الثلاثاء، 21 يوليو 2026

06:08 م

الممر اللوجستي المصري – التنزاني.. هل تعيد القاهرة رسم خريطة التجارة في شرق أفريقيا؟

الإثنين، 20 يوليو 2026 03:09 م

د. نوران الرجال

د. نوران الرجال

إعداد: دكتورة نوران الرجال الباحثة و المحللة اللوجستية و مدرب معتمد من الفياتا

لم تعد العلاقات المصرية الأفريقية تقتصر على التعاون السياسي أو تنفيذ المشروعات التنموية، بل تتجه اليوم نحو مرحلة أكثر عمقًا تقوم على بناء شبكات لوجستية وممرات تجارية قادرة على إعادة تشكيل حركة التجارة داخل القارة، وفي هذا السياق، جاءت زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى تنزانيا لتؤكد أن القاهرة تتبنى رؤية استراتيجية تستهدف تحويل التعاون الثنائي إلى منصة إقليمية للتكامل الاقتصادي واللوجستي.

فالمشروعات التي أعلن عنها الجانبان، وفي مقدمتها تطوير ميناء دار السلام، وإنشاء خط ملاحي مباشر بين مينائي سفاجا ودار السلام، وإقامة ممر لوجستي متعدد الوسائط يربط القاهرة بالعاصمة التنزانية، تتجاوز كونها مشروعات بنية تحتية، لتصبح أدوات اقتصادية تعيد رسم مسارات التجارة بين شمال وشرق أفريقيا.

من التعاون الثنائي إلى بناء محور تجاري

تمثل تنزانيا واحدة من أهم البوابات البحرية لشرق أفريقيا، إذ يخدم ميناء دار السلام عدة دول حبيسة مثل زامبيا ورواندا وبوروندي وأوغندا والكونغو الديمقراطية، وهو ما يمنحه أهمية استراتيجية في حركة التجارة الإقليمية.

في المقابل، تمتلك مصر شبكة متطورة من الموانئ البحرية على البحرين الأحمر والمتوسط، إلى جانب المنطقة الاقتصادية لقناة السويس وشبكة طرق وسكك حديدية وموانئ جافة ومراكز لوجستية شهدت تطورًا كبيرًا خلال السنوات الأخيرة.

الربط بين هذه المنظومات يخلق محورًا لوجستيًا جديدًا يختصر المسافات، ويخفض تكاليف النقل، ويمنح المصدرين المصريين منفذًا أكثر كفاءة إلى الأسواق الأفريقية، خاصة مع دخول اتفاقية التجارة الحرة القارية الأفريقية (AfCFTA) مرحلة التنفيذ.

الموانئ وحدها لا تكفي

اللافت في الطرح المصري أن الحديث لم يقتصر على تطوير ميناء دار السلام، وإنما تضمن إنشاء ممر متعدد الوسائط يجمع بين النقل البحري والبري والخدمات اللوجستية، وهو ما يعكس فهمًا حديثًا لإدارة سلاسل الإمداد.

ففي الاقتصاد العالمي لم تعد الموانئ تُقاس بعدد الأرصفة أو أعماق الغاطس فقط، بل بقدرتها على الاندماج مع شبكات النقل والمناطق اللوجستية والمراكز الصناعية ومخازن التوزيع.

ولهذا فإن نجاح أي ميناء أصبح مرتبطًا بوجود شبكة متكاملة تنقل البضائع من السفينة إلى المصنع أو السوق بأقل تكلفة وأسرع زمن ممكن.

لماذا يمثل الخط الملاحي بين سفاجا ودار السلام أهمية خاصة؟

يمثل ميناء سفاجا البوابة المصرية الرئيسية على البحر الأحمر، بينما يعد ميناء دار السلام أكبر موانئ تنزانيا وأكثرها نشاطًا.

وجود خط ملاحي مباشر بين الميناءين يعني تقليل الاعتماد على الموانئ الوسيطة، واختصار زمن الشحن، وخفض تكلفة تداول الحاويات، وتحسين انتظام الخدمات البحرية، وهي عوامل ترفع تنافسية الصادرات المصرية، خاصة الصناعات الغذائية ومواد البناء والدواء والأسمدة والمنتجات الهندسية.

كما يمنح الشركات التنزانية منفذًا أسرع إلى الأسواق العربية والمتوسطية عبر مصر.

اللوجستيات والأمن الغذائي.. علاقة تتجاوز النقل

من أبرز ما تضمنته المباحثات أيضًا مشروع للاستصلاح الزراعي في تنزانيا بهدف تحقيق الأمن الغذائي للبلدين.

وهنا تظهر أهمية التكامل بين الإنتاج الزراعي والخدمات اللوجستية، فنجاح أي مشروع زراعي لا يعتمد فقط على زيادة الإنتاج، بل يتطلب منظومة متكاملة تشمل التخزين المبرد، ومحطات الفرز والتعبئة، والنقل، وسلاسل التبريد، والموانئ، وأسواق التوزيع.

ومن ثم فإن الربط بين الاستثمار الزراعي والممرات اللوجستية يخلق سلسلة قيمة متكاملة تبدأ من الحقل وتنتهي بالمستهلك أو السوق التصديرية، وهو ما يزيد من القيمة المضافة ويقلل الفاقد ويحسن العائد الاقتصادي.

فرصة لتعزيز التجارة البينية الأفريقية

لا تزال التجارة البينية داخل أفريقيا تمثل نسبة محدودة مقارنة بالقارات الأخرى، ويرجع ذلك إلى تحديات البنية التحتية وارتفاع تكاليف النقل وضعف الربط اللوجستي.

ومن هنا تكتسب المشروعات التي أعلنتها مصر وتنزانيا أهمية خاصة، لأنها تعالج أحد أكبر معوقات التجارة داخل القارة، وهو نقص الممرات اللوجستية الفعالة.

وفي حال تنفيذ هذه المشروعات وفق جدول زمني واضح، فإنها قد تتحول إلى نموذج يمكن تكراره مع دول أفريقية أخرى، بما يدعم أهداف اتفاقية التجارة الحرة القارية ويزيد من حركة السلع والاستثمارات بين دول القارة.

البعد الجيوسياسي

تحمل هذه المشروعات بعدًا جيوسياسيًا لا يقل أهمية عن بعدها الاقتصادي، فتعزيز الوجود المصري في موانئ ومحاور النقل بشرق أفريقيا يرسخ دور القاهرة كشريك تنموي يعتمد على الاستثمار والبنية التحتية ونقل الخبرات، وهو ما يعزز النفوذ الاقتصادي المصري في واحدة من أسرع المناطق نموًا في القارة.

كما يساهم الربط بين البحر الأحمر والمحيط الهندي في تنويع مسارات التجارة، وزيادة مرونة سلاسل الإمداد، وتقليل تأثير الاضطرابات التي قد تشهدها بعض الممرات البحرية الدولية.

الخلاصة

تكشف نتائج زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى تنزانيا أن التعاون بين البلدين يدخل مرحلة جديدة تتجاوز تنفيذ المشروعات المنفردة إلى بناء منظومة اقتصادية ولوجستية متكاملة، وإذا نجحت مشروعات تطوير ميناء دار السلام، والخط الملاحي مع سفاجا، والممر اللوجستي متعدد الوسائط، فإنها لن تعزز التجارة بين مصر وتنزانيا فحسب، بل قد تؤسس لمحور تجاري جديد يربط شمال أفريقيا بشرقها، ويمنح مصر موقعًا أكثر تأثيرًا في خريطة النقل والتجارة داخل القارة الأفريقية.

وفي ظل التحولات التي تشهدها سلاسل الإمداد العالمية، لم تعد المنافسة بين الدول تقوم فقط على امتلاك الموانئ أو الموارد، بل على قدرتها على بناء ممرات لوجستية متكاملة تربط الإنتاج بالأسواق، ومن هذا المنطلق، تبدو التحركات المصرية في شرق أفريقيا جزءًا من استراتيجية أوسع تستهدف ترسيخ مكانة مصر كمركز إقليمي للتجارة والخدمات اللوجستية، وبوابة رئيسية للتكامل الاقتصادي الأفريقي.

Short Url

search