تقليص الضمانات الحكومية، خطوة لضبط الدين أم إعادة توزيع للمخاطر؟
الثلاثاء، 05 مايو 2026 04:06 م
الاقتصاد
تعد الضمانات الحكومية في الموازنة العامة أحد الملفات الاقتصادية التي تثير جدلاً متكرراً حول طبيعة تأثيرها على مؤشرات الدين والاستقرار المالي، خاصة مع الاتجاه الأخير للحكومة نحو خفض سقفها في الموازنة الجديدة 2026/2027 من نحو 740 مليار جنيه إلى ما يقارب 540 مليار جنيه، لدعم مسار الدين الهبوطي ووصول دين أجهزة الموازنة إلى 78.1% من الناتج المحلي الإجمالي.
وفي هذا السياق، قال هاني أبو الفتوح، الخبير الاقتصادي، إن الحديث حول خفض سقف الضمانات الحكومية من 740 إلى 560 مليار جنيه لا يتعلق فقط بوضع سقف جديد، وإنما يعكس حجم المخاطر التي لا تزال تتحرك خلف الأرقام الرسمية، مشيرًا إلى أن هذه الخطوة تمثل – رغم طابعها الفني – اعترافًا متأخرًا بأن الدين المستتر أصبح يزاحم الدين المباشر في تهديد الاستقرار المالي.
خفض سقف الضمانات الحكومية استجابة لضغوط صندوق النقد
وأضاف "أبو الفتوح" خلال تصريحات خاصة لموقع "إيجي إن"، أن هذه الخطوة تأتي استجابة لضغوط صندوق النقد الدولي، الذي ينظر إلى الضمانات الحكومية باعتبارها “ثقبًا أسود” يبتلع جهود الإصلاح، موضحًا أن هناك مفارقة بين تراجع عجز الموازنة إلى 5.2% واستمرار ارتفاع ضغوط مقايضة مخاطر الائتمان (CDS) عند مستويات 370 نقطة أساس، وهو ما يعكس – بحسب قوله – حالة من الشك لدى المستثمرين تجاه الالتزامات غير الظاهرة.
وأوضح الخبير الاقتصادي، أن المستثمر الدولي لا يعتمد فقط على أرقام الموازنة المعلنة، بل يضع في اعتباره أيضًا الضمانات الممنوحة للهيئات الاقتصادية والشركات المملوكة للدولة باعتبارها دينًا معلقًا.
وأشار إلى أن تقليص الضمانات قد ينعكس بشكل غير مباشر على المواطنين، إذ ستضطر بعض الهيئات الاقتصادية وشركات القطاع العام إلى البحث عن تمويل ذاتي أو الاقتراض بضمان ملاءتها المالية، ما قد يدفعها إلى رفع كفاءة التشغيل أو – في المقابل – رفع أسعار الخدمات، لينتهي الأمر بتحمل المواطن جزءًا من تكلفة الانضباط المالي.

خفض سقف الضمانات الحكومية سلاح ذو حدين
وأكد الخبير أن تقييد الضمانات يمثل سلاحًا ذا حدين، فمن جهة يحد من نمو الدين العام المستهدف خفضه إلى نحو 70% من الناتج المحلي، لكنه من جهة أخرى قد يضع ضغوطًا على استثمارات كبرى تعتمد على الضمانات السيادية للدولة.
وتساءل أبو الفتوح عما إذا كان ما يحدث يمثل تحسنًا حقيقيًا في إدارة الدين، أم مجرد إعادة توزيع للمخاطر من وزارة المالية إلى الهيئات الاقتصادية، مشيرًا إلى أن الحمل في النهاية يظل على كاهل الدولة بشكل أو بآخر.
وحذر من أن هذا التقليص قد يتحول إلى إجراء شكلي إذا لم يصاحبه إصلاح هيكلي حقيقي للهيئات الاقتصادية، موضحًا أن الضمانات تمثل دينًا مستترًا، وأن أي تعثر في شركات كبرى قد يضع الدولة أمام مسؤوليات غير مباشرة رغم خفض السقف المعلن.
وأكد على أن خفض سقف الضمانات خطوة في الاتجاه الصحيح من منظور المؤسسات الدولية، لكنها تضع الهيئات الاقتصادية أمام اختبار صعب يتعلق بالقدرة على الاستمرار دون دعم سيادي، مع تساؤل مفتوح حول ما إذا كان المواطن سيتحمل في النهاية تكلفة هذا التحول عبر ارتفاع أسعار الخدمات.
محاولة تحسين مؤشرات المالية العامة أمام المؤسسات الدولية
ومن جانبه قال أحمد خطاب، الخبير الاقتصادي وعضو مجلس الأعمال المصري الكندي، إن قرار الحكومة بخفض سقف الضمانات الحكومية في الموازنة الجديدة، يأتي في إطار محاولة تحسين مؤشرات المالية العامة أمام المؤسسات الدولية، وعلى رأسها صندوق النقد الدولي، وليس بالضرورة انعكاسًا لتغير حقيقي في حجم الدين أو الالتزامات الفعلية للدولة.
وأوضح الخبير الاقتصادي خلال تصريحات خاصة لموقع "إيجي إن"، أن الحكومة في كثير من الأحيان تتخذ قرارات تستهدف تحسين الشكل العام للأرقام في التقارير المالية، بما ينعكس على تقييم المؤسسات الدولية ويعزز من صورة الاستقرار الاقتصادي وجاذبية الاستثمار في مصر.

الدين قائم بغض النظر عن طريقة عرضه في الموازنة
وأضاف أن الهدف المعلن من هذا التوجه يرتبط بخفض نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي لتصل إلى نحو 78%، إلا أن طريقة العرض المحاسبي للالتزامات قد تتغير دون أن يتغير جوهر الدين نفسه، مشيرًا إلى أن الدين والالتزامات المالية تظل قائمة بغض النظر عن طريقة تصنيفها أو عرضها في الموازنة.
وأشار إلى أن إعادة تصنيف بعض الالتزامات أو الضمانات قد يؤدي إلى تحسين شكل المؤشرات المالية، حيث يمكن عرض بعض الالتزامات بشكل مختلف، مثل تحويلها إلى التزامات على هيئات اقتصادية أو تصنيفها بطرق محاسبية مختلفة، وهو ما قد يعطي انطباعًا أفضل في التقارير الرسمية دون تغيير فعلي في الواقع المالي.
وأكد الخبير أن هذه التعديلات يكون لها هدف أساسي يتمثل في الاستجابة لملاحظات المؤسسات الدولية وتحسين ترتيب الدولة في المؤشرات المالية والائتمانية، بما قد يساهم في جذب مزيد من الاستثمارات الأجنبية المباشرة.
وفي المقابل، شدد على أن قدرة الدولة على تنفيذ مشروعات جديدة أو جذب استثمارات لا ترتبط فقط بهذه المؤشرات، بل تعتمد بشكل أكبر على الإرادة السياسية واتجاهات الإدارة الاقتصادية، موضحًا أن هناك تباينًا بين السياسات الاقتصادية بحسب توجهات القيادة وصناعة القرار.
وأشار إلى أن بعض النماذج القيادية قد تتبنى سياسات توسعية أو جريئة في الإنفاق والمشروعات حتى مع وجود ضغوط مالية، بينما تفضل إدارات أخرى التركيز على الاستقرار الرقمي وتقليل المخاطر الظاهرة في المؤشرات.
وأكد أن خفض سقف الضمانات لن يكون له تأثير على المواطن، لكنه قد ينعكس بصورة أكبر على تقييم المؤسسات الدولية للاقتصاد المصري، وبالتالي على تصنيف الجدارة الائتمانية وجذب الاستثمارات الخارجية في المرحلة المقبلة.
سقف الضمانات الحكومية.. تحسن حقيقي للدين أم إجراء شكلي؟
وفي ذات السياق، قال محمود نجلة، الخبير الاقتصادي، إن خفض سقف الضمانات الحكومية يعكس تحسنًا حقيقيًا في إدارة الدين، وليس مجرد إجراء شكلي، موضحًا أن تقليل سقف الضمانات يعني أن الدولة أصبحت أكثر حذرًا في منح تعهدات مالية جديدة، وتسعى لتقليل المخاطر المستقبلية بدلاً من ترحيلها، بما يعكس توجهًا واضحًا نحو الانضباط المالي.
وأضاف "نجلة" خلال تصريحات خاصة لموقع "إيجي إن"، أن الضمانات الحكومية تمثل في جوهرها دينًا غير مباشر أو “مستترًا”، لأنها لا تظهر فورًا في الموازنة، لكنها قد تتحول إلى دين فعلي في حال تعثر الجهات المستفيدة في السداد، وهو ما يدفع المؤسسات الدولية للتعامل معها بنفس درجة أهمية الدين المباشر، باعتبارها مخاطر مؤجلة وليست معدومة.
وأوضح "نجلة" أن هذه الضمانات يمكن أن تتحول بالفعل إلى عبء على الموازنة، خاصة إذا واجهت المشروعات أو الجهات المضمونة صعوبات مالية، لكنه أشار إلى أن أغلب هذه الضمانات ترتبط بمشروعات كبرى أو جهات حكومية، ما يجعل المخاطر قائمة لكنها قابلة للإدارة، لافتًا إلى أن خفض السقف الحالي يستهدف تقليل احتمالات تحقق هذا السيناريو مستقبلًا.
وأشار إلى أن ما يحدث لا يقتصر فقط على خفض المخاطر، بل يتضمن أيضًا إعادة توزيعها بشكل أكثر تنظيمًا، بحيث تتحمل كل جهة مسؤولية تمويلها بدرجة أكبر، بدلًا من الاعتماد الكامل على ضمانة الدولة، بالتوازي مع فرض ضوابط أقوى على الاقتراض داخل الهيئات الاقتصادية والشركات المملوكة للدولة.

تأثير القرار على المشروعات الكبرى
أوضح أن تقليص الضمانات على المشروعات قد يقلل نسبيًا من المرونة على المدى القصير، خاصة أن بعض المستثمرين يفضلون وجود ضمان حكومي، مؤكداً أن هذا التوجه يحمل آثارًا إيجابية على المدى المتوسط، إذ يسهم في تعزيز الجدوى الاقتصادية للمشروعات، وجذب مستثمرين أكثر جدية، فضلًا عن تحسين صورة الاقتصاد من حيث الانضباط المالي، بما يعني رفع جودة الاستثمارات حتى لو تراجع حجمها نسبيًا.
وأكد أن هذه الخطوة تتماشى بشكل واضح مع توصيات صندوق النقد الدولي، الذي يركز على تقليل المخاطر غير الظاهرة في الموازنة، وتعزيز الشفافية، وتحسين إدارة الدين بشكل شامل، مشيرًا إلى أنها تمثل جزءًا من تنفيذ برنامج الإصلاح الاقتصادي، وفي الوقت نفسه تخدم مصلحة الاقتصاد المصري على المدى الطويل، وليس فقط استجابة لمتطلبات الصندوق.
استمرار الدولة في تبني سياسة خفض الدين
وفي ذات السياق، قالت حنان رمسيس، خبيرة أسواق المال، إن ملف الضمانات الحكومية يرتبط بشكل مباشر بالمشروعات التي يتم إسنادها سواء بالأمر المباشر أو من خلال المناقصات التي تطرحها الدولة.
وأضافت “رمسيس” خلال تصريحات خاصة لموقع "إيجي إن"، أن خفض سقف تلك الضمانات يعني إتاحة فرصة أكبر لمشاركة القطاع الخاص في تنفيذ هذه المشروعات، بما يمثل دعماً واضحاً لدوره، كما يعكس استمرار الدولة في تبني سياسة خفض الدين، ومحاولتها الاعتماد بشكل أكبر على الموارد الداخلية بدلاً من التوسع في الاستدانة.
زيادة معدلات السداد مقابل تقليل الاعتماد على الاقتراض
وأشارت إلى أن الدولة تسعى إلى خفض الدينين الداخلي والخارجي من خلال زيادة معدلات السداد مقابل تقليل الاعتماد على الاقتراض، لافتة إلى أن تقليص سقف الضمانات من 740 مليار جنيه إلى 560 مليار جنيه يعد مؤشراً واضحاً على رغبة الدولة في خفض الدين الداخلي، وهو ما ينعكس بدوره على تقليل عجز الموازنة، وزيادة الفائض الأولي للموازنة العامة.
وأوضحت أن هذا التوجه يتماشى مع رؤية الدولة للتحول من الاعتماد على الاستدانة إلى الاعتماد على الإنتاج والموارد الذاتية، مؤكدة أن الضمانات الحكومية كانت تمثل عبئاً على الموازنة العامة، وهو ما دفع الدولة إلى العمل على تقنينها وخفضها.
كما لفتت إلى أن الدولة تتجه للتعامل مع الوحدات الحكومية باعتبارها كيانات مستقلة لها إيراداتها الخاصة، وبالتالي تتحمل التزاماتها، وتكون مطالبة بسدادها في التوقيتات المحددة، إلى جانب العمل على ترشيد استدانة هذه المؤسسات، خاصة في ما يتعلق باستخدامها لموارد ومرافق الدولة.
وأشارت إلى أن توجه الدولة لتحويل القطاع الحكومي إلى قطاع منتج يحقق عائداً، يتيح إمكانية اقتطاع جزء من هذا العائد لصالح الدولة، بما يسهم في خفض معدلات الضمانات.
وأكدت أن الدولة تعمل كذلك على تقليل المخاطر المرتبطة بتوزيع الضمانات، والبحث عن جهات أخرى للمشاركة في تنفيذ المشروعات، مع المضي قدماً في تنفيذ وثيقة ملكية الدولة، والتعامل مع الكيانات التابعة لها على أنها كيانات مستقلة مالياً قادرة على سداد مديونياتها.

خطط استباقية للتعامل مع الأزمات
وأضافت أن هذه السياسات تأتي في ظل الأزمات الجيوسياسية المتكررة، وتقلبات أسعار السلع الأساسية عالمياً، وتذبذب أسعار النفط، وهو ما يدفع الدولة إلى تبني خطط استباقية للتعامل مع الأزمات، بهدف الحد من ارتفاع معدلات المديونية الخارجية.
وأشارت إلى وجود ملاحظات وتعليقات من بعض الجهات والدول المانحة بشأن قدرة الدولة على السداد في حال استمرار الاعتماد على الاستدانة بنفس الوتيرة، وهو ما يعزز من أهمية هذا التوجه.
واستبعدت أن يؤدي ذلك إلى تقليص قدرة الدولة على دعم المشروعات، موضحة أن هناك نماذج متزايدة للتعاون بين الدولة والقطاع الخاص في تنفيذ المشروعات الكبرى، إلى جانب دخول مستثمرين استراتيجيين في عدد من القطاعات، سواء في البنية التحتية أو الإسكان أو استيراد السلع الأساسية.
وأكدت أن الدولة تسعى إلى إتاحة الفرصة بشكل أكبر أمام المستثمرين، سواء المحليين أو الأجانب، بما يدعم جهود خفض الدين وتعزيز النمو.
وأشارت إلى أن الإجراءات التي تتخذها الدولة حالياً تأتي في إطار خطة متكاملة لخفض الدين الخارجي، والاستجابة لملاحظات صندوق النقد الدولي، الذي أوصى بطرح المزيد من الاستثمارات الحكومية أمام القطاع الخاص والمستثمرين الدوليين، إلى جانب المضي قدماً في تنفيذ وثيقة ملكية الدولة، وتفعيل برنامج الطروحات الحكومية، بما يسهم في خفض عجز الموازنة وتعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص لدعم الاقتصاد ورفع معدلات النمو.
اقرأ أيضًا:
محمد فؤاد: الضمانات الحكومية كأداة تمويل تخلق التزامات غير مرئية
محمد فؤاد يتقدم بطلب إحاطة بشأن مخاطر الضمانات الحكومية: “دين غير ظاهر يهدد الاستدامة المالية”
Short Url
آي صاغة: الذهب يتراجع 45 جنيها في أسبوع وعيار 21 يسجل 5810 جنيهات
18 يوليو 2026 04:03 م
خبير أسواق ذهب: أسعار المعدن الأصفر لن تستقر حتى منتصف أغسطس
18 يوليو 2026 02:24 م
جولد بيليون: إغلاق الذهب فوق 4 آلاف دولار يحد من فرص الهبوط
18 يوليو 2026 12:30 م
أكثر الكلمات انتشاراً