الإثنين، 08 يونيو 2026

02:54 ص

شرق الإسكندرية وأبو قير الجديدة.. حين تصنع البنية التحتية اقتصادًا جديدًا

الأحد، 07 يونيو 2026 11:28 م

نوران الرجال الباحثة اللوجستية وعضو لجنة النقل البحري في الجمعية العمومية للنقل

نوران الرجال الباحثة اللوجستية وعضو لجنة النقل البحري في الجمعية العمومية للنقل

بقلم نوران الرجال

في الاقتصاد الحديث، لا تُقاس قيمة المشروعات الكبرى بحجم ما يُنفق عليها فقط، بل بما تستطيع أن تخلقه من فرص وثروات وتحولات طويلة المدى، ومن هذا المنظور، يبدو مشروع تطوير شرق الإسكندرية وأبو قير الجديدة أكثر من مجرد مشروع عمراني أو حزمة من الطرق والكباري ومحطات المرافق؛ إنه محاولة جادة لإعادة رسم الخريطة الاقتصادية لثاني أكبر مدينة في مصر، وإعادة توجيه بوصلة النمو نحو شرق المتوسط.

لعقود طويلة ظلت الإسكندرية تعاني مفارقة لافتة؛ فهي تمتلك موقعًا جغرافيًا استثنائيًا وموانئ استراتيجية وتاريخًا اقتصاديًا عريقًا، لكنها في الوقت نفسه واجهت تحديات التكدس العمراني وضغوط البنية الأساسية وتراجع القدرة على استيعاب موجات استثمارية جديدة، واليوم يبدو أن الدولة تراهن على شرق المدينة ليكون نقطة الانطلاق نحو مرحلة مختلفة.

ما يلفت الانتباه في مشروع أبو قير الجديدة ليس حجم الطرق أو محطات الكهرباء والمياه فحسب، بل فلسفة المشروع نفسها، فالدولة لا تبني بنية تحتية لخدمة سكان منطقة قائمة فقط، وإنما تؤسس لمركز اقتصادي جديد قادر على جذب الاستثمارات قبل وصولها، وهى معادلة أثبتت نجاحها في العديد من التجارب العالمية، المستثمر بطبيعته يبحث عن الأرض المجهزة، والربط اللوجستي الفعال، وتوافر الطاقة والمرافق، وهى عناصر يجري توفيرها مسبقًا في هذا المشروع.

ومن المتوقع أن يكون القطاع العقاري أول المستفيدين من هذه التحولات، فالتاريخ الاقتصادي يخبرنا أن كل محور نقل جديد أو شبكة مرافق متكاملة تعني إعادة تقييم فورية للأصول المحيطة بها، الأراضي التي كانت تُصنف قبل سنوات باعتبارها مناطق هامشية أو منخفضة الكثافة تتحول تدريجيًا إلى أصول استثمارية ذات قيمة مرتفعة، ومع خصوصية الموقع الساحلي لشرق الإسكندرية، فإن احتمالات ارتفاع الطلب العقاري تبدو أكبر من المتوسط المعتاد في المدن الجديدة.

لكن القراءة الأهم للمشروع لا تتعلق بالعقارات وحدها، فالميناء الجديد في أبو قير قد يكون العنصر الأكثر تأثيرًا على المدى البعيد، فالموانئ ليست مجرد أرصفة لاستقبال السفن، بل مراكز لتوليد النشاط الاقتصادي وسلاسل الإمداد والخدمات اللوجستية والصناعات المرتبطة بالتجارة، وكلما زادت كفاءة الميناء وقدرته على الربط بين الأسواق، ارتفعت جاذبية المنطقة المحيطة للاستثمار الصناعي والتجاري.

ومن هنا يمكن النظر إلى المشروع باعتباره جزءًا من تحول أوسع في الفكر التنموي المصري، يقوم على خلق أقطاب اقتصادية جديدة بدلاً من الاعتماد على المراكز التقليدية وحدها، فكما شهدت القاهرة توسعًا شرقًا مع المدن الجديدة والعاصمة الإدارية، تبدو الإسكندرية الآن أمام فرصة لإعادة توزيع النمو العمراني والاقتصادي نحو الشرق، بما يخفف الضغوط عن المناطق القديمة ويخلق مساحات جديدة للاستثمار والعمل والسكن.

ورغم التفاؤل المشروع بالمردود الاقتصادي المتوقع، فإن النجاح الحقيقي لن يُقاس فقط بإنجاز البنية التحتية، بل بقدرة المنطقة على جذب استثمارات إنتاجية مستدامة تخلق قيمة مضافة وفرص عمل حقيقية. فالتحدي الأكبر بعد بناء الطرق والمرافق هو بناء النشاط الاقتصادي القادر على استغلال هذه الإمكانات وتحويلها إلى نمو ملموس يشعر به المواطن والمستثمر على حد سواء.

في النهاية، يبدو مشروع تطوير شرق الإسكندرية وأبو قير الجديدة خطوة تتجاوز حدود التنمية المحلية إلى إعادة صياغة دور الإسكندرية في الاقتصاد المصري، وإذا نجحت الرؤية المخططة له، فقد لا نتحدث بعد سنوات عن مجرد منطقة جديدة على ساحل البحر المتوسط، بل عن مركز اقتصادي ولوجستي متكامل يمثل أحد أهم محركات النمو والاستثمار في مصر خلال العقود المقبلة.

Short Url

search