الجمعة، 19 يونيو 2026

11:03 م

القاهرة للدراسات: الإصدار الثاني من وثيقة سياسة ملكية الدولة يعمل على إدارة الأصول باحترافية

الجمعة، 19 يونيو 2026 07:40 م

 الدكتور عبدالمنعم السيد

الدكتور عبدالمنعم السيد

عزة الراوي

قال الدكتور عبدالمنعم السيد، مستشار مالي ومدير مركز القاهرة للدراسات الاقتصادية والاستراتيجية، حين أطلقت الحكومة المصرية الإصدار الأول من وثيقة سياسة ملكية الدولة في نهاية عام 2022، كان السؤال المحوري بسيطًا في ظاهره: “من أي القطاعات ستخرج الدولة”؟ وجاءت الإجابة خريطةً صنفت 62 نشاطًا للتخارج الكامل، و56 نشاطًا للتثبيت أو التخفيض، و76 للتثبيت أو الزيادة.

 

الإصدار الثاني من وثيقة سياسة ملكية الدولة

وأضاف، يعتبر الإصدار الثاني الذي أُطلق في يونيو 2026 تحت عنوان «تعميق الإصلاح وتعظيم الأثر»، فقد غيّر السؤال نفسه: لم يعد المطروح  من أين تنسحب الدولة، بل كيف تدير ما تملكه الدولة بكفاءة وعائد أعلى.

وأشار أن هذا يعد انتقالًا في فلسفة إدارة الاقتصاد المصري من منطق «التخلّص من الأصول» إلى منطق «الإدارة الاحترافية للأصول»، وهو في تقديري أكثر نضجًا وجدوى من سابقه.

وأكد السيد، في تصريحات لـ"إيجي إن" لاشك أن الإصدار الثاني من وثيقة سياسة ملكية الدولة أصبح ضرورة ، مشيرًا أنه لم تأتِ إعادة الصياغة من فراغ، بل استجابةً لثلاثة ضغوط متداخلة وهي بيئة خارجية مضطربة خلال الفترة من 2023–2025 جمعت بين رفع أسعار الفائدة عالميًا واختلال سلاسل الإمداد والتوترات الجيوسياسية.

واعترفت الحكومة بأن الظروف جعلت تنفيذ النسخة الأولى أصعب من طموحاتها وضغط داخلي تمثّل في مطالب الحوار الوطني بمراجعة منطق الخروج من بعض القطاعات؛ ونضوج الإطار القانوني بصدور القانون رقم 170 لسنة 2025 المنظّم لأحكام ملكية الدولة في الشركات المملوكة لها أو المساهِمة فيها.
 

وثيقة سياسة ملكية الدولة

 

معالجة الانتقادات بالإصدار الأول

أوضح مدير مركز القاهرة للدراسات، أن المحرّك الأقوى كان معالجة الانتقادات الجوهرية للإصدار الأول، والتي تمثلت في غياب مؤشرات أداء وتنفيذ ونتائج وأثر اقتصادي واضحة، وبطء التطبيق، والانزلاق نحو بيع الأصول بدل تعظيم قيمتها و عدم وجود أطروحات في البورصة المصرية رغم الإعلان عنها أكثر من مره.

وقال المحلل المالي، يتضح الخلل في الحصاد نفسه: فبالقياس الموسّع بلغت الطروح نحو 25 صفقة بقيمة 37  مليار دولار، لكن وفق منهجية صندوق النقد الدولي - التي تستبعد صفقات الاستثمار في الأراضي - تنكمش الحصيلة إلى نحو 5,9 مليارلات دولار من خلال  23 صفقة في عشرين شركة.

وتكشف هذه الفجوة أن معظم «الإنجاز» جاء من بيع أصول عقارية لمرة واحدة لا من تخارج حقيقي من النشاط الإنتاجي، أي أن النسخة الأولى حقّقت هدفًا تمويليًا عابرًا أكثر من هدف هيكلي دائم، وهو ما يسعى الإصدار الثاني إلى تصحيحه. 
 

الانتقال من إدارة الأصول إلى إدارة دور الدولة

وأشار الخبير الاقتصادي، إلى أن جوهر الإصدار الثاني للوثيقة، هو الانتقال من «إدارة الأصول» إلى «إدارة دور الدولة»، فلم تعد الوثيقة وثيقة انسحاب، بل إطارًا حاكمًا يعيد تعريف موقع الدولة، إذ خصص فيها قسم بعنوان «الدور الاقتصادي للدولة» تتحوّل فيه الدولة من فاعل يدير النشاط مباشرة، إلى منظّم محايد وضامن للحياد التنافسي ومالك استراتيجي وممكّن للقطاع الخاص في آن واحد.

ويعد ذلك فرقًا نوعيًا عن النسخة الأولى التي اختزلت الدور في معادلة ثنائية" إما البقاء وإما الخروج"، كما تقوم الفلسفة الجديدة للدولة على الإدارة الفاعلة لمحفظة الأصول، لا على التخلّص منها بأي ثمن، بهدف تحويل الأصول الجامدة وغير المستغَلّة وحتى الخاسرة إلى أصول تدرّ دخلًا وكيانات رابحة قبل أي قرار بشأن طرحها. 

وهنا تتبع الدولة سياسة أن الأصل الخاسر يُباع بأبخس قيمة، أما الأصل الذي تُرفع كفاءته أولًا فيتحوّل بيعه بتحويله إلى صفقة تعظّم المال العام وتجذب مستثمرًا استراتيجيًا. 

وأوضح السيد، يعزّز ذلك تطوّر في وحدة التحليل نفسها من القطاع إلى الأصل “فالقطاع الواحد يضمّ شركات متباينة، والتعامل مع كل شركة على حدة يمنح الدولة مرونة لتطوير شركة وإعادة هيكلة أخرى وطرح ثالثة والإبقاء على رابعة داخل القطاع نفسه، فتتحوّل السياسة من شعار عام إلى أداة قابلة للقياس ”.

 

تحديات الإصدار الأول

ويعتبر أكبر عقبة واجهت الإصدار الأول كانت في الحوكمة وفقًا والإصدار الثاني لوثيقة ملكية الدولة، تحديدًا تداخل الاختصاصات بين الجهات المالكة، ولذلك طوّر هيكل إدارة الملكية بما يعزّز مركزية إدارة الأصول وينظّم تبعية الشركات ويرفع كفاءة الإشراف الاستثماري.

وتم تأسيس ذراع احترافية لإدارة الأصول مع توزيعٍ واضحٍ للأدوار بين وزارة المالية، معبرةً عن مصلحة الخزانة والصندوق السيادي كأداة لتعظيم القيمة، ووحدة الشركات المملوكة للدولة جهة للإشراف.

ويقلل ذلك من التداخل الذي طالما عطل القرار وأضعف المساءلة، وهنا يجب الفصل الكامل بين دور الدولة كمنظم للسوق ودورها كمستثمر فيه، حتى لا ينشأ تضارب مصالح  يجعل ضمان الحياد التنافسي مستحيلًا، وتظلّ مبادئ تكافؤ الفرص حبرًا على ورق، وهذا الفصل هو حجر الزاوية في مصداقية الوثيقة أمام المستثمر.

وثيقة سياسة ملكية الدولة

 

الهيئات الاقتصادية والإصلاحات المالية

أكد السيد، أن من أهم إضافات الإصدار الثاني إدماجه إصلاح الهيئات الاقتصادية لأول مرة ضمن إطار سياسة ملكية الدولة، والتي تمثل جزءًا ضخمًا من النشاط الاقتصادي، وبعضها يحقق خسائر متراكمة، فاستهداف إعادة هيكلتها وتصنيفها يوسع نطاق الإصلاح إلى تكتلات ظلت خارج دائرة الضوء. 

كما خصصت الوثيقة أيضًا مساحة للإصلاحات المالية الداعمة لبيئة الأعمال من إصلاح ( ضريبي وجمركي وتحول رقمي وتبسيط للإجراءات) عبر منصة موحدة للكيانات الاقتصادية تجمع التراخيص في نافذة واحدة. 

وتعد هذه الإصلاحات هي المحدد الحقيقي لقدرة القطاع الخاص على ملء الفراغ، إذ إن التخارج بلا بيئة محفزة يعني نقل الاحتكار من يد الدولة إلى يد خاصة، لا قيام سوق تنافسي.

وأرسى الإصدار الثاني على نقيض الإصدار الأول الذي عابه غياب أدوات القياس، منظومة متكاملة للمتابعة وقياس الأثر تربط كل هدف بمؤشرات تنفيذ ونتائج قابلة للرصد، فتتحول الوثيقة من إعلان نوايا إلى إطار خاضع للمساءلة.
 

الأثر المتوقع وشروط النجاح

وأكد الدكتور عبد المنعم السيد، إذا نجح تنفيذ الإصدار الثاني من وثيقة الدولة بالشكل المخطط له، امتدّ الأثر إلى قلب المالية العامة حيث إن رفع كفاءة الشركات وإعادة هيكلة الخاسر منها يخفض أو يلغي الدعم الموجه إليها، ويخفض الاحتياجات التمويلية الحكومية، ومن ثمّ ينخفض الاقتراض الحكومي.

كما يدعم ذلك تحسين التصنيف الائتماني لمصر، لأن المؤسسات الدولية تنظر بإيجابية إلى وضوح دور الدولة ورفع كفاءة الأصول وتعزيز المنافسة، مشيرًا إلى أن مساهمة القطاع الخاص في الناتج المحلي بنسبة 65% والمستهدَف رفعها إلى 80% قبل 2030، يعد الاختبار الفعلي لانتقال ريادة الاستثمار - لا الناتج وحده - إلى القطاع الخاص ليقود النمو، فيما تحتفظ الدولة بالأنشطة الاستراتيجية والسيادية.

وشدد السيد، أن التحوّل الأهم أن مصر لم تعد تتحدّث عن «الخروج من الاقتصاد» بل عن «إعادة تعريف دورها فيه»: من دولة تدير النشاط مباشرة إلى دولة تدير أصولها بكفاءة وتفسح المجال للقطاع الخاص.

وتظل العبرة في التنفيذ فنجاح الوثيقة مرهون بسرعة الإنجاز، وبالانضباط المؤسسي الذي يمنع تحوّل «إدارة الدور» إلى ذريعة لإبطاء التخارج تحت شعار تعظيم العائد، وبالمتابعة عبر مؤشرات أثر صارمة، وبالفصل الكامل بين الدولة المنظِمة والدولة المستثمرة، فإن توافرت هذه الشروط أصبح الإصدار الثاني نقطة تحول فعلية في بنية الاقتصاد المصري.

اقرأ أيضًا:-

خبير أسواق المال لـ "إيجي إن": البورصة المصرية تتأهب لطفرة سعرية بدعم الطروحات الحكومية

تفتيش مفاجئ على مشروعات الطاقة الشمسية في سيناء ومنطقة السويس

Short Url

search