الأربعاء، 05 أغسطس 2026

08:45 م

«مافيا المحيطات».. 4 شركات شحن تسيطر على التجارة العالمية وتتحكم في الأسعار

الأربعاء، 05 أغسطس 2026 07:12 م

شركة ميرسك _ صورة أرشيفية

شركة ميرسك _ صورة أرشيفية

محمد ممدوح

بدأت أسعار السلع حول العالم بالارتفاع، فمع كل أزمة جديدة، تتكرر الحجج المعتادة حول صعود أسعار النفط، أو إغلاق الممرات البحرية، أو اندلاع الحروب، لكن خلف هذه التفسيرات ظهر عامل أكثر تعقيدًا يتعلق بصناعة الشحن البحري نفسها، إذ أصبحت مجموعة محدودة من الشركات تتحكم في حركة التجارة العالمية، وتؤثر بشكل مباشر على أسعار كل شيء تقريبًا يصل إلى المستهلك.

حركة الملاحة ونقل البضائع 

وكشفت التحولات التي شهدها قطاع النقل البحري، أن مجموعة محدودة من الشركات العملاقة أصبحت تسيطر على الجزء الأكبر من حركة نقل البضائع العالمية، وفي مقدمتها MSC Mediterranean Shipping Company، وMaersk، وCMA CGM، وCOSCO Shipping، إذ أصبحت هذه الكيانات تتحكم في نقل ملايين الحاويات التي تحمل كل شيء تقريبًا، بداية من الملابس والأجهزة الإلكترونية وصولًا إلى الأغذية والأدوية، بينما امتلكت بعض هذه الشركات أساطيل ضخمة تضم مئات السفن والحاويات مع اختلاف كبير في حجم المعلومات المتاحة حول ملكيتها وأرباحها.

زيادة أرباح الشركات في ظل الانهيار 

وأظهرت الأزمات المتلاحقة، أن شركات الشحن البحري أصبحت من القطاعات القليلة التي تستطيع زيادة أرباحها خلال فترات الانهيار الاقتصادي، أو الحروب، أو الاضطرابات العالمية، بعدما تحولت الحاوية المعدنية البسيطة إلى العمود الفقري للتجارة الدولية، وأصبحت الشركات المالكة لها صاحبة القرار في تحديد تكلفة نقل البضائع بين القارات.

ارتفاع أسعار شحن الحاويات 

وارتفعت أسعار شحن الحاويات، خلال فترات التوترات الجيوسياسية من مستويات قريبة من ألفي دولار للحاوية الواحدة إلى أكثر من عشرة آلاف دولار، وسط تبريرات ركزت على ارتفاع أسعار الوقود ومخاطر إغلاق الممرات البحرية مثل مضيق هرمز، إلا أن بيانات قطاع النقل أوضحت أن الوقود يمثل جزءًا محدودًا من التكلفة الإجمالية مقارنة بالقفزات الكبيرة التي شهدتها أسعار الشحن.

ارتفاع أسعار النفط وبين الزيادات

وأثبتت الفجوة بين ارتفاع أسعار النفط وبين الزيادات الضخمة في أسعار نقل الحاويات، أن جزءًا كبيرًا من هذه الزيادة تحول إلى أرباح مباشرة لشركات الشحن الكبرى، وعلى رأسها أربع شركات عملاقة أصبحت صاحبة النفوذ الأكبر في البحار، وهي MSC Mediterranean Shipping Company، وMaersk، وCMA CGM، وCOSCO Shipping.

وجمعت هذه الشركات خلال فترة قصيرة، أرباحًا ضخمة تجاوزت مئات المليارات من الدولارات، رغم أنها لا تصنع منتجات ولا تبيع سلعًا، بل تنقلها فقط، وهو وصفت بأنها قوة اقتصادية قادرة على التأثير في الأسواق العالمية، واتهامها باستخدام أدوات مثل تقليل الرحلات وتأخير الشحنات للحفاظ على مستويات مرتفعة من الأسعار.

وأعادت هذه الهيمنة فتح النقاش حول السؤال الأكبر: كيف وصلت شركات النقل البحري إلى هذه القوة؟، ولماذا أصبحت قادرة على التأثير في الاقتصاد العالمي بهذه الصورة؟، وكانت الإجابة تبدأ من لحظة تاريخية غيرت شكل التجارة الدولية بالكامل، وهي اختراع الحاوية البحرية.

تاريخ النقل البحري

وشهد عام 1964، لحظة فارقة في ميناء نيويورك بولاية نيوجيرسي، عندما وقفت مجموعة من العمال والمسؤولين لمشاهدة رافعة ترفع صندوقًا معدنيًا رماديًا، وتضعه فوق سفينة قديمة معدلة من سفن الحرب العالمية الثانية حملت اسم «إيدل إكس»، إذ بدا المشهد عاديًا للكثيرين، لكنه كان بداية ثورة غيرت تاريخ النقل البحري.

واعتبرت نقابات عمال الموانئ، ذلك الصندوق الحديدي تهديدًا مباشرًا لمهنة استمرت آلاف السنين، لأن عملية تحميل وتفريغ السفن كانت تعتمد قبل ذلك على نظام البضائع السائبة الذي يعود إلى آلاف السنين، إذ كان العمال ينقلون البضائع يدويًا من الصناديق والأكياس ويرتبونها داخل السفن بطريقة دقيقة لتجنب تحركها أثناء العواصف.

نسبة كبيرة من الشحنات تختفي قبل وصولها

واستغرقت عمليات التحميل والتفريغ في ذلك النظام القديم أسابيع طويلة، وأحيانًا شهرًا كاملًا، كما عانت الموانئ من مشكلة السرقة بسبب بقاء البضائع مكشوفة لفترات طويلة، إذ كانت نسبة كبيرة من الشحنات تختفي قبل وصولها إلى أصحابها بسبب ضعف الرقابة.

فيما غيّرت الحاوية البحرية كل هذه المعادلة بحل بسيط لمشكلة معقدة، إذ أصبح بالإمكان نقل صندوق معدني موحد بين الشاحنات والقطارات والسفن دون الحاجة إلى تفريغ محتوياته في كل مرحلة من مراحل الرحلة.

وبدأ هذا التحول على يد رجل لم يكن مهندس سفن أو بحارًا، ولكنه كان صاحب شركة نقل بري يُدعى مالكوم ماكلين، الذي عمل في شبابه سائق شاحنة ولاحظ خلال سنوات عمله الوقت الضائع في انتظار تفريغ وتحميل البضائع.

تحويل جسم الشاحنة إلى صندوق 

وفكر «ماكلين»، في تحويل جسم الشاحنة نفسه إلى صندوق يمكن رفعه ووضعه مباشرة على السفن، وهي الفكرة التي أصبحت لاحقًا أساس صناعة الحاويات الحديثة، وبعد سنوات من التطوير أصبحت شركته واحدة من أكبر شركات النقل البري في الولايات المتحدة.

واتخذ «ماكلين»، قرارًا مفاجئًا عندما باع شركته الناجحة واشترى شركة سفن قديمة بهدف إعادة تصميمها لاستقبال الحاويات المعدنية، لكن فكرته واجهت سخرية واسعة من مهندسي السفن الذين رأوا أن تكديس الصناديق فوق بعضها قد يجعل السفن غير مستقرة ومعرضة للغرق.

وجد لاحقًا الحل من خلال المهندس الميكانيكي، كيث تانتلينجر، الذي صمم نظام أقفال معدنية في زوايا الحاويات سمح بتثبيتها فوق بعضها بأمان، لتبدأ أول رحلة ناجحة لسفينة «إيدل إكس»، وهي تحمل ثماني حاويات فقط، لكنها أحدثت زلزالًا في عالم النقل البحري.

انخفاض تكلفة تحميل البضائع 

وأطلقت الرحلة الأولى لسفينة «إيدل إكس»، عصرًا جديدًا في النقل البحري، بعدما أثبتت أن فكرة الحاوية المعدنية قادرة على تغيير قواعد التجارة العالمية بالكامل، إذ انخفضت تكلفة تحميل البضائع بشكل هائل، وتحولت عمليات الشحن من مهنة تعتمد على آلاف العمال إلى منظومة آلية تعتمد على الرافعات والسفن العملاقة.

وخفضت الحاويات البحرية تكلفة نقل البضائع بصورة غير مسبوقة، بعدما أصبحت عملية تحميل السفن أسرع وأكثر كفاءة، وهو ما أجبر شركات الشحن التقليدية على إعادة حساباتها، لأن الطريقة الجديدة لم توفر الوقت والمال فقط، بل أعادت رسم خريطة التجارة بين القارات.

 ثورة الحاويات شركات الشحن القديمة

فيما أجبرت ثورة الحاويات شركات الشحن القديمة على مواجهة واقع جديد، فالشركات التي لم تستطع مواكبة التطور بدأت تختفي تدريجيًا، بينما ظهرت كيانات ضخمة أدركت أن المستقبل لن يكون لمن يمتلك السفن فقط، بل لمن يمتلك شبكة النقل الكاملة التي تربط الموانئ والمصانع والمستهلكين.

أظهرت الأزمات التي تعرضت لها شركات الشحن خلال العقود التالية أن امتلاك أسطول كبير لم يعد كافيًا للبقاء، فمع توسع الحاويات وازدياد حجم التجارة العالمية بدأت المنافسة تتحول إلى سباق للسيطرة على أكبر عدد ممكن من السفن والخطوط البحرية.

ودفعت هذه المنافسة الشركات الكبرى إلى الاندماج وشراء الشركات الصغيرة، حتى ظهرت واحدة من أخطر الظواهر في تاريخ النقل البحري الحديث، وهي تحالفات العمالقة التي عرفت باسم «تحالفات الشحن»، والتي غيرت شكل السوق العالمي.

فيما حوّلت هذه التحالفات قطاع النقل البحري من سوق مليء بالعشرات من الشركات المتنافسة إلى مجال تسيطر عليه مجموعة محدودة من اللاعبين الكبار، حيث أصبحت شركات مثل MSC Mediterranean Shipping Company وMaersk وCMA CGM وCOSCO Shipping تمتلك نفوذًا واسعًا على حركة التجارة البحرية العالمية.

خطوط الشحن الدولية 

وسيطرت هذه الشركات العملاقة تدريجيًا على الجزء الأكبر من خطوط الشحن الدولية، حتى أصبحت نسبة ضخمة من البضائع التي تتحرك بين القارات تمر عبر أساطيلها، وهو ما منحها قدرة كبيرة على التأثير في أسعار النقل وشروط التجارة.

كما صنعت هذه السيطرة ما وصفه بعض الخبراء بأنه «مافيا قانونية للمحيطات»، ليس بسبب طبيعة عملها غير القانونية بالضرورة، ولكن بسبب حجم النفوذ الذي أصبحت تمتلكه في سوق يفترض أن يقوم على المنافسة الحرة بين الشركات.

غيّرت هذه الشركات قواعد اللعبة الاقتصادية، لأن المنافسة الطبيعية كانت تعني أن الشركات تخفض الأسعار وتحسن الخدمات لجذب العملاء، لكن تجمع القوة في أيدي عدد قليل من المؤسسات خلق مخاوف من إمكانية التحكم في الأسعار وتقليل المنافسة، ثغرة قانونية تاريخية سمحت ببعض أشكال التعاون.

واستفادت شركات الشحن الكبرى من ثغرة قانونية تاريخية سمحت ببعض أشكال التعاون بين شركات النقل البحري، وهي قوانين ظهرت أساسًا لمساعدة القطاع بسبب التكلفة الهائلة لبناء السفن وتشغيلها بين القارات، لكنها أصبحت لاحقًا محل جدل بسبب استخدامها في تنظيم السوق بين العمالقة.

وسمحت هذه القوانين للشركات البحرية بعقد اتفاقيات تعاون في مجالات مثل تنظيم الرحلات وتقاسم المساحات على السفن، لكن منتقدين رأوا أن هذه الاستثناءات ساعدت على زيادة قوة الشركات الكبرى وتقليل قدرة المنافسين الأصغر على دخول السوق.

إلغاء بعض الرحلات البحرية

واستخدمت شركات الشحن العملاقة أدوات مختلفة للحفاظ على الأسعار المرتفعة، ومن أبرزها إلغاء بعض الرحلات البحرية أو تقليل عدد السفن العاملة في أوقات انخفاض الطلب، وهي سياسة تعرف داخل القطاع باسم «الإبحار الفارغ».

وقلّلت هذه الاستراتيجية من عدد الرحلات المتاحة في السوق، ما أدى إلى انخفاض المعروض من مساحات الشحن وارتفاع أسعار نقل الحاويات، وهو ما جعل المستوردين والتجار في بعض الفترات يدفعون مبالغ ضخمة للحصول على مساحة داخل السفن.

فيما دفعت السيطرة المتزايدة لشركات الشحن إلى مرحلة جديدة من المنافسة، تمثلت في بناء سفن عملاقة أصبحت أشبه بالحيتان الحديدية، حيث وصل طول بعضها إلى نحو 400 متر، وأصبحت قادرة على حمل أكثر من 24 ألف حاوية في الرحلة الواحدة.

وأجبرت هذه السفن العملاقة دول العالم على ضخ مليارات الدولارات لتطوير موانئها، وشراء رافعات ضخمة، وتعميق الممرات البحرية حتى تستطيع استقبال هذه الناقلات الحديثة، بينما واجهت الموانئ الصغيرة خطر فقدان مكانتها في شبكة التجارة العالمية.

اعتماد شركات الشحن لفترات طويلة على وقود السفن الثقيل

ورفعت السفن العملاقة كذلك حجم التحديات البيئية، بعدما اعتمدت شركات الشحن لفترات طويلة على وقود السفن الثقيل باعتباره الأرخص، رغم احتوائه على كميات كبيرة من الملوثات مقارنة بالوقود المستخدم في وسائل النقل الأخرى.

فيما كشفت الدراسات البيئية، حجم التأثير الناتج عن هذا الوقود، حيث أصبحت السفن التجارية الكبرى من أكبر مصادر الانبعاثات الضارة، وهو ما دفع المجتمع الدولي لاحقًا إلى المطالبة بتقليل اعتماد الصناعة البحرية على الوقود الثقيل والتحول إلى حلول أكثر نظافة.

ووصلت صناعة الشحن البحري مع نهاية العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين إلى مرحلة أصبحت فيها الشركات الكبرى أكثر قوة من أي وقت مضى، بعدما تجاوزت أزمة مالية عالمية كادت أن تهدد القطاع، وتحولت إلى كيانات اقتصادية ضخمة يصعب منافستها.

اختبارات جديدة لجائحة كورونا 

فميا واجهت هذه الشركات بعد ذلك اختبارًا جديدًا مع بداية جائحة كورونا، حيث بدا في البداية أن توقف المصانع العالمية وإغلاق الأسواق سيؤدي إلى انهيار قطاع الشحن بسبب اختفاء الطلب على النقل البحري.

وقررت أكبر شركات الشحن التعامل مع الأزمة بطريقة مختلفة، إذ خفضت عدد السفن العاملة وألغت العديد من الرحلات للحفاظ على توازن السوق ومنع انهيار الأسعار، لكن الأحداث اللاحقة غيرت المعادلة بالكامل.

وارتفع الطلب العالمي بشكل مفاجئ مع بداية تعافي الاقتصاد، بعدما قدمت الحكومات مساعدات مالية للمواطنين الذين اتجهوا إلى شراء المنتجات عبر الإنترنت أثناء فترات الإغلاق، ما تسبب في موجة استهلاك ضخمة لم تستطع سلاسل الإمداد العالمية استيعابها بسهولة.

تعطل حركة التجارة بعد إيفر جيفن 

وتعطلت حركة التجارة، أكثر بعد حادثة جنوح سفينة الحاويات العملاقة «إيفر جيفن»، في قناة السويس، ما أدى إغلاق القناة لأيام إلى توقف مئات السفن وتعطل مليارات الدولارات من التجارة العالمية، واستغلت شركات الشحن هذه الظروف الاستثنائية، وقفزت أسعار نقل الحاويات إلى مستويات تاريخية، حيث ارتفعت تكلفة نقل الحاوية من الصين إلى الولايات المتحدة من آلاف الدولارات إلى أكثر من عشرين ألف دولار في ذروة الأزمة.

وحققت شركات الشحن خلال فترة الجائحة أرباحًا قياسية تجاوزت 360 مليار دولار خلال عامين فقط، وهو رقم ضخم يعكس حجم التحول الذي شهده القطاع بعدما انتقل من صناعة تعاني من أزمات مالية إلى واحدة من أكثر الصناعات ربحية في العالم.

وأثبتت هذه المرحلة أن الحاوية التي بدأت كاختراع بسيط لتسهيل النقل أصبحت أداة استراتيجية تتحكم في الاقتصاد العالمي، وأن القوة الحقيقية لم تعد فقط في إنتاج السلع، بل في امتلاك الطريق الذي تصل عبره هذه السلع إلى الأسواق.

اقرأ أيضًا:

4 سيناريوهات محتملة لمصير الممرات البحرية.. هل يستمر التصعيد أم تندلع مواجهة واسعة؟

Short Url

search