محمد فؤاد يكتب: السوق العادل ليس صدفة، لماذا يهمنا قانون المنافسة؟
الخميس، 16 أبريل 2026 12:35 م
الدكتور محمد فؤاد عضو مجلس النواب
الدكتور محمد فؤاد
حين نتحدث عن قانون المنافسة، قد يظنه البعض تشريعا يخص الشركات أو خبراء الاقتصاد، غير أنه في الحقيقة يمس حياة كل مواطن بشكل مباشر، فهو يحدد لماذا ترتفع الأسعار أو تنخفض، ولماذا تتحسن الخدمة أو تظل كما هى، ولماذا نجد بدائل في السوق أو نُجبر على خيار واحد.
ببساطة، هو القانون الذي يضمن أن السوق يعمل لصالح الناس - المستهلك - ويضمن لهم أسعار تنافسية وبدائل لأي منتج أو سلعة أو خدمة إلى جانب تحفيز الشركات على تطوير منتجاتها وخدماتها بشكل مستمر، بدلًا من ترك السوق رهينة لمصالح رجال الأعمال وأصحاب الشركات والتي قد تقتصر على تعظيم الأرباح.
فالسوق بطبيعته لا يميل إلى التوازن، بل إلى التركز، إذ مع الوقت، تكبر بعض الكيانات وتختفي أخرى، وإذا لم يكن هناك إطار واضح يكفل التنافسية تكافؤ الفرص، يتحول هذا التركز تدريجيا إلى احتكار، يتحول بدوره إلى عبء مباشر على المواطن.
هنا يأتي دور قانون المنافسة، ليس لمنع النجاح، بل لمنع أن يتحول إلى وسيلة لإقصاء الآخرين، أو فرض واقع يُجبر المستهلك على سلعة بعينها دون بدائل حقيقية، بحيث يصبح المنتِج قادرًا على تحديد السعر وفق ما يحقق له أقصى عائد، دون خشية من تراجع الطلب، كما قد تتراجع الجودة إلى الحد الأدنى الذي يضمن استمرار الربحية، لا إلى المستوى الذي يلبي تطلعات المستهلك.
فلسفة الردع في القانون
خلال مناقشات تعديلات قانون حماية المنافسة داخل لجنة الشئون الاقتصادية سواء قي مجلس الشيوخ أو النواب، كان هناك جهد واضح في تحسين عدد من النصوص، خاصة فيما يتعلق بتحديد مفاهيم الاحتكار وإساءة استخدام الوضع المسيطر، كما جاءت بعض الآليات متسقة مع المعايير الحديثة في تنظيم الأسواق، وهذه نقطة إيجابية يجب الإشارة إليها، لأن بناء إطار قانوني منضبط هو خطوة ضرورية في الاتجاه الصحيح.
لكن، ورغم هذا التقدم، فإن النقاش كشف عن مسألة جوهرية لا يمكن تجاهلها، وهي فلسفة الردع في القانون، وتحديدًا في ما يتعلق بالجزاءات أو العقوبات، خاصة وأن القانون الاقتصادي، في جوهره، لا يُقاس بصرامة نصوصه، بل بقدرته على تغيير السلوك. وبالطبع إذا لم يشعر المخالف بأن تكلفة المخالفة مؤلمة، فلن يتوقف عنها، وهذه ليست مسألة رأي، بل قاعدة اقتصادية بسيطة: إذا كان العائد من المخالفة أكبر من تكلفتها، فإن المخالفة ستستمر. وهنا تحديدًا يبرز القلق من الاتجاه نحو تخفيف الغرامات في عدد من مواد المشروع مقارنة بما ورد في مشروع الحكومة، لأن الغرامة في مثل هذا القانون ليست مجرد عقوبة، بل هي أداة لضبط الحافز الاقتصادي، والرسالة التي يبعث بها القانون للسوق: إما أن تلتزم بالقواعد، أو تدفع ثمنًا حقيقيًا.
حين تُخفض هذه الغرامات بشكل كبير، تتغير هذه الرسالة، فلا تعود المخالفة خطرًا يجب تجنبه، بل تصبح خيارًا يمكن حسابه وتحمله بسهولة، خاصة وأن الشركة الكبرى لن تتوقف لتسأل: “هل هذا مخالف؟” بل ستسأل: “كم سيكلفني ذلك؟ وهل ما سأربحه أكبر؟”، وفي هذه اللحظة، يتحول القانون دون قصد من أداة ردع إلى بند في الميزانية.
بماذا تخبرنا التجارب الدولية؟
وهذا الطرح ليس نظريًا فقط، بل دفع معظم الأنظمة الاقتصادية حول العالم إلى التشدد في فلسفة الردع، مثلا في الاتحاد الأوروبي، تُربط الغرامات بنسبة من إجمالي إيرادات الشركة عالميًا، وليس فقط داخل السوق محل المخالفة، بحيث يكون أثرها حقيقيًا مهما كان حجم الكيان.
كذلك الولايات المتحدة، لا تتوقف العقوبات عند الغرامات المالية، بل قد تمتد إلى المسؤولية الجنائية في بعض الحالات، بما يضع تكلفة شخصية ومؤسسية على المخالفة.
الفكرة في هذه النماذج وغيرها ليست العقاب لذاته، بل التأكد من أن أي سلوك احتكاري يصبح خيارًا خاسرًا اقتصاديًا قبل أن يكون مخالفًا قانونيًا.
وبالطبع هذه التجارب لا تسعى إلى تقييد السوق، بل إلى حمايته، لأن السوق الذي لا يُردع فيه المخالف، يتحول تدريجيًا إلى سوق مغلق، حتى لو بدا مفتوحًا على الورق، ولذلك فإن قوة القانون لا تُقاس بمرونته فقط، بل بقدرته على فرض تكلفة حقيقية على من يخرج عن قواعده.
قانون يخدم السوق والمواطن
أعلم أن المواطن هنا لا يرى نصوص القانون أو يظن أنها معركة لا تخصه، لكنه لا محال سوف يشعر بنتيجة ما يُسن حاليا في كل فاتورة يدفعها، وفي كل مرة يجد فيها بدائل لسلع زادت أسعارها عليه، أو قلت قيمتها عن المستوى الذي يلبي احتياجاته.. أو العكس.
فبينما ينشغل المجال العام بمفردات مثل “جشع التجار” و”التسعيرة الجبرية”، تغيب الحقيقة الأساسية: المشكلة في الاحتكار لا في الأعراض. فطالما بقيت السوق تحت سيطرة قلة تتحكم في الأسعار، فلن تُجدي أي إجراءات جزئية أو حملات مؤقتة. الحل الحقيقي هو كسر الاحتكارات القائمة، ومنع نشوء احتكارات جديدة بقانون واضح ورادع. وغير ذلك، سنظل ندور في حلقة مفرغة… ويظل المواطن هو من يتحمل الكلفة.
كما أن الطرح القائل بأن تخفيف الغرامات قد يكون وسيلة لتشجيع الاستثمار، يحتاج إلى مراجعة؛ لأن الاستثمار الحقيقي لا يبحث عن سوق بلا قواعد، بل عن سوق يمكن التنبؤ به، وتُطبق فيه القواعد على الجميع، أما السوق الذي تُخفض فيه تكلفة المخالفة، فهو لا يجذب الاستثمار بقدر ما يجذب من يستطيع تحقيق أرباح سريعة على حساب المنافسة.
ما يقلقني في الصورة الحالية ليس فقط حجم الغرامة، بل الاتجاه العام، فحين يرفع المشرع حدود التركز من ناحية وهو ما يخرج شركات كثرة من إطار التطبيق، ويتم تخفيض تكلفة المخالفة من ناحية أخرى، فإننا نبتعد تدريجيًا عن فلسفة الردع، ونقترب من نموذج يسمح بزيادة التركز في السوق دون تكلفة حقيقية. وهذا قطعا لا يؤثر على الشركات فقط، بل سوف ينعكس مباشرة على المواطن في صورة أسعار أعلى، وخيارات أقل، وسوق أقل كفاءة، والأمثلة على ذلك لا تعدى ولا تحصى ويمكن بسهولة توقعها في أي مجال.
القانون في النهاية ليس مجموعة نصوص، بل منظومة حوافز، إما أن تدفع الشركات إلى الالتزام، أو تسمح لها بإدارة المخالفة حال كونها أقل تكلفها عليها، والفرق بين الاثنين يظهر في حياة الناس، لا في صفحات الجريدة الرسمية، ومع اقتراب العرض أمام الجلسة العامة بمجلس النواب، يستلزم الامر ضرورة توافر قدر أعلى من النقاش في هذه التفصيلة الجوهرية، بالتوازي مع دور أكثر فاعلية من الرأي العام، فالنقاش الدائر لا يقتصر على كونه إجراءً تشريعيًا، بل يتجاوز ذلك إلى سؤال جوهري يتعلق بطبيعة الدور المنتظر من القانون، هل نكتفي بنص ينظم السوق شكليًا، أم نتجه إلى تشريع قادر على حمايته فعليًا وضمان أثره الإيجابي على المستهلك؟.
فالسوق العادل لا يحدث بالصدفة، بل يُبنى بقواعد واضحة، والأهم من ذلك، أن تكون تلك القواعد ملزمة لها ثمن حقيقي لمن يخالفها، وفي النهاية، تبقى الحقيقة الأهم: حين تصبح الغرامة أرخص من الاحتكار، يصبح الاحتكار هو القرار الطبيعي.
اقرأ أيضًا:
محمد فؤاد يكتب: الحل إيه؟ هذه رسالة مسجلة
Short Url
الدكتور محمد عسكر يكتب: مهارات المستقبل.. كيف يستعد الشباب لسوق العمل في العصر الرقمي؟
15 يوليو 2026 11:46 ص
نوران الرجال تكتب: «TIR».. بوابة مصر للاندماج في الممرات التجارية الممتدة إلى آسيا
14 يوليو 2026 12:25 م
أكثر الكلمات انتشاراً