السبت، 20 يونيو 2026

01:04 ص

الخبير المائي نادر نور الدين لـ"إيجي إن": إثيوبيا قد تنشئ نظامًا أوسع من السدود يثير مخاوف الأمن المائي بحوض النيل (حوار)

الجمعة، 19 يونيو 2026 08:03 م

الدكتور نادر نور الدين

الدكتور نادر نور الدين

أعادت تصريحات دونالد ترامب، الأخيرة بشأن نهر النيل وسد النهضة الإثيوبي الكبير تسليط الضوء الدولي على أحد أكثر النزاعات المائية حساسية في إفريقيا، وجدد الرئيس الأمريكي على هامش قمة مجموعة السبع، مخاوفه بشأن تأثير السد على دول المصب، مشددًا على أهمية ضمان عدم المساس بحق مصر في مياه النيل.

وأعادت هذه التصريحات، إشعال النقاش حول مستقبل المفاوضات بين مصر والسودان وإثيوبيا، لا سيما مع استمرار تعثر المحادثات لسنوات دون التوصل إلى اتفاق ملزم ينظم تشغيل السد، وإطلاق المياه خلال فترات الجفاف.

ويناقش الدكتور نادر نور الدين، أستاذ موارد المياه بكلية الزراعة في جامعة القاهرة، في مقابلة مع موقع إيجي إن، التحديات الرئيسية التي تواجه المفاوضات، ومخاوف مصر بشأن أمن المياه، وآفاق التوصل إلى تسوية دائمة.

 

كيف تنظرون إلى الاهتمام الدولي الذي أثارته تصريحات الرئيس ترامب الأخيرة بشأن النيل وسد النهضة؟

تصريحات ترامب، الأخيرة ليست جديدة و التصريحات الأخيرة مهمة لأنها تُسلط الضوء على مبدأ هام، وهو أن النيل نهر دولي عابر للحدود، ومياهه تؤثر على دول عديدة، وأي نقاش يُبرز الحاجة إلى التعاون والإدارة المتوازنة للمياه، يُمكن أن يُعزز أهمية التوصل إلى اتفاق عادل ومستدام بين جميع الأطراف.

 

ما هي العقبة الرئيسية المتبقية في مفاوضات سد النهضة؟

القضية الأساسية هي استمرار رفض إثيوبيا تقديم ضمانات ملزمة قانونًا بشأن تصريف المياه من السد، وقد طالبت مصر والسودان مرارًا وتكرارًا باتفاق يُحدد الحد الأدنى السنوي لتدفقات المياه، لا سيما خلال فترات الجفاف، ومن شأن هذه الضمانات أن تُمكّن دول المصب من التخطيط بفعالية للزراعة والصناعة وإمدادات مياه الشرب وحماية البيئة والنمو السكاني.

 

وماذا عن اتفاقية المبادئ التي تم توقيعها في 2015؟

أخلت أثيوبيا بكل شروطها وحتى بند الوساطة أصبحت أثيوبيا رافضةً له تمامًا، رغم أن مصر لم تعارض وجود السد بحد ذاته، بل في غياب إطار تشغيلي ملزم.

وتكمن القضية الأساسية في ضمان تدفق مياه منتظم وموثوق به إلى المصب، إذ تحتاج مصر إلى آلية توفر اليقين بشأن توافر المياه في المستقبل، حتى يتسنى وضع خطط وطنية تستند إلى بيانات واضحة وموثوقة.

ما هي المخاطر طويلة الأجل المرتبطة بتوسعة سد النهضة الإثيوبية المخطط لها على النيل الأزرق؟

تقدم إثيوبيا على إنشاء نظام أوسع من السدود على النيل الأزرق لإدارة كميات الرواسب الكبيرة، التي تُقدر بأكثر من 136 مليون طن سنويًا، وقد تشمل هذه الخطط خزانات كبيرة متعددة بسعة تخزينية إجمالية تصل إلى حوالي 200 مليار متر مكعب. 

ويغير هذا بشكلٍ كبير ديناميكيات المياه الإقليمية، ويزيد الاعتماد على التحكم في المنبع، ويثير مخاوف مستقبلية بشأن الأمن المائي والتنافس على الموارد في حوض النيل.

 

لماذا تُعدّ ضمانات تدفق المياه بهذه الأهمية لمصر؟

تعتبر مصر من أكثر دول العالم اعتمادًا على مياه نهر النيل، فهو المصدر الرئيسي للمياه العذبة في البلاد، وبدونه ستُصبح موارد المياه الطبيعية المتاحة لإعالة سكان مصر وإنتاجها الزراعي وأنشطتها الاقتصادية محدودة للغاية، نظرًا لمساحتها الصحراوية الشاسعة، ولذلك، يرتبط الأمن المائي ارتباطًا وثيقًا بالأمن الغذائي والاستقرار الاقتصادي والتنمية الوطنية.

 

تُجادل إثيوبيا بأن السد ضروري للتنمية وتوليد الكهرباء. ما هو ردكم على ذلك؟

لطالما اعترفت مصر بحق إثيوبيا في التنمية وتوليد الكهرباء، ولم يكن الخلاف يومًا حول منع إثيوبيا من إنتاج الكهرباء، بل يكمن القلق في غياب التزامات مُلزمة بشأن كميات المياه المُصرّفة، كما يُمكن تحقيق أهداف التنمية، وضمان الأمن المائي في المصب إذا وُجد إطار عمل مُتفق عليه يُنظّم عمليات تشغيل السد.

ما هو ردكم على الاتهامات الموجهة إلى مصر بأنها تسعى لاحتكار مياه النيل؟

هذه الاتهامات غير دقيقة، مصر لا تسعى لاحتكار النيل، فتاريخيًا، ارتبطت حصص المياه بجغرافيا المصب والتدفق الطبيعي للنهر، ولطالما ركز موقف مصر على الحفاظ على تدفقات مائية كافية بدلًا من ادعاء ملكية النهر، وينبغي أن يتركز النقاش على الإدارة المستدامة والتعاون بين جميع دول حوض النيل.

 

ما هو مطلب مصر الرئيسي بشأن سد النهضة الإثيوبي الكبير؟

لا يكمن اهتمام مصر الأساسي في وجود السد بحد ذاته، بل في ضمان التزام ملزم بشأن حجم المياه المُصرّفة إلى المصب عبر النيل الأزرق، فبمجرد ضمان حد أدنى سنوي للتدفق، تستطيع مصر تخطيط احتياجاتها المائية الزراعية والصناعية والمنزلية وفقًا لذلك.

ويعد الرقم المحدد من اختصاص صانعي السياسات وسلطات المياه لتحديده بناءً على الاحتياجات الوطنية، لكن القضية الأساسية هي إمكانية التنبؤ والالتزام القانوني.

لطالما زعمت إثيوبيا أن مصر تسعى للحصول على حصة من النيل الأزرق، كيف ترد على ذلك؟

هذا الزعم مُضلل، فالنيل الأزرق ليس سوى رافد واحد من روافد نهر النيل، ولا تُحدد حصص المياه بناءً على كل رافد على حدة، بل على إجمالي تدفق النيل كنظام نهري متكامل. 

وركزت مصر باستمرار على الحفاظ على تدفقات مائية كافية تصل إلى دول المصب، بدلًا من المطالبة بملكية فرع محدد من النهر، والسؤال الذي لطالما طرحته مصر بسيط..  ما كمية المياه التي ستستمر في التدفق من النيل الأزرق بعد تشغيل السد؟ هذه المعلومة ضرورية للتخطيط طويل الأجل ولضمان الأمن المائي.

تؤكد إثيوبيا أن الهدف من السد هو توليد الكهرباء ودعم التنمية، فهل تعارض مصر هذا الهدف؟

صرحت مصر مرارًا وتكرارًا أنها لا تعارض حق إثيوبيا في التنمية أو توليد الكهرباء، وفي الواقع، طُرحت مقترحات تسمح لمصر والسودان بشراء الكهرباء المولدة من السد، المشكلة ليست في توليد الطاقة، بل في غياب اتفاقيات ملزمة تنظم تصريف المياه.

وإذا كان الهدف الحقيقي من السد هو إنتاج الطاقة الكهرومائية، فلا ينبغي أن يكون هناك أي اعتراض على وضع قواعد تشغيل واضحة تضمن تدفق المياه إلى المصب مع السماح لإثيوبيا بتوليد الكهرباء.

 

لماذا ظلت المفاوضات متعثرة لسنوات عديدة؟

يكمن التحدي الأساسي في تردد إثيوبيا في الالتزام بترتيبات ملزمة قانونًا بشأن تشغيل السد، لا سيما خلال فترات الجفاف والسنوات الجافة الممتدة، إذ سعت مصر والسودان إلى ضمانات تحمي أمنهما المائي، بينما إثيوبيا تجاهلت ذلك، وقد حال هذا الخلاف دون توصل المفاوضين إلى اتفاق نهائي شامل رغم سنوات من المفاوضات.

 

لقد دعوتم مرارًا وتكرارًا إلى تدويل قضية سد النهضة الإثيوبي الكبير. لماذا؟

لأكثر من ثلاث سنوات، دافعتُ عن ضرورة أن ترفع مصر هذه القضية إلى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، لأن بناء سد ضخم كهذا على نهر عابر للحدود له تداعيات تتجاوز النزاع الثنائي. 

في رأيي، يُمكن أن يُؤثر المشروع على الاستقرار الإقليمي والأمن المائي في شرق إفريقيا إذا استمر تنفيذه دون اتفاق مُلزم بين جميع الأطراف المعنية.

 

لماذا تعتقد أن المفاوضات مع إثيوبيا لم تُثمر نتائج؟

تكمن المشكلة في أن المفاوضات غالبًا ما تُصاحبها تأخيرات وتغييرات في المواقف، ففي كل مرة تبدو فيها المناقشات وكأنها تتقدم، تظهر قضايا إجرائية جديدة، ومن وجهة نظري، استخدمت إثيوبيا مفاوضات مطولة مع استمرار أعمال البناء في السد، ما يجعل من الصعب بشكل متزايد التوصل إلى اتفاق شامل قبل اكتمال المراحل الرئيسية للمشروع.

 

ما هي مخاوفكم بشأن عملية المراجعة الفنية؟

يعد من أبرز المخاوف الدور المحدود الموكل إلى الاستشاريين الدوليين، وكان من المتوقع أن تقوم مكاتب الاستشارات بمراجعة الدراسات التي قدمتها إثيوبيا بشأن الآثار البيئية والاجتماعية والاقتصادية والهيدرولوجية للسد، إلا أن هناك قيودًا على إجراء تقييمات مستقلة أو دراسة بعض الجوانب الفنية للمشروع بشكل مباشر، وقد أثار هذا الأمر تساؤلات حول إمكانية إجراء تقييم مستقل تمامًا.


تؤكد إثيوبيا أن السد مشروع وطني سيادي. ما هو ردكم؟

لكل دولة الحق في تنفيذ مشاريع تنموية، ولكن عندما يُبنى مشروع على نهر دولي مشترك، فقد تمتد آثاره إلى ما وراء الحدود الوطنية، وتتطلب الأنهار الدولية التعاون والتنسيق لأن القرارات المتخذة في أعالي النهر، قد تؤثر بشكل مباشر على دول المصب.

 

سبق أن أشرتم إلى شكوى إثيوبيا ضد مشروع السد العالي المصري. ما أهمية ذلك اليوم؟

يوضح هذا كيف أن المخاوف بشأن مشاريع النيل قائمة منذ عقود، فقد اعترضت إثيوبيا عندما شيدت مصر السد العالي رغم أن مصر تقع عند مصب النهر، واليوم، تبدي مصر مخاوفها بشأن مشروع يقع في أعلى النهر، قد يؤثر على تدفق المياه الواصلة إلى دول المصب، ويبقى المبدأ كما هو، المشاريع الكبرى على الأنهار الدولية تتطلب الشفافية والتعاون.

ما هي مخاوفكم بشأن التطورات المستقبلية على النيل الأزرق؟

تُجرى نقاشات منذ سنوات حول مشاريع إضافية للطاقة الكهرومائية والبنية التحتية للمياه على النيل الأزرق خارج نطاق سد النهضة، ويساورني القلق من أن القدرات التخزينية التراكمية من مشاريع متعددة، قد تؤثر بشكلٍ كبيرٍ على التدفق الطبيعي للنهر، وإذا لم تُدر من خلال اتفاقيات منسقة بين دول حوض النيل.

ما هو برأيك أفضل سبيل للمضي قدمًا؟

يكمن الحل في اتفاقية ملزمة قانونًا تضمن إطلاق كميات مياه يمكن التنبؤ بها، وتضع قواعد تشغيل واضحة، وتُنشئ آليات للتعاون خلال فترات الجفاف، ومن شأن هذه الاتفاقية أن تُسهم في بناء الثقة، وتخفيف حدة التوترات، وضمان تحقيق أهداف التنمية دون المساس بالأمن المائي لدول المصب.

Short Url

search