الثلاثاء، 23 يونيو 2026

09:56 م

10 سنوات من مفاوضات سد النهضة.. ما تأثير تصريحات ترامب بدعم مصر؟ (تسلسل زمني)

الثلاثاء، 23 يونيو 2026 08:25 م

سد النهضة _ صورة أرشيفية

سد النهضة _ صورة أرشيفية

محمد ممدوح

أعادت تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، حول أزمة دول حوض النيل فتح ملف سد النهضة الإثيوبي من جديد، بتأكيد دعمه لحقوق مصر في مياه النيل دون الالتزام بمسار محدد لتحقيق ذلك، وهي التصريحات التي أثارت تساؤلات حول قيمتها السياسية والقانونية، ومدى قدرتها على التأثير في واحدة من أكثر الأزمات تعقيدًا في القارة الإفريقية.

وبينما تتواصل الخلافات بين القاهرة، وأديس أبابا بشأن قواعد ملء وتشغيل السد، ظهرت المواقف الأمريكية الأخيرة باعتبارها مؤشرًا يستحق التوقف عنده، خاصة مع ما تمثله واشنطن من ثقل سياسي واقتصادي ودبلوماسي على الساحة الدولية.

عودة ملف سد النهضة إلى الواجهة وتساؤلات التأثير الأمريكي

ودفعت هذه التطورات لإعادة طرح أسئلة تتعلق بمستقبل الأزمة، وحدود الضغوط الدولية الممكنة على إثيوبيا، ومدى قوة الموقف القانوني المصري في الدفاع عن حقوقه التاريخية في مياه النيل، فضلًا عن الجدل المستمر بشأن اتفاقية إعلان المبادئ الموقعة عام 2015، وتأثيرها على مراكز الأطراف القانونية.

سد النهضة

أزمة متفاقمة ومخاوف قانونية متصاعدة

ودخل ملف سد النهضة الإثيوبي عام 2026، مرحلة توصف بأنها الأكثر تعقيدًا منذ بدء الأزمة، في ظل وصول المشروع إلى التشغيل شبه الكامل، واستمرار إثيوبيا في تشغيل توربيناته بهدف تعظيم إنتاج الطاقة بعد اكتمال مراحل التخزين الكبرى، بينما يغيب أي مسار تفاوضي فعال بين الأطراف الثلاثة، -مصر، والسودان، وإثيوبيا- وذلك في وقت تواصل فيه مصر إدارة تداعيات الوضع عبر سياسات داخلية تشمل إعادة تدوير المياه، والتوسع في التحلية، وإعادة هيكلة الأنماط الزراعية، مع الاعتماد على المخزون الاستراتيجي في بحيرة ناصر.

وفي السياق، قدم الدكتور محمد عطا الله، الخبير في القانون الدولي، قراءة قانونية وسياسية لدلالات التصريحات الأمريكية، وانعكاساتها المحتملة على مسار ملف سد النهضة، إذ أكد «عطا الله»، في تصريحات لـ«إيجي إن»، أن التصريحات الأخيرة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن سد النهضة وحقوق مصر في مياه النيل لا تحمل قوة قانونية ملزمة، لكنها تتمتع بقوة معنوية كبيرة يمكن أن يكون لها تأثير مهم على مسار القضية دوليًا.

وقال خبير القانون الدولي، إن المجتمع الدولي يمكن النظر إليه باعتباره صاحب القرار في القضايا الدولية الكبرى، مشيرًا إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية تمثل الدولة الأكثر تأثيرًا على المستويين الاقتصادي والعسكري، ولذلك فإن حديث رئيسها عن تأثر مصر بسد النهضة يحمل أهمية كبيرة في الإطار الدعم المعنوي والسياسي.

الرئيس الأمريكي أقر بوجود ضرر على مصر

وأوضح أن إقرار الرئيس الأمريكي بوجود ضرر قد تتعرض له مصر جراء سد النهضة يمثل عامل دعم مهم للموقف المصري، خاصة إذا ما اتجهت مصر إلى التحرك أمام مجلس الأمن الدولي في حال سعت إثيوبيا إلى التحكم في المياه أو خلق أزمة مائية تهدد مصر والسودان بما ينعكس على السلم والأمن الدوليين.

وأضاف «عطا الله»، أن الولايات المتحدة يمكن أن تلعب دورًا مؤثرًا في ملف سد النهضة من خلال دعم التحركات المصرية داخل المؤسسات الدولية، كما أنها تمتلك القدرة على الضغط على منافذ الاستثمار المختلفة العاملة في إثيوبيا، سواء تلك المرتبطة بسد النهضة أو بغيره من المشروعات والاستثمارات الأخرى والتأثير على الإقتصاد الأثيوبي.

الاتفاقيات والمبادئ نصت على عدم المساس بحصة مصر والسودان التاريخية

وأشار الخبير في القانون الدولي، إلى أن تصريحات ترامب تعد قوية من الناحية المعنوية، وتساعد في الحفاظ على الحقوق التاريخية لمصر في مياه النيل، موضحًا أن أي اتفاقيات أو تفاهمات أو مبادئ تم توقيعها من جانب مصر منذ عام 2015، وحتى الآن جاءت في إطار الموافقة على إقامة مشروعات تنموية لدول حوض النيل دون المساس بالحصة التاريخية لكل من مصر والسودان.

تصريحات ترامب تأتي للبحث عن وسائل لحل الصراعات الدولية

فيما قال الدكتور رمضان قرني، الخبير بالشأن الإفريقي، في تصريحات خاصة لـ«إيجي إن»، إن تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بشأن سد النهضة يمكن قراءتها في سياق أوسع وأشمل، يتعلق برؤية أمريكية لمحاولة معالجة الأزمات الدولية الكبرى.

وأوضح «قرني»، أن متابعة تصريحات ترامب بشأن سد النهضة، تشير إلى أنها تصب في إطار البحث عن أطر ووسائل لحل الصراعات الدولية، لافتًا إلى أن ترامب يتحدث باستمرار في أحاديثه الإعلامية المنشورة عن قدرته على إيقاف سبعة صراعات أو سبعة حروب كبرى، مشيرا إلى أن ترامب ينظر إلى الصراع المرتبط بسد النهضة باعتباره أحد الصراعات الكبرى في القارة الأفريقية، وأنه يحاول البحث عن حل لهذا الصراع، ومن ثم جاءت تصريحاته خلال لقائه مع الرئيس عبد الفتاح السيسي، التي أكد فيها أنه سيولي أهمية كبرى لهذه القضية وسيعمل على تسويتها بين الدول الثلاث.

ترامب طرح رؤية لسير المفاوضات بين الدول الثلاث

وأضاف الخبير بالشأن الإفريقي، أن هناك جانبًا آخر يمكن النظر إليه عند قراءة هذه التصريحات، ويتمثل في ربطها بالرسالة التي بعث بها الرئيس الأمريكي في يناير 2026، إلى الرئيس عبد الفتاح السيسي، والتي تحدث فيها عن اهتمامه بالانخراط في قضية سد النهضة بشكل كبير، موضحًا أن الرسالة تضمنت تفهمًا واضحًا للشواغل المصرية، مؤكدا أن الأهم في تلك الرسالة يتمثل في أن ترامب طرح رؤية لسير المفاوضات بين الدول الثلاث تقوم على مفاوضات عادلة وشفافة وتدار  بخبرة فنية مناسبة، فضلًا عن حديثه عن مراقبة أمريكية لهذه المفاوضات.

وتابع: «تصريحات الرئيس ترامب خلال قمة مجموعة السبع، ورسالة يناير إلى الرئيس عبد الفتاح السيسي، تترجمان بدرجة كبيرة رغبة أمريكية في الانخراط في تسوية سياسية وتسوية سلمية لأزمة سد النهضة، مع الاعتراف بأن هذه التصريحات تصب بدرجة كبيرة لصالح الدبلوماسية المصرية، ويمكن اعتبارها انتصارًا للدبلوماسية المصرية».

وأوضح أن أهمية هذه التصريحات تتزايد بالنظر إلى أنها جاءت بعد أسبوع واحد فقط من تصريحات الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال لقائه نظيره الكونغولي فيليكس تشيسيكيدي بالقاهرة، عندما وجه رسالة إلى دول حوض النيل أكد فيها احترام مصر لحق التنمية في دول الحوض، ودعا إلى احترام قواعد القانون الدولي بين دول الحوض.

سد النهضة

رسالة ترامب عكست رغبة أمريكية في الانخراط لتسوية الصراع

وأشار إلى أن رسالة ترامب تبدو وكأنها التقطت هذا الخطاب المصري الموجه إلى دول حوض النيل ودول القارة الأفريقية، وعكست رغبة أمريكية في الانخراط في تسوية أحد أهم الصراعات القائمة في القارة الأفريقية، وبشأن إمكانية ممارسة الولايات المتحدة، ضغوطًا تدفع الأطراف إلى العودة لطاولة المفاوضات، قال «قرني»، إن هذه القضية يجب قراءتها في أكثر من سياق.

وأوضح أن الطرف الإثيوبي، يرفض بدرجة كبيرة فكرة تدويل الأزمة ويدخل في حالة من التحفظ تجاه دخول أطراف خارجية في الملف، مشيرًا إلى أن إثيوبيا كانت متمسكة بوساطة الاتحاد الأفريقي رغم ما وصفه بضعف هذه الآلية وخضوعها بدرجة أو بأخرى لضغوط من قبل الطرف الإثيوبي.

مصر تحركت بهدف إعمال قواعد القانون الدولي

وأضاف أن مصر، بعد فشل الآلية الأفريقية، تحركت في مجلس الأمن الدولي والأمم المتحدة بهدف إعمال قواعد القانون الدولي ووضع قواعد حاكمة لسير المفاوضات، موضحًا أن الانسحاب المصري من المفاوضات عام 2024 جاء نتيجة قناعة مصرية بأن الطرف الإثيوبي لا يدخل المفاوضات بإرادة سياسية واضحة، وأن هناك حالة من التسويف من جانبه.

وأكد أن التوازن داخل المفاوضات بين الأطراف الثلاثة يجعل مصر والسودان أكثر ميلًا إلى وجود أطراف دولية فاعلة، سواء من القوى الدولية أو المنظمات الدولية مثل الأمم المتحدة ومجلس الأمن والاتحاد الأفريقي، في حين يبتعد الطرف الإثيوبي عن هذا التوجه ويحاول في إعلامه الداخلي الترويج لفكرة أن مصر تسعى إلى تدويل الأزمة ولا تراعي الأدوات والآليات الأفريقية.

تطورات العلاقات الأمريكية الإثيوبية تساهم في عودة إثيوبيا للمفاوضات

وقال إن السؤال المطروح هنا هو: هل يستطيع الطرف الأمريكي أن يمثل عامل ضغط على إثيوبيا؟
وأضاف: «أعتقد أن هناك جملة من التطورات التي شهدتها العلاقات الأمريكية الإثيوبية خلال الفترة الأخيرة يمكن أن تساهم بدرجة معينة في عودة الطرف الإثيوبي إلى المفاوضات، وإن لم تكن بالضرورة عامل ضغط حاسم»، مشيرا إلى أن إثيوبيا تواجه على المستوى الداخلي أوضاعًا مأزومة بدرجة كبيرة، سواء من الناحية الاقتصادية أو الأمنية، فضلًا عن الأزمات المرتبطة بإدارة الدولة والخلافات القائمة مع أقاليم تيجراي وأمهرة وأوروميا.

وأضاف أنه رغم الدعاية السياسية التي صاحبت الانتخابات الإثيوبية الأخيرة وإعلان انتصار حزب الازدهار الحاكم بقيادة آبي أحمد، فإن ذلك لا يلغي وجود مشكلات حقيقية تواجه الدولة الإثيوبية، خاصة في الجانبين الاقتصادي والأمني.

وتابع أن إثيوبيا تواجه أيضًا تحديات إقليمية، سواء مع السودان في ظل الاتهامات المتعلقة بدعم قوات الدعم السريع، أو مع إريتريا بسبب المناوشات الحدودية، أو مع الصومال بعد حالة التقارب بين إثيوبيا وإقليم أرض الصومال الانفصالي.

إثيوبيا لا ترغب بالظهور كدولة صانعة للأزمات

وأوضح أن إثيوبيا لا ترغب في تقديم نفسها داخل القارة الأفريقية باعتبارها دولة صانعة للأزمات، بل يسعى نظام آبي أحمد، دائمًا إلى تسويق نفسه باعتباره نموذجًا لصناعة السلام في أفريقيا، مشيرا إلى أن التحول الذي شهده الموقف الأمريكي مؤخرًا، ورفع بعض العقوبات الجزئية عن إثيوبيا، قد يوفر بيئة مناسبة لعودة الطرف الإثيوبي إلى المفاوضات، لكنه شدد على أن هذه العودة تظل مشروطة بوجود إرادة سياسية حقيقية وتغيير في العقلية السياسية الإثيوبية واحترام قواعد التفاوض.

وأكد أن مصر تدرك جيدًا أهمية عدم تكرار تجربة عام 2020، وهي التجربة التي بدأت برعاية الولايات المتحدة والبنك الدولي بين مصر والسودان وإثيوبيا عبر 6  جولات تفاوضية امتدت من سبتمبر 2019 حتى فبراير 2020، قبل أن ترفض إثيوبيا التوقيع على الاتفاق الخاص بسد النهضة.

الدولة حريصة على عدم تكرار أخطاء المرحلة السابقة

وقال إن الدولة المصرية حريصة بدرجة كبيرة على عدم تكرار أخطاء تلك المرحلة، وأن الأهم يتمثل في وجود التزام إثيوبي حقيقي والتزام قانوني واضح باحترام الشواغل المصرية، وبشأن اتفاق إعلان المبادئ الموقع عام 2015 بين مصر والسودان وإثيوبيا، أوضح قرني أن كل طرف يحاول تكييف الاتفاق من الناحية القانونية بما يتوافق مع رؤيته الخاصة.

وأضاف أن المكسب الحقيقي الذي تحقق من خلال الاتفاق يتمثل في نجاح مصر والسودان في دفع إثيوبيا إلى توقيع اتفاق قانوني حقيقي، مشيرًا إلى أن الخطاب السياسي الإثيوبي والدبلوماسية الإثيوبية يحاولان باستمرار رفض الاتفاقيات التاريخية الخاصة بمياه النيل، رغم أن بعض هذه الاتفاقيات وقعها الإمبراطور الإثيوبي منليك الثاني.

الاتفاق يضمن حقوق مصر والسودان فيما يتعلق بالسد

وأكد أن اتفاق المبادئ يمثل آلية قانونية ملزمة للدول الثلاث، لكن الاتفاقيات السياسية الكبرى تظل مرتبطة بالإرادة السياسية لتنفيذها أكثر من ارتباطها بالنصوص القانونية وحدها، مشيرا إلى أن نصوص الاتفاق تتضمن أطرًا قانونية تحفظ حقوق مصر والسودان فيما يتعلق بسد النهضة، موضحًا أن البندين السادس والسابع الخاصين بتشغيل السد وإدارته من أهم البنود التي كان يجب احترامها.

وأضاف أن هذه البنود نصت على وجود آلية مشتركة لإدارة السد بين الدول الثلاث، وعلى تعهد إثيوبيا بتوفير المعلومات لدولتي المصب مصر والسودان ومشاركتهما أي معلومات أو تطورات أو حالات طوارئ مرتبطة بالسد.

وأوضح أن هذه البنود جسدت فكرة العمل الجماعي والإخطار المسبق التي تتمسك بها مصر في مختلف المفاوضات المتعلقة بمياه النيل أو بمفاوضات سد النهضة.

الخبرة التاريخية أثبتت عدم التزام إثيوبيا بالدراسات

وأكد أن الطرف الإثيوبي لم يراعِ هذا الاتفاق بالشكل المطلوب، كما أن الخبرة التاريخية أثبتت عدم التزامه بالدراسات القانونية والاجتماعية والفنية التي انبثقت عن المفاوضات، مشيرًا إلى أنه لم يقدم دراسات متكاملة بشأن الجوانب المائية أو الكهربائية أو الجيولوجية أو الاجتماعية والاقتصادية.

وأضاف أن القضية لا تتعلق في جوهرها باتفاق إعلان المبادئ نفسه، وإنما ترتبط بالإرادة السياسية اللازمة لاحترام الاتفاقيات الموقعة بين الدول الثلاث، مؤكدا أن الاتفاق في جوانب كثيرة يحفظ حقوق مصر والسودان فيما يتعلق بسد النهضة، إلا أن الطرف الإثيوبي يحاول تفسيره وتأويله بما يتوافق مع رؤيته الخاصة.

وحول الأدوات التي يملكها مجلس الأمن الدولي، أو الاتحاد الأفريقي لحل الأزمة، أوضح «قرني»، أنه يجب مراعاة أن هذه المؤسسات ليست سلطة فوق الدول، مضيفا أن مجلس الأمن الدولي، رغم أهميته يظل انعكاسًا لإرادات الدول المختلفة، مشيرًا إلى أن القرارات المتعلقة بسد النهضة اصطدمت بمواقف روسية وصينية لم تكن منسجمة بالكامل مع الطرح الداعم للتحرك الحاسم داخل المجلس، في مقابل مواقف أمريكية وفرنسية وبريطانية أكثر دعمًا للحل الدبلوماسي.

الطرف الإثيوبي يرفض فكرة التدويل

وأوضح أن دور مجلس الأمن يرتبط أيضًا بقدرته على جمع أطراف الأزمة، لكن الطرف الإثيوبي يرفض فكرة التدويل ويرفض دخول أطراف دولية في حل الأزمة.

وأشار إلى أن مجلس الأمن يمكن أن يسهم في توفير بيئة مناسبة للمفاوضات أو طرح أدوات ضاغطة على الأطراف التي تخالف الاتفاقيات، بما في ذلك العقوبات الدولية، إلا أن فكرة العقوبات نفسها لم تعد تحظى بالفاعلية المطلوبة في إدارة العلاقات الدولية.

وأضاف أن العقوبات التي فرضت على إثيوبيا عقب حرب تيجراي لم تكن عقوبات جوهرية أو مؤثرة بالقدر الكافي لدفعها نحو اتفاق ملزم.

أما فيما يتعلق بالاتحاد الأفريقي، فقال «قرني»، إن إحدى أكبر الإشكاليات تتمثل في أن الاتحاد يعاني حالة ضعف مؤسسي رغم كونه من أقدم التنظيمات الإقليمية في العالم.

وأضاف أن تجربة الاتحاد الأفريقي في إدارة مفاوضات سد النهضة كانت سلبية بدرجة كبيرة، حيث بدا واضحًا أنه أخذ في الاعتبار المصالح الإثيوبية أكثر من المصالح المصرية والسودانية، ربما بسبب وجود مقره داخل إثيوبيا.

الاتحاد الإفريقي واجه إخفاقات بأزمات القارة

وأكد أن الاتحاد الأفريقي واجه إخفاقات عديدة في إدارة أزمات القارة، سواء فيما يتعلق بالحرب في الكونغو أو مكافحة الإرهاب في منطقة الساحل أو مواجهة الانقلابات الدستورية، وهو ما كشف محدودية أدواته وقدرته على إدارة الأزمات الكبرى.

واختتم تصريحاته بالتأكيد على أن الحل الأنسب يتمثل في وجود مجلس الأمن الدولي والاتحاد الأفريقي والبنك الدولي وجامعة الدول العربية ومحكمة العدل الدولية ضمن إطار داعم وميسر للعملية التفاوضية، على أن تظل المفاوضات نفسها حصرية بين مصر وإثيوبيا والسودان.

وشدد على أهمية احترام قواعد القانون الدولي المنظمة للأنهار العابرة للحدود، كما أكد أهمية أن يكون لمحكمة العدل الدولية رأي استشاري أو فتوى قانونية بشأن هذه القضايا.

وأضاف أن هذه الأدوات الدولية يمكن أن توفر بيئة مواتية لعودة المفاوضات بين الدول الثلاث، ولكن بروح جديدة تضمن العدالة والدقة واحترام قواعد القانون الدولي، بما يسهم في الوصول إلى تسوية متوازنة ومستدامة لأزمة سد النهضة.

سد النهضة

بدايات المشروع وإشكاليات التخطيط الفني

وبدأ مشروع سد النهضة  في أبريل 2011، مع توقيع مذكرة التفاهم الخاصة بالسد، بمشاركة رئيس وزراء إثيوبيا، ميلس زيناوي، آنذاك، وإدارة شركة «ساليني إمبريجيلو» الإيطالية، إذ تم إطلاق المشروع تحت اسم سد الألفية الكبير، عبر عقد مباشر مع الشركة المنفذة دون إجراء دراسات مسبقة كافية حول الأمان الهيكلي، أو التأثيرات الهيدروليكية المحتملة على دولتي المصب.

وفي نوفمبر من العام نفسه، شكلت لجنة خبراء دولية ضمت وزراء الري في مصر، والسودان، وإثيوبيا، إلى جانب 10 خبراء، بينهم اثنان من كل دولة، وأربعة خبراء دوليين محايدين، نتيجة ضغوط دبلوماسية مصرية، واعتراضات على بناء السد دون تنسيق، ما دفع إثيوبيا للقبول بإجراء تقييم فني دولي للمشروع، انتهى بزيارة موقع السد، وفحص المستندات الفنية المقدمة من الجانب الإثيوبي.

التصعيد الدبلوماسي ومحدودية التقدم التفاوضي

وفي 31 مايو 2013، أصدرت لجنة الخبراء الدولية تقريرها الذي أكد أن الدراسات الإثيوبية المقدمة بشأن المشروع غير كافية من الناحية الهندسية، والبيئية، والاقتصادية، وتفتقر للعمق، مع توصيات بإجراء دراسات إضافية عاجلة تتعلق بأمان السد واحتمالات التصدع، إلى جانب تقييم الآثار الهيدرولوجية والبيئية على مصر والسودان.

تعثر التفاوض ورفض الآليات الإشرافية

وفي الفترة بين ديسمبر 2013، ويناير 2014، جرى عقد 3 جولات تفاوضية في الخرطوم، بمشاركة وزير الموارد المائية والري المصري، محمد عبد المطلب، ووزير الكهرباء والمياه السوداني، معتز موسى، ووزير المياه والطاقة الإثيوبي، أليمايهو تيجنو، بهدف وضع آلية ملزمة لتنفيذ توصيات اللجنة الدولية، إلا أن هذه الجولات انتهت إلى فشل كامل بعد رفض إثيوبيا منح أي لجنة دولية صلاحيات إشرافية وإصرارها على لجنة محلية استشارية فقط، وهو ما رفضته مصر.

تشكيل اللجنة الوطنية الثلاثية 

وفي أغسطس 2014، جرى عقد اجتماع جديد في الخرطوم بمشاركة وزير الموارد المائية والري المصري، حسام مغازي، ووزير المياه والكهرباء السوداني، معتز موسى، ووزير المياه والطاقة الإثيوبي، أليمايهو تيجنو، إذ تم الاتفاق على تشكيل اللجنة الوطنية الثلاثية من خبراء الدول الثلاث، إلى جانب الاستعانة بمكاتب استشارية دولية مستقلة لإجراء الدراسات المائية والبيئية المطلوبة.

سد النهضة

وأكد الاتفاق، أن القانون الدولي يقر بمبدأ توارث الاتفاقيات الدولية من السلف إلى الخلف، بمعنى أن الاتفاقيات الدولية التي تحدد أو تقر حقوق الدول لا تسقط بتغير الأنظمة أو الأوضاع السياسية، مشددًا على أن الاتفاقيات المتعلقة بحصة مصر من مياه النيل لا يمكن التنصل منها أو اعتبارها غير ملزمة بحجة أنها أبرمت خلال فترات الاستعمار.

إعلان المبادئ 2015 وإعادة جدل الالتزامات

وجاءت المرحلة المفصلية في مارس 2015، مع توقيع وثيقة إعلان المبادئ في الخرطوم بين الرئيس عبد الفتاح السيسي، والرئيس عمر البشير، ورئيس الوزراء، هايلي مريم ديسالين، والتي تضمنت عشرة مبادئ أساسية أبرزها التعاون وعدم الإضرار والاستخدام العادل للمياه، مع اعتراف سياسي بالسد مقابل التزام إثيوبيا بعدم البدء في الملء أو التشغيل قبل الاتفاق مع دولتي المصب.

قوة الموقف المصري من الناحية القانونية

وفي سبتمبر 2016، جرى توقيع عقود الدراسات الفنية في باريس، بمشاركة وزراء الري في الدول الثلاث، والشركتين الفرنسيتين «BRL»، و«Artelia»، بهدف تقييم الآثار الهيدرولوجية والبيئية للسد خلال فترة زمنية محددة، إلا أن المسار الفني تعرض لانتكاسة في نوفمبر 2017 خلال اجتماع القاهرة، بعد رفض إثيوبيا والسودان للتقرير الاستهلالي للمكاتب الفرنسية، وإعلان مصر تعثر المسار الفني نتيجة غياب توافق علمي حول المنهجية.

أزمة الدراسات الفنية وتفكك المسار العلمي

وفي مايو 2018، عقد اجتماع تساعي في أديس أبابا، ضم وزراء الخارجية والري، وانتهى إلى تجميد المسار الفرنسي وتشكيل المجموعة العلمية البحثية المستقلة لصياغة سيناريوهات تشغيل السد.

ومع دخول الملف مرحلة التدويل، شهد نوفمبر 2019، بدء الوساطة الأمريكية والبنك الدولي في واشنطن بمشاركة وزراء الخارجية والري للدول الثلاث، ووزير الخزانة الأمريكي، ورئيس البنك الدولي، إذ جرى الاتفاق على مسار تفاوضي مكثف انتهى بصياغة مسودة اتفاق أولي في يناير 2020، تحدد مراحل ملء السد وفق الحالة الهيدرولوجية للنهر، قبل أن تتعثر الجهود في فبراير 2020 مع انسحاب إثيوبيا من التوقيع النهائي ورفضها للصيغة الأمريكية، بينما وقعت مصر منفردة بالأحرف الأولى، بوزير خارجيتها الوزير سامح شكري. 

تصعيد أحادي يعيد الأزمة لنقطة الصفر

وفي يونيو 2020، انتقل الملف إلى الاتحاد الإفريقي بعد قمة افتراضية جمعت قادة الدول الثلاث، مع تعهد إثيوبي بعدم اتخاذ خطوات أحادية، إلا أن ذلك لم يمنع إثيوبيا من إعلان بدء الملء الأول للسد في يوليو 2020 بحجم 4.9 مليار متر مكعب، في خطوة وصفت بأنها أحادية وأدت إلى إجهاض المسار التفاوضي.

سد النهضة

وأوضح أن هذه ليست المرة الأولى التي يدلي فيها ترامب بمثل هذه التصريحات، مشيرًا إلى أنه سبق أن تحدث في أكثر من مناسبة عن ملف سد النهضة وحقوق مصر المائية.

دعم أمريكي للتحركات المصرية المستقبلية

وفي السياق السياسي الموازي، جاءت تصريحات الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، خلال قمة مجموعة السبع في فرنسا عام 2019، والتي حملت دعم سياسي للموقف المصري، قبل أن تتصاعد حدة تصريحاته في أكتوبر 2020 متضمنة انتقادات مباشرة لإثيوبيا وإشارات إلى فرض عقوبات مالية، ما أعاد الملف إلى دائرة الجدل الدولي حول الدور الأمريكي.

التصعيد السياسي والملء الثاني للسد

وفي عام 2021، تصاعدت حدة الخطاب السياسي المصري بالتزامن مع تعثر المسار التفاوضي،  في مارس 2021  أكد الرئيس عبد الفتاح السيسي أن مياه النيل تمثل خطاً أحمر بالنسبة لمصر، محذراً من أن أي مساس بحقوقها المائية تؤدي  إلى حالة من عدم الاستقرار الإقليمي. 

وفي أبريل من العام ذاته، فشلت جولة المفاوضات التي استضافتها كينشاسا عاصمة جمهورية الكونغو الديمقراطية، بعدما رفضت إثيوبيا مقترح مصر والسودان بتوسيع دائرة الوساطة الدولية لتشمل الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة إلى جانب الاتحاد الأفريقي. 

ومع حلول يوليو 2021، أعلنت إثيوبيا إتمام الملء الثاني لخزان السد، فيما لجأت مصر والسودان إلى مجلس الأمن الدولي الذي اكتفى بالدعوة إلى استئناف المفاوضات دون اتخاذ إجراءات ملزمة، الأمر الذي اعتبرته القاهرة إخفاقاً جديداً في احتواء الأزمة.

الانتقال إلى مرحلة التشغيل الفعلي

وفي عام 2022، انتقل سد النهضة من مرحلة الإنشاء والتخزين إلى مرحلة إنتاج الطاقة الكهربائية، وفي فبراير أعلنت إثيوبيا بدء التشغيل التجريبي لأول توربين بالسد، وتوليد الكهرباء للمرة الأولى، وهو ما اعتبرته مصر خطوة أحادية جديدة تخالف التفاهمات السابقة وإعلان المبادئ الموقع عام 2015. 

واستمرت أديس أبابا، في تنفيذ خططها التشغيلية خلال العام، إذ أعلنت في أغسطس تشغيل توربين ثانٍ، وإتمام الملء الثالث للخزان، لترتفع كميات المياه المخزنة إلى مستويات غير مسبوقة، في ظل استمرار غياب اتفاق قانوني ملزم ينظم قواعد الملء والتشغيل.

محاولة أخيرة للمفاوضات ثم إعلان الفشل

وبعد سنوات من الجمود، شهد عام 2023، محاولة جديدة لإحياء المسار التفاوضي بين مصر وإثيوبيا، ففي يوليو، اتفق الرئيس عبد الفتاح السيسي، ورئيس الوزراء الإثيوبي، آبي أحمد، خلال لقائهما في القاهرة على استئناف المفاوضات بهدف التوصل إلى اتفاق خلال أربعة أشهر.

وأعقب ذلك عقد أربع جولات تفاوضية مكثفة بين القاهرة، وأديس أبابا، والخرطوم خلال النصف الثاني من العام، غير أن هذه الجهود انتهت في ديسمبر 2023، بإعلان وزارة الموارد المائية والري المصرية فشل المفاوضات، وعدم تحقيق أي تقدم، مؤكدة أن إثيوبيا استمرت في فرض الأمر الواقع، وشددت القاهرة على احتفاظها بحقها الكامل في اتخاذ ما يلزم لحماية أمنها المائي والقومي وفقاً لقواعد القانون الدولي.

تحولات إقليمية والملء الخامس للسد

واتسم عام 2024، بتغيرات إقليمية أثرت بشكل مباشر على ملف سد النهضة، وأدى استمرار الحرب في السودان إلى انشغال الخرطوم بأزماتها الداخلية، ما أضعف التنسيق الثلاثي وأفقد مصر أحد أهم شركائها في إدارة الأزمة، وفي أغسطس، وسبتمبر، أعلنت إثيوبيا تنفيذ الملء الخامس للسد، ورفع مستوى التخزين إلى مستويات قياسية، الأمر الذي دفع مصر إلى توجيه رسالة رسمية إلى مجلس الأمن الدولي تعرب فيها عن رفضها للإجراءات الأحادية الإثيوبية. 

سد النهضة

وفي السياق ذاته، شهد العام تعزيز العلاقات المصرية مع الصومال، خاصة بعد توقيع إثيوبيا مذكرة تفاهم مع إقليم أرض الصومال، إذ اتجهت القاهرة إلى توسيع تعاونها العسكري والأمني مع الحكومة الصومالية في خطوة اعتُبرت جزءاً من إعادة تشكيل توازنات القوى في منطقة القرن الأفريقي.

جمود تفاوضي وإدارة الأزمة

وخلال الفترة الممتدة من عام 2025، وحتى منتصف عام 2026، دخل ملف سد النهضة مرحلة اتسمت بالجمود السياسي والتشغيل شبه الكامل للسد، وواصلت إثيوبيا تشغيل منشآت السد واستكمال منظومة إنتاج الكهرباء، بينما توقفت المفاوضات بشكل كامل دون الإعلان عن أي مسار جديد للحوار. 

وفي المقابل، ركزت مصر على إدارة التحديات المائية في الداخل من خلال التوسع في مشروعات إعادة استخدام المياه وتحلية مياه البحر وترشيد الاستهلاك الزراعي، مع الاعتماد على المخزون الاستراتيجي ببحيرة ناصر لتقليل آثار عمليات التخزين الإثيوبية.

مبدأ المسؤولية عن الأضرار الناجمة عن استخدام مياه النيل الأزرق

فيما تستند مصر في البند الثالث من إعلان المبادئ الموقع عام 2015، والذي ينص على أنه سوف تتخذ الدول الثلاث كافة الإجراءات المناسبة لتجنب التسبب في ضرر ذى شأن خلال استخدامها «للنيل الأزرق/ النهر الرئيسي»، وهو النهر الذي يمد نهر النيل بـ85% من المياه.

ونص المبدأ الثالث، أنه ففي حالة حدوث ضرر «ذى شأن» لإحدي الدول، فان الدولة المتسببة في إحداث هذا الضرر عليها، في غياب اتفاق حول هذا الفعل، اتخاذ كافة الإجراءات المناسبة بالتنسيق مع الدولة المتضررة لتخفيف أو منع هذا الضرر، ومناقشة مسألة التعويض كلما كان ذلك مناسباً.

سد النهضة

الخلاف حول آليات تنفيذ الدراسات وقواعد ملء وتشغيل سد النهضة والتنسيق بين الدول الثلاث

فيما اختلفت مصر وأثيوبيا والسودان على المبدأ الخامس، الذي ينص على «تنفيذ توصيات لجنة الخبراء الدولية، واحترام المخرجات النهائية للتقرير الختامي للجنة الثلاثية للخبراء حول الدراسات الموصي بها في التقرير النهائي للجنة الخبراء الدولية خلال المراحل المختلفة للمشروع، وتستخدم الدول الثلاث، بروح التعاون، المخرجات النهائية للدراسات المشتركة الموصي بها في تقرير لجنة الخبراء الدولية، والمتفق عليها من جانب اللجنة الثلاثية للخبراء، بغرض الاتفاق على الخطوط الإرشادية وقواعد الملء الأول لسد النهضة، والتي ستشمل كافة السيناريوهات المختلفة، بالتوازي مع عملية بناء السد، والاتفاق على الخطوط الإرشادية وقواعد التشغيل السنوي لسد النهضة، والتي يجوز لمالك السد ضبطها من وقت لآخر، وإخطار دولتي المصب بأية ظروف غير منظورة أو طارئة تستدعي إعادة الضبط لعملية تشغيل السد، ولضمان استمرارية التعاون والتنسيق حول تشغيل سد النهضة مع خزانات دولتي المصب، سوف تنشئ الدول الثلاث، من خلال الوزارات المعنية بالمياه، آلية تنسيقية مناسبة فيما بينهم، وأن الإطار الزمني لتنفيذ العملية المشار إليها أعلاه سوف يستغرق خمسة عشر شهراً منذ بداية إعداد الدراستين الموصى بهما من جانب لجنة الخبراء الدولية.

تسوية المنازعات بالوسائل السلمية في إعلان مبادئ سد النهضة 

وفي حالة النزاعات وفق لإعلان مبادئ سد النهضة أن تقوم الدول الثلاث بتسوية منازعاتهم الناشئة عن تفسير أو تطبيق هذا الاتفاق بالتوافق من خلال «المشاورات» أو التفاوض وفقاً لمبدأ حسن النوايا، إذا لم تنجح الأطراف في حل الخلاف من خلال «المشاورات أو المفاوضات»، فيمكن لهم مجتمعين طلب التوفيق، «الوساطة أو إحالة الأمر لعناية رؤساء الدول رئيس الحكومة».

اقرأ أيضا:

هدنة فوق برميل النفط.. هرمز يعود إلى طاولة التفاوض بمذكرة تفاهم مرتقبة بين أمريكا وإيران

وزير الرى أمام "الشيوخ": مصر ستطالب إثيوبيا بتعويضات يوما ما بسبب أضرار سد النهضة

ترامب: سنتعاون مع مصر لإبرام اتفاق بشأن سد النهضة الإثيوبي

Short Url

search