-
«الضبعة للبترول» توفر مليون دولار عبر تكنولوجيا جديدة في خفض زمن الحفر
-
طرح سندات خزانة جديدة بعائد ثابت ومتغير.. والبنك المركزي يوضح التفاصيل
-
أباطرة صناعة دواء السرطان يواجهون تحديات السوق بـ400 مليار دولار.. من المتحكم؟
-
1.8 مليون طن تمور في مصر.. المرازيق قرية المليون نخلة تنتج التمر وتعيد تدوير الجريد
نوران الرجال تكتب: عندما تتصالح الحكومة مع الشعب
الخميس، 21 مايو 2026 08:20 م
الباحثة نوران الرجال
في السياسة والاقتصاد، ليست المشكلة دائمًا في الأزمات نفسها، بل في طريقة الاعتراف بها.
ولسنوات طويلة، اعتادت الحكومات في المنطقة العربية تقديم صورة مثالية عن الواقع، حتى عندما كانت المؤشرات تقول العكس، لذلك، فإن اللحظة التي تعترف فيها الدولة بحقيقة التحديات التي تواجهها، تصبح لحظة فارقة، ليس لأنها تعني النجاح الفوري، ولكن لأنها تمثل بداية مصالحة مع الواقع.
في مصر اليوم، يبدو أن هذه المصالحة بدأت تتشكل تدريجيًا، فعندما يخرج مسؤول اقتصادي بحجم نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية، الدكتور حسين عيسى، ليقيّم مناخ الاستثمار في مصر بـ “4 من 10”، فالمسألة تتجاوز مجرد رقم.
إنه اعتراف رسمي بأن الاقتصاد المصري لا يزال يواجه تحديات هيكلية عميقة، وأن الطريق نحو بيئة استثمار مستقرة وجاذبة لم يعد يمكن تجميله بالشعارات أو الأرقام المجتزأة.

هذا النوع من الصراحة نادر سياسيا، لكنه مهم اقتصاديًا، لأن المستثمر، سواء كان محليًا أو أجنبيا، لا يبحث عن اقتصاد “مثالي”، بل يبحث عن دولة ترى مشاكلها بوضوح وتملك الشجاعة لمعالجتها.
ولعل الأهم من التقييم نفسه، هو ما كشفه من إدراك داخلي لحجم الأزمة، خصوصًا في ملف الدين العام، الذي أصبح يمثل أحد أكبر الضغوط على الاقتصاد المصري.
فالدولة لم تعد تتحدث فقط عن الاقتراض باعتباره الحل التقليدي، بل بدأت تتجه نحو أدوات مختلفة لإدارة الأزمة، مثل التوسع في الطروحات الحكومية، ومحاولة جذب استثمارات مباشرة، وإعادة ترتيب أولويات الإنفاق.
لكن المشهد لا يزال معقدًا، فهناك رؤية واضحة تحاول “الإمساك بالعصا من المنتصف”؛ بين الحفاظ على الاستقرار الاجتماعي، وبين تنفيذ إصلاحات اقتصادية صعبة.
قرار تثبيت أسعار المحروقات حتى نهاية السنة المالية يحمل رسالة تهدئة للمواطن والسوق معًا، خاصة في ظل الضغوط التضخمية المستمرة.
وفي الوقت نفسه، فإن الحديث عن التحول التدريجي إلى الدعم النقدي بدلًا من الدعم التقليدي، يعكس اتجاهًا نحو إعادة هيكلة فلسفة الدعم بالكامل، وهي خطوة طالما اعتبرها خبراء الاقتصاد ضرورية، لكنها شديدة الحساسية اجتماعيًا.
أما خطة طرح 10 شركات حكومية قبل نهاية العام، فهي محاولة لإعادة تنشيط دور القطاع الخاص، وإرسال رسالة للخارج بأن الدولة مستعدة لفتح مساحات أكبر للشراكة الاقتصادية.
ورغم ذلك، يبقى التناقض حاضرًا بوضوح، فبينما تتحدث الحكومة عن طموح الوصول بمناخ الاستثمار إلى تقييم 9 من 10، لا تزال التحديات اليومية تضغط بقوة متمثلة في سعر صرف متقلب، تكلفة تمويل مرتفعة، ديون متراكمة، وتباطؤ في بعض القطاعات الإنتاجية.
المشكلة الحقيقية ليست في غياب الرؤية فقط، بل في سرعة التنفيذ مقارنة بسرعة التحديات، فالاقتصاد لا ينتظر كثيرًا، والأسواق تتحرك أسرع من الخطط طويلة الأجل.
وفي وسط هذا المشهد، جاءت تصريحات الرئيس عبد الفتاح السيسي حول صعوبة تحقيق الاكتفاء الذاتي، لتضيف بعدًا أكثر واقعية للنقاش الاقتصادي.
حين قال الرئيس بصراحة: “أنا مش هعرف أعمل اكتفاء ذاتي”، بدا التصريح للبعض صادمًا، لكنه في الحقيقة كان من أكثر التصريحات واقعية خلال السنوات الأخيرة.
لأن فكرة الاكتفاء الذاتي الكامل في دولة بحجم مصر، ذات موارد مائية محدودة، ونمو سكاني متسارع، ليست مسألة إرادة سياسية فقط، بل معادلة معقدة تحكمها الموارد والإنتاجية والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد العالمية.
ورغم المشروعات الزراعية العملاقة في الدلتا الجديدة وغيرها، تظل مصر مرتبطة بالاستيراد في عدد من السلع الاستراتيجية، خصوصًا القمح والذرة وفول الصويان كما أن التحديات المتعلقة بالمياه والطاقة وارتفاع تكلفة الإنتاج الزراعي تجعل تحقيق الاكتفاء الكامل هدفًا بالغ الصعوبة.
لكن أهمية تصريح الرئيس لا تكمن في نفي القدرة على الاكتفاء الذاتي، بل في الاعتراف بحدود الإمكانيات الحالية، فالاعتراف بالحدود ليس ضعفًا سياسيًا، بل بداية لتخطيط أكثر عقلانية.
الدول القوية ليست تلك التي تدّعي القدرة على كل شيء، بل تلك التي تعرف جيدًا ما تستطيع فعله، وما تحتاج فيه إلى شراكات وتطوير واستراتيجيات طويلة المدى.
ومن هنا، تبدو مصر اليوم أمام لحظة مختلفة، لحظة انتقال تدريجي من خطاب الطموحات المطلقة، إلى خطاب الإدارة الواقعية للأزمات.
قد لا يكون ذلك كافيًا لتحقيق طفرة سريعة، لكنه على الأقل يخلق مساحة جديدة من الثقة، لأن الشعوب، مثل الأسواق، تتصالح مع الحكومات عندما تشعر أن الحقيقة تُقال كما هي، دون مبالغة أو إنكار.
وفي النهاية، يبقى السؤال الأهم.. هل تنجح هذه المصارحة الاقتصادية في تحويل الإصلاحات إلى نتائج ملموسة فعلًا؟ أم أن الأرقام ستظل أسرع من التنفيذ، والطموحات أكبر من قدرة الواقع على اللحاق بها؟
الإجابة لن تحددها التصريحات وحدها، بل ما ستكشفه السنوات القادمة من قدرة حقيقية على تحويل الاعتراف بالمشكلة إلى بداية حقيقية للحل.
Short Url
من العداد العشوائي إلى "السكني".. لماذا يتحمل المواطن عبء التنسيق بين الجهات الحكومية؟
18 يوليو 2026 09:06 م
الدكتور محمد عسكر يكتب: مهارات المستقبل.. كيف يستعد الشباب لسوق العمل في العصر الرقمي؟
15 يوليو 2026 11:46 ص
أكثر الكلمات انتشاراً