الجمعة، 24 يوليو 2026

12:38 م

107 مليارات دولار و87 سياسة.. تسعير الكربون يرسخ مكانته كأداة لتمويل التحول الأخضر

الجمعة، 24 يوليو 2026 09:51 ص

 تسعير الكربون

تسعير الكربون

مي المرسي

تخوض الموازنات العامة للحكومات حول العالم تحولا هيكليا استثنائيا، إذ لم يعد تسعير الكربون أداة تنظيمية لحث القطاعات الصناعية على كبح الانبعاثات، بل تحول إلى مصدر مالي سيادي يرفد الخزائن العامة بتمويلات ضخمة ومستدامة.

وكشف التقرير السنوي الصادر عن مجموعة البنك الدولي بعنوان «حالة واتجاهات تسعير الكربون 2026»، عن قفزة تاريخية في أرقام الاقتصاد المناخي، إذ تضاعفت الإيرادات الحكومية المباشرة 3.57 مرة خلال عقد واحد، متجاوزة 107 مليارات دولار في عام 2025، مقارنة بأقل من 30 مليار دولار في عام 2016، وهو ما يمثل نمواً إجمالياً بلغ 256.7%، بمعدل نمو سنوي مركب قدره 15.2%.

نمو متسارع وديناميكية سوقية

وعند التمعن في الأرقام التي أوردها التقرير، يتضح أن سوق التسعير المباشر للكربون شهد تحولًا هيكليًا لافتًا، لم يقتصر على نمو الإيرادات فحسب، بل امتد إلى اتساع نطاق التطبيق وارتفاع الكفاءة الاقتصادية للأداة، فقد ارتفع عدد أدوات وسياسات التسعير المباشر للكربون المطبقة عالميًا إلى 87 سياسة خلال عامي 2025 /2026، مقارنة بـ80 سياسة في العام السابق، بما يعكس نموًا سنويًا قدره 8.75% وإضافة سبع سياسات جديدة خلال عام واحد، وهو ما يشير إلى توسع الاعتماد التنظيمي على آليات تسعير الكربون في عدد متزايد من الدول والاقتصادات. 

وفي الوقت ذاته، سجل متوسط سعر الطن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون ارتفاعًا بنسبة 7% على أساس سنوي ليصل إلى 21 دولارًا للطن، وهو مستوى يمثل ضعف السعر المسجل قبل عقد من الزمن، عندما بلغ نحو 10.50 دولارًا للطن في عام 2016، بما يعكس تنامي القيمة الاقتصادية للانبعاثات الكربونية داخل الأسواق المنظمة.

كما اتسعت قاعدة التأثير البيئي لهذه السياسات، إذ أصبحت تغطي نحو 29% من الانبعاثات العالمية، مع توقع ارتفاعها إلى 33.3% خلال الفترة المقبلة، بما يقترب من تغطية ثلث الانبعاثات العالمية، وبالتوازي مع ذلك، واصل سوق اعتمادات الكربون توسعه، مسجلًا نموًا في حجم الإصدارات بلغ 8% خلال الفترة 2024– 2025، في إشارة إلى تعمق دور الأسواق الطوعية والتنظيمية في دعم جهود خفض الانبعاثات.

وتعكس هذه المؤشرات مجتمعة انتقال تسعير الكربون من كونه أداة تنظيمية محدودة النطاق إلى محرك مالي واقتصادي مستقر، وهو ما تؤكده أيضًا القفزة في الإيرادات الحكومية المباشرة من أقل من 30 مليار دولار في عام 2016 إلى أكثر من 107 مليارات دولار في 2025 /2026، بزيادة بلغت نحو 256.7% (أي ما يعادل 3.57 مرة)، بما يمنح الحكومات موارد مالية إضافية لتمويل التحول الأخضر، وتوسيع برامج الحماية الاجتماعية، وتقليل الضغوط على الموازنات العامة دون الاعتماد المفرط على الاقتراض.

كما تكشف هذه التطورات عن انتقالة نوعية في التغطية الجغرافية، مع اتساع تطبيق سياسات تسعير الكربون في الاقتصادات الصاعدة إلى جانب الاقتصادات المتقدمة، بما يعزز الطابع العالمي لهذه الآلية ويزيد من فعاليتها في دعم أهداف خفض الانبعاثات وتحقيق الحياد الكربوني.

اتساع التغطية العالمية.. الاقتراب من ثلث الانبعاثات

وعلى صعيد التغطية، تشمل آليات التسعير المباشر للكربون حاليًا أكثر من 29% من إجمالي انبعاثات غازات الدفيئة عالميًا، بما يعكس اتساع نطاق تطبيق هذه الأدوات على المستوى الدولي، وتبرز أهمية هذا المؤشر في مساره المستقبلي، إذ من المتوقع أن ترتفع التغطية إلى نحو 33.3%، أي ما يعادل ثلث الانبعاثات العالمية، بمجرد دخول التشريعات الجديدة حيز التنفيذ، وهو ما يعزز من قدرة سياسات تسعير الكربون على إحداث تأثير أوسع في جهود خفض الانبعاثات وتحقيق أهداف الحياد الكربوني.

التغطية الجغرافية.. انتقالة نوعية نحو الاقتصادات الصاعدة

وتكشف البيانات عن تحول جيواقتصادي واضح في خريطة تسعير الكربون، مع انتقال مركز الثقل تدريجيًا من الاقتصادات المتقدمة إلى الأسواق الناشئة، فقد شهد العام الماضي تطورات مفصلية في دول مثل الهند وفييتنام، بما يعني أن جميع الاقتصادات الكبيرة متوسطة الدخل أصبحت إما تطبق بالفعل أدوات التسعير المباشر للكربون أو وصلت إلى مراحل متقدمة من الإعداد لتطبيقها.

ويمثل هذا التحول كسرًا للاحتكار الذي ظل لفترة طويلة مقتصرًا على الاتحاد الأوروبي وعدد محدود من الاقتصادات المتقدمة، حيث باتت آليات التسعير اليوم جزءًا رئيسيًا من السياسات البيئية والاقتصادية في الأسواق الناشئة، الأمر الذي يسهم في الحد من ظاهرة تسرب الكربون (Carbon Leakage)، ويعزز تكافؤ الفرص التنافسية بين الاقتصادات المختلفة على المستوى العالمي.

أسواق اعتمادات الكربون.. نمو الكمية وترسيخ الجودة

وبالتوازي مع توسع سياسات التسعير المباشر، شهدت أسواق اعتمادات الكربون (Carbon Credits) ديناميكية مزدوجة خلال الفترة 2024– 2025، فمن حيث الكمية، ارتفعت إصدارات الاعتمادات بنسبة 8%، بما يعكس زيادة المعروض واتساع النشاط التجاري داخل السوق. أما من حيث السعر والجودة، فرغم التراجع الطفيف في متوسط أسعار الاعتمادات خلال عام 2025، اتجهت الأسواق بصورة متزايدة نحو تطبيق مفهوم العلاوة السعرية المرتبطة بالجودة (Quality Premium)، حيث أصبحت المشروعات الأعلى موثوقية والأكبر أثرًا بيئيًا تحظى بتقييمات سعرية أعلى من غيرها.

المشروعات الأعلى قيمة.. علاوة سعرية للمشروعات المعتمدة

وفي هذا السياق، حققت فئتان من مشروعات اعتمادات الكربون أعلى العلاوات السعرية داخل السوق، تمثلت الأولى في المشروعات المعتمدة لقطاع الطيران الدولي والمتوافقة مع معايير خفض وإزاحة الكربون للطيران الدولي (CORSIA)، بينما شملت الفئة الثانية المشروعات الطبيعية عالية التصنيف، ولا سيما مشروعات الحفاظ على الغابات وإعادة التشجير التي تتمتع بأثر بيئي ومجتمعي موثق، بما يعكس تنامي اهتمام المشترين بجودة الاعتماد وموثوقية نتائجه أكثر من التركيز على حجم المعروض فقط.

وأكد باسكال دونوهو، المدير المنتدب ورئيس خبراء المعرفة بمجموعة البنك الدولي، أن «التسعير المباشر وأسواق الكربون أصبحت حجارة الزاوية التي تساعد الدول على إعادة هيكلة مزيج الطاقة المفضل لديها»، مشيرًا إلى أن التصميم الفعّال لهذه السياسات يحقق ثلاثة أهداف استراتيجية مترابطة، تتمثل في رفع كفاءة استهلاك الطاقة، وتحفيز الابتكار والتكنولوجيا النظيفة، وتعبئة الموارد المالية المحلية لدعم جهود التنمية.

وتتسق هذه المؤشرات مع استراتيجية إدارة المناخ لدى مجموعة البنك الدولي، التي ترتكز على دمج خدمات الإقراض والاستشارات مع أدوات التمويل المناخي الذكي، بما يساعد الدول النامية على زيادة استفادتها من تمويلات أسواق الكربون، وتوجيه هذه الموارد نحو خلق فرص العمل، وتعزيز النمو الاقتصادي المستدام، ودعم مسارات التحول الأخضر.

اقرأ أيضا:

"شمس الصناعة"برنامج وطني لتعزيز تنافسية الصناعة المصرية وخفض تكلفة الإنتاج

السعودية تقود أسرع نمو عالمي في الطاقة المتجددة.. والعالم يودع هيمنة الفحم

Short Url

search