السبت، 18 يوليو 2026

05:29 م

الدكتور محمد عسكر يكتب: الجمهور العزيز.. نحيطكم علما بوجود خلاف جديد

الأحد، 31 مايو 2026 04:36 م

الدكتور محمد عسكر

الدكتور محمد عسكر

الدكتور محمد عسكر

في تطور حضاري غير مسبوق، لم تعد الخلافات الزوجية والعائلية والصداقة حبيسة الجدران الأربعة أو جلسات المصارحة التقليدية، بل انتقلت بكل أناقتها إلى منصات التواصل الاجتماعي، حيث أصبح من حق الجمهور الكريم الاطلاع على آخر المستجدات أولًا بأول، ومتابعة تطورات الأحداث لحظة بلحظة، وكأن الأمر يتعلق ببيان رسمي أو مؤتمر صحفي عاجل.

فقد أصبح من المألوف أن تفتح هاتفك صباحًا لتجد منشورًا يقول: «هناك أشخاص لا يستحقون المعروف»، دون أي تفاصيل إضافية، لكن لا تقلق، فالجمهور المخضرم لا يحتاج إلى تفاصيل، خلال دقائق ستبدأ عمليات التحليل والاستنتاج، وسيظهر خبراء العلاقات الإنسانية من كل حدب وصوب لفك شفرات الرسالة ومعرفة الشخص المقصود، حتى لو كان صاحب المنشور نفسه لم يحسم الأمر بعد.

ولأن العدالة الرقمية تقتضي منح جميع الأطراف حق الرد، فإن الطرف الآخر لا يتأخر كثيرًا، وبعد فترة وجيزة يظهر منشور جديد يتحدث عن الخذلان ونكران الجميل وقلة الأصل، وربما يتزين بصورة لبحر هائج أو شارع مظلم أو فنجان قهوة وحيد يجسد عمق المعاناة الإنسانية، وهنا يدرك المتابعون أن القضية دخلت مرحلة التصعيد، وأن الحلقات القادمة ستكون أكثر إثارة.

ومن الإنصاف القول إن السوشيال ميديا قدمت خدمات جليلة للبشرية في هذا المجال، فقد وفرت على الناس عناء الجلوس مع بعضهم البعض لحل المشكلات، لماذا الحوار المباشر إذا كان بالإمكان كتابة منشور غامض يقرأه ألف شخص ويحتار فيه ألف آخر؟ ولماذا المواجهة الصريحة إذا كان التلميح يؤدي الغرض ويمنح صاحبه فرصة الإنكار لاحقًا؟

أما الجمهور، فقد تحول من مجرد متابع إلى شريك أساسي في صناعة الحدث، هناك من يتولى مهمة الدعم المعنوي، وهناك من يتخصص في جمع الأدلة من المنشورات القديمة، وهناك من يطالب بذكر الأسماء صراحة حفاظًا على الشفافية والمصداقية، وبعضهم يكتفي بالمشاهدة وانتظار الحلقة المقبلة، شأنه شأن متابعي المسلسلات الرمضانية.

الأغرب من ذلك أن جميع الأطراف يعلنون في النهاية أنهم لا يقصدون أحدًا بعينه، فالمنشور الذي جاء بعد مشادة مباشرة، والتعليق الذي نُشر بعد مكالمة غاضبة، والصورة التي أُرفقت بعد خلاف عائلي، كلها ليست سوى «خواطر عامة» و«تأملات إنسانية» لا علاقة لها بأي شخص حي أو ميت أو قيد الخلاف.

ولعل أكثر ما يثير الدهشة أن هذه المعارك الرقمية نادرًا ما تحل مشكلة حقيقية، فلا الصداقة تعود بمنشور، ولا الثقة تُرمم بتعليق، ولا العلاقات الأسرية تُبنى بعدد الإعجابات، لكن يبدو أن بعض الناس اكتشفوا متعة جديدة تتمثل في كسب التعاطف العام قبل محاولة كسب الطرف الآخر.

ولو تخيلنا المشهد من الخارج لوجدناه غريبًا إلى حد بعيد، شخص غاضب من زوجته فيُحدث ألف متابع، وصديق مستاء من صديقه فيوجه رسالته إلى جمهور لا يعرف القصة، وقريب مختلف مع أقاربه فيقرر أن يجعل العالم كله شاهدًا على النزاع، وكأن البشرية توصلت إلى قناعة مفادها أن أفضل طريقة لحل الخلافات الخاصة هي إعلانها على الملأ.

وربما آن الأوان لإحياء بعض العادات القديمة التي كانت تبدو مملة وغير عصرية، مثل الحوار المباشر، والمصارحة، والاحتفاظ ببعض التفاصيل داخل حدودها الطبيعية، فليس كل خلاف يحتاج إلى جمهور، وليس كل غضب يحتاج إلى منشور، وليس كل عتاب يستحق أن يتحول إلى قضية رأي عام.

وحتى يحدث ذلك، سيظل كثير من المتابعين يفتحون هواتفهم كل صباح على أمل العثور على منشور جديد يحمل العبارة المعتادة: «لن أتحدث، لكن الأيام كفيلة بكشف الحقائق»، وعندها فقط يدرك الجميع أن موسمًا جديدًا من الدراما الرقمية قد بدأ، وأن الجمهور العزيز مدعو مرة أخرى لمتابعة تفاصيل خلاف جديد.

Short Url

search