخدام العبوات وتدويرها، وحظراً على بعض أشكال التغليف أحادي الاستخدام، وقيوداً على المساحات الفارغة داخل العبوات، إلى جانب تطبيق أنظمة إلزامية لاسترداد العبوات والعبوات البلاستيكية.

ومن المقرر، أن يبدأ تطبيق نظام أوروبي جديد لوسم العبوات بهدف تحسين عمليات فرز النفايات في عام 2028، بينما تدخل بعض الإجراءات الأكثر تأثيراً على الشركات حيز التطبيق تدريجياً حتى عام 2030، وتشترط القواعد أيضاً أن تكون العبوات قابلة لإعادة التدوير بطريقة «مجدية اقتصادياً»، بما يدفع المصنعين إلى إعادة تصميم منتجاتهم ومواد التغليف المستخدمة في عمليات التصنيع والتوزيع.

كيف ستتأثر الشركات والأسواق؟

ويمثل قطاع التغليف أحد أبرز القنوات التي يمكن من خلالها أن تنتقل القواعد البيئية الأوروبية إلى تكاليف الشركات وأسعار السلع.. فالشركات التي تعتمد بكثافة على البلاستيك التقليدي ستحتاج إلى إعادة تصميم منتجاتها، وزيادة استخدام المواد المعاد تدويرها أو القابلة لإعادة الاستخدام، وتطوير أنظمة جديدة لجمع العبوات وفرزها وإعادة تدويرها.

ويؤدي ذلك في المدى القصير إلى ارتفاع تكاليف الامتثال والاستثمار في خطوط إنتاج ومواد بديلة، خصوصاً بالنسبة إلى شركات الأغذية والمشروبات وتجارة التجزئة والتجارة الإلكترونية والسلع الاستهلاكية، في المقابل، قد تستفيد الشركات العاملة في إعادة التدوير، والمواد البديلة للبلاستيك، وتقنيات إدارة النفايات، وتصميم العبوات المستدامة، مع نمو الطلب على حلول تتوافق مع المعايير الأوروبية الجديدة، ولا يقتصر التأثير على الشركات الأوروبية؛ فالقواعد تنطبق على المنتجات التي تدخل السوق الأوروبية، ما يعني أن المصنعين والمصدرين من خارج الاتحاد الأوروبي سيضطرون أيضاً إلى تكييف منتجاتهم وعبواتهم مع المتطلبات الجديدة إذا أرادوا الاستمرار في الوصول إلى السوق الأوروبية.

ماذا يعني ذلك للاقتصاد العالمي والمستثمرين؟

تأتي أهمية القواعد الأوروبية من كون الاتحاد الأوروبي أحد أكبر الأسواق الاستهلاكية في العالم، ما يمنح تشريعاته القدرة على التأثير في معايير الإنتاج خارج حدوده، ومع اضطرار الشركات العالمية إلى تصميم منتجاتها بما يتوافق مع المتطلبات الأوروبية، قد تنتشر هذه المعايير تدريجياً إلى أسواق أخرى.

ويمكن أن تؤدي القيود على البلاستيك المرتبط بالوقود الأحفوري إلى إعادة توزيع جزء من الطلب داخل سلاسل القيمة العالمية، من المواد البتروكيماوية التقليدية نحو البلاستيك المعاد تدويره والمواد البديلة وتقنيات إعادة الاستخدام، وبالنسبة إلى المستثمرين، فإن التحول التنظيمي يخلق رابحين وخاسرين داخل القطاع، تواجه شركات الأغذية والمشروبات والسلع الاستهلاكية وتجارة التجزئة تكاليف إضافية لإعادة تصميم التغليف والامتثال، بينما تحصل شركات إعادة التدوير والمواد المستدامة وتقنيات إدارة النفايات على فرص نمو جديدة، أن زيادة تكاليف التغليف قد تنتقل جزئياً إلى أسعار المنتجات النهائية، ما يضيف ضغوطاً محدودة على التضخم في بعض القطاعات، وإن كان من المبكر اعتبار القواعد الأوروبية محركاً رئيسياً للتضخم على مستوى الاقتصاد ككل.

النفط في قلب المعادلة

وتكتسب القواعد أهمية إضافية في ظل اعتماد أوروبا الكبير على البلاستيك المصنوع من مشتقات الوقود الأحفوري، ووفق مسؤول أوروبي، يمثل التغليف نحو 40% من استهلاك البلاستيك في القارة، ما يخلق اعتماداً اقتصادياً على المواد البتروكيماوية، وبالتالي، فإن خفض استخدام البلاستيك التقليدي وإعادة تدوير نسبة أكبر من العبوات يمكن أن يقللا تدريجياً الطلب على بعض المواد الخام المرتبطة بالنفط، وإن كان تأثير ذلك على سوق النفط العالمي سيظل محدوداً في المدى القصير مقارنة بعوامل مثل النقل والطاقة والصناعة، وتعكس القواعد في النهاية تحولاً أوسع في الاقتصاد العالمي: لم تعد الاستدامة مجرد التزام بيئي للشركات، بل أصبحت عاملاً تنظيمياً يمكن أن يغير تكاليف الإنتاج، وسلاسل الإمداد، والطلب على المواد الخام، وقرارات الاستثمار.

Short Url

search