السبت، 13 يونيو 2026

08:30 م

محمد فؤاد يكتب: من الرؤية للسردية إلى الخطة.. وهل ما زالت البوصلة مفقودة؟

السبت، 13 يونيو 2026 05:49 م

النائب محمد فؤاد، عضو مجلس النواب

النائب محمد فؤاد، عضو مجلس النواب

قبل عام تقريبًا كتبت مقالًا بعنوان “بين الرؤية والسردية: من يعيد ضبط بوصلة التخطيط في مصر؟”. كان انشغالي وقتها منصبًا على العلاقة المربكة بين رؤية مصر 2030 والبرامج الحكومية المختلفة والسردية الوطنية التي كان يجري الإعداد لها آنذاك. بدا المشهد وكأن الدولة تمتلك أكثر من خريطة في الوقت نفسه، بينما لم يكن واضحًا أيها يمثل المرجعية الحقيقية التي تتحرك على أساسها السياسات العامة والاستثمارات الحكومية.

اليوم، وبعد مرور عام كامل، أجد أن المشكلة لم تعد كما كانت. فالسردية الوطنية صدرت بالفعل، والخطة متوسطة الأجل صدرت، وأصبحت لدينا وثائق أكثر نضجًا مما كان متاحًا قبل عام. لكن المفارقة أن السؤال القديم لم يختف، بل عاد في صورة مختلفة وأكثر عمقًا.

ولكي نكون منصفين، فإن السردية الوطنية لم تكن مجرد محاولة لإعادة تغليف الخطاب الاقتصادي بلغة جديدة، بل مثلت محاولة جادة للإجابة على سؤال كان غائبًا عن النقاش العام لسنوات طويلة: ما الذي يمنع الاقتصاد المصري من النمو بوتيرة أعلى وأكثر استدامة؟ وما هي القيود الهيكلية التي تحد من قدرته على خلق الوظائف ورفع الإنتاجية وتحسين مستويات المعيشة؟

الإصلاحات المطلوبة والنتائج المنتظرة

ولهذا لم تكتف السردية بعرض مجموعة من الأهداف، بل حاولت الربط بين الإصلاحات المطلوبة والنتائج المنتظرة منها. تحدثت عن التشغيل، ودور المرأة في سوق العمل، والصناعة والتكنولوجيا والطاقة النظيفة والسياحة والاقتصاد الرقمي، لكنها لم تتعامل معها باعتبارها أهدافًا منفصلة، بل باعتبارها أجزاء من قصة واحدة تحاول تفسير كيف يمكن للاقتصاد المصري أن ينتقل إلى مسار نمو مختلف.

كانت السردية في جوهرها محاولة للإجابة على سؤال “لماذا؟”. لماذا لا تنمو الصادرات بالوتيرة المطلوبة؟ ولماذا لا ترتفع الإنتاجية كما ينبغي؟ ولماذا لا تتولد فرص العمل الكافية؟ ولماذا لا تنعكس الاستثمارات الضخمة دائمًا على مستويات المعيشة بنفس القدر المتوقع؟

لكن ما حدث خلال العام الماضي أن هذا النوع من الأسئلة تراجع تدريجيًا من مركز النقاش العام، ليعود سؤال آخر أكثر حضورًا وتأثيرًا: كم مشروعًا نفذنا؟ وكم طريقًا أنشأنا؟ وكم مدينة افتتحنا؟ وكم استثمارًا ضُخ في الاقتصاد؟

لا أقول إن هذه الأسئلة غير مهمة، فالتنفيذ شرط أساسي لأي نجاح، لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول التنفيذ من وسيلة إلى غاية، وعندما يصبح عدد المشروعات مؤشرًا على النجاح بغض النظر عن موقعها داخل رؤية أشمل أو مساهمتها في معالجة القيود التي تعيق النمو.

فالسردية الوطنية كانت محاولة للإجابة على سؤال “ما هي القيود التي تمنع مصر من النمو؟”، بينما عاد الخطاب العام سريعًا إلى سؤال مختلف تمامًا: “كم مشروعًا نفذنا؟”. وبين السؤالين فرق كبير؛ فالأول يبحث في أسباب التعثر وحدود الإمكانيات وترتيب الأولويات، بينما يكتفي الثاني بقياس النشاط وحجم التنفيذ.

مراجعة خطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية الجديدة

والحقيقة أن مراجعة خطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية الجديدة تكشف مفارقة تستحق التأمل. فالكثير من الأفكار التي جاءت بها السردية الوطنية انتقلت بالفعل إلى الخطة. فالحديث عن زيادة مساهمة القطاع الخاص، وتحسين بيئة الأعمال، وتعزيز القطاعات القابلة للتداول والتصدير، وتطبيق معايير العائد والتكلفة على الاستثمارات العامة، والتحول نحو اقتصاد أكثر اعتمادًا على التكنولوجيا والطاقة النظيفة، كلها حاضرة بوضوح. بل إن العديد من المستهدفات الكمية التي وردت في السردية أصبحت جزءًا من الخطة الرسمية للدولة.

ومن هنا فإن المشكلة لم تعد غياب الأهداف أو المؤشرات. فالدولة اليوم تمتلك قدرًا من المستهدفات والخطط يفوق ما كان متاحًا قبل سنوات. لكن السؤال الحقيقي أصبح يتعلق بالعلاقة بين هذه الأهداف وبين أولويات الدولة الفعلية، وبقدرة منظومة التخطيط على تحويل المستهدفات إلى اختيارات واضحة وقابلة للقياس والمراجعة.

فالسردية كانت تبدأ من القيود ثم تنتقل إلى المستهدفات. أما الخطة فتبدأ من المستهدفات مباشرة. نعرف إلى أين نريد الوصول، لكننا لا نناقش بنفس القدر من الوضوح ما هي العقبات التي يجب إزالتها أولًا، وما هي الاختيارات الصعبة التي ينبغي اتخاذها إذا تعارضت الأهداف أو أصبحت الموارد أقل من الطموحات.

وهنا يبدأ معنى التخطيط الحقيقي. فالتخطيط ليس قائمة طويلة من الأهداف الجيدة، بل القدرة على ترتيب هذه الأهداف وتحديد ما يجب أن يأتي أولًا وما يمكن تأجيله، وما الذي يستحق الموارد المحدودة المتاحة للدولة في لحظة معينة.

وربما لهذا السبب أشعر أن النقاش العام أصبح أكثر اهتمامًا بالنتائج الظاهرة وأقل اهتمامًا بالأسباب العميقة. نتحدث كثيرًا عن معدلات النمو والاستثمارات والمشروعات، لكننا نتحدث بدرجة أقل عن جودة هذا النمو، وعن مدى قدرته على تحسين حياة المواطنين، وعن العلاقة بين الإنفاق العام والعائد الاقتصادي المتحقق منه. وإذا كانت السردية قد حاولت أن تشرح لنا لماذا نريد الوصول إلى أهداف معينة، وكانت الخطة قد حددت إلى أين نريد أن نصل، فإن الحلقة المفقودة تظل هي كيف نقيس التقدم، وكيف نصحح المسار، وكيف نعرف أن ما نفعله اليوم يقربنا فعلًا من تلك الأهداف.

المبادئ الأساسية

ولهذا أعتقد أن ما تحتاجه مصر في المرحلة المقبلة ليس وثيقة جديدة، وإنما استعادة بعض المبادئ الأساسية التي كانت في قلب أي عملية تخطيط ناجحة.

أول هذه المبادئ هو إعادة الاعتبار لمؤشرات جودة الحياة باعتبارها مؤشرات قيادة لا مجرد نتائج تابعة. فالنمو الاقتصادي والاستثمار والصادرات كلها وسائل وليست غايات في حد ذاتها. أما الغاية الحقيقية فهي تحسين حياة المواطنين. ولذلك يجب أن تستعيد مؤشرات مثل الفقر، وجودة التغذية، وتكافؤ الفرص، والحراك الاجتماعي، ومشاركة المرأة في النشاط الاقتصادي مكانتها في قلب عملية التخطيط والتقييم.

أما المبدأ الثاني فهو إعادة الاعتبار لفكرة المضاعف المالي للاستثمار الحكومي. فليس المهم فقط كم تنفق الدولة، بل ما الذي يولده هذا الإنفاق من قيمة مضافة وفرص عمل ونشاط اقتصادي واستثمارات خاصة. وإذا كانت الموارد محدودة، فإن السؤال الأهم لم يعد كم ننفق، بل ماذا يحقق هذا الإنفاق من أثر اقتصادي حقيقي.

أما المبدأ الثالث فهو المراجعة الدورية للمستهدفات نفسها. فالافتراضات التي تُبنى عليها الخطط تتغير باستمرار، والخطة الجيدة ليست تلك التي تظل ثابتة مهما تغيرت الظروف، وإنما تلك التي تمتلك القدرة على مراجعة نفسها واختبار فروضها وتصحيح مسارها عندما تقتضي الحاجة.

المشكلة الأساسية في مصر

في النهاية لا أعتقد أن المشكلة الأساسية في مصر هي غياب الرؤية أو غياب الخطة أو حتى غياب المستهدفات. لدينا اليوم من الوثائق والخطط والمؤشرات ما يكفي. لكن ما نحتاجه أكثر من أي وقت مضى هو إعادة بناء الصلة بين التشخيص والأهداف والنتائج، وإعادة الاعتبار لفكرة التخطيط باعتبارها عملية مستمرة من الاختيار والقياس والمراجعة والتصحيح.

لأن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي دولة ليس أن تخطئ الطريق، بل أن تنشغل بالحركة إلى درجة تتوقف معها عن سؤال نفسها إن كانت لا تزال تسير في الاتجاه الصحيح.

Short Url

search