السبت، 18 يوليو 2026

04:51 م

محمد فؤاد يكتب: الحل إيه؟ هذه رسالة مسجلة

الجمعة، 10 أبريل 2026 11:14 ص

الدكتور محمد فؤاد عضو مجلس النواب

الدكتور محمد فؤاد عضو مجلس النواب

المتابع لطبيعة النقاش العام، لا سيما في شقه الاقتصادي خلال المرحلة الراهنة، يلحظ بوضوح تصاعد التساؤلات حول "الحل إيه؟.. ما هو المسار الواجب تبنيه للخروج من أزمة ممتدة لسنوات، لم تُفلح معها الخطط المتعاقبة، حتى باتت التصريحات عن قرب انتهائها مادة للتهكم في كثير من الأحيان.

غير أن جوهر الإشكالية لا يكمن في غياب الإجابة بقدر ما يتمثل في طبيعة البحث عنها؛ إذ نسعى إلى إجابة سهلة لسؤال بالغ التعقيد، ونميل إلى اختزال أزمة مركبة في إجراء منفرد أو فكرة خارج الصندوق أو مبادرة محدودة، بينما تعكس الوقائع خللًا هيكليًا أعمق في نمط إدارة الاقتصاد ذاته.

وقبل النفاذ إلى جوهر القضية، يصبح من الضروري تنقية ساحة النقاش العام من بعض الطروحات التي تستهلكه دون أن تضيف إليه قيمة حقيقية، ولست هنا بصدد التوقف أمام المقترح الذي طُرح مؤخرًا بشأن مساهمات مجتمعية واسعة لسداد الدين الخارجي، إذ إنه لا يرقى في الأساس إلى مستوى النقاش، ليس انتقاصًا من أحد، وإنما لكونه ينتمي إلى ذات المدرسة التي سبق أن طرحت أفكار «المقايضة الكبرى».

ففي المحصلة، لا يتجاوز هذا الطرح -وما سبقه- كونه مجرد «فنكوش» موجه للاستهلاك الشعبي، ويُستدعى لاحتواء القلق العام لا لمعالجة جذور الأزمة، والأخطر أن التعامل مع هذه الأفكار باعتبارها بدائل مطروحة يعكس ميلًا للهروب من جوهر النقاش، إذ لا تكمن الأزمة في تدبير موارد استثنائية، سواء عبر مقايضات كبرى أو صغرى، بقدر ما تتجلى في غياب نموذج اقتصادي قادر على توليد موارده بصورة مستدامة.

وهنا نصل إلى لبّ الأزمة؛ فالمعضلة في الحالة المصرية لا تتجسد في ندرة مطلقة للموارد، بقدر ما تعكس ضعفًا هيكليًا في آليات تعبئتها وتوظيفها، فالفجوة بين الإمكانات المتاحة والنتائج المتحققة تظل المؤشر الأوضح على الخلل القائم؛ إذ تمتلك الدولة سوقًا واسعًا، وموقعًا جغرافيًا استثنائيًا، وكتلة بشرية ضخمة، ومع ذلك لا يترجم هذا الثقل إلى قاعدة إنتاجية متماسكة أو قدرة تصديرية متنامية.

كما أن الاقتصاد لا ينجح في تحويل ما يملكه من مقومات إلى قيمة مضافة كافية، ولا في تحويل هذه القيمة إلى تدفقات مستقرة ومستدامة، بل يظل معتمدًا بدرجة كبيرة على مصادر خارجية بطبيعتها متقلبة، وهذا النمط من الاعتماد يعكس خللًا عميقًا في تعبئة الموارد، ويُبقي الاقتصاد في حالة احتياج دائم إلى دعم خارجي، مهما أظهرت بعض المؤشرات تحسنًا ظرفيًا في فترات محدودة. ومن هنا يقع النموذج الاقتصادي كله فريسة سهلة أمام الصدمات الخارجية.

ولا يمكن فهم هذا الضعف دون التوقف عند طبيعة دور الدولة داخل النشاط الاقتصادي؛ إذ تجاوزت بصمتها حدود التنظيم لتصبح لاعبًا رئيسيًا في السوق بل لاعبا مهيمنا في قطاعات معينة، بما يخلق تداخلًا واضحًا في الأدوار ويزيد من درجة عدم اليقين.

فعندما تجمع الدولة بين صفتي المنظم والمنافس، تتآكل شفافية قواعد السوق، ويتراجع الحافز الحقيقي أمام الاستثمار الخاص، لا سيما في القطاعات الإنتاجية التي تتطلب وضوحًا واستقرارًا على المدى الطويل.

ولا يقف أثر هذا التداخل عند حدود مزاحمة القطاع الخاص، بل يمتد إلى سوء تخصيص الموارد، حيث لا تُوجَّه الاستثمارات دائمًا وفق معايير الكفاءة الاقتصادية، وإنما تحكمها اعتبارات أخرى، وهو ما ينعكس في نهاية المطاف على الإنتاجية والتنافسية..

ويتجسد هذا الخلل بوضوح أيضا في ملف الطاقة، الذي أصبح نموذجًا مكثفًا لكيفية إدارة الأزمات بدلًا من حلها، رغم أن الطاقة ليست قطاعًا هامشيًا، بل هي العمود الفقري لأي اقتصاد إنتاجي، ومع ذلك نرى كيف تُدار الأزمة فيها عبر إجراءات مؤقتة وخطاب إعلامي يوحي بأن الأمور تحت السيطرة، بينما الواقع يعكس ضغوطًا متزايدة على الإمدادات والتكلفة والقدرة الإنتاجية.

وبدلًا من مواجهة الأسئلة الصعبة المتعلقة بالإنتاج والتعاقدات والتسعير وكفاءة التشغيل، يتم الاكتفاء بإدارة المشهد، وهو ما لا يحل المشكلة بل يؤجلها، ويؤخر التحرك لمواجهتها بما يزيد تكلفتها مع الوقت.

وإذا كان هذا هو واقع تعبئة الموارد وإدارة القطاعات الحيوية، فإن المشكلة الأكبر تكمن في غياب التخطيط كمنهج حقيقي لإدارة الاقتصاد، خاصة وأننا لا نفتقر إلى الخطط كوثائق، بل نفتقر إلى الالتزام بها كمسار.

فهناك وفرة في الاستراتيجيات والخطط، لكن ندرة في التنفيذ، وكأن كل مرحلة تبدأ من الصفر دون مراجعة لما سبق أو مساءلة عن نتائجه، ومن ذلك ظاهرة الاستراتيجيات القطاعية التي تُعلن ثم تُنسى، في ظل غياب أي ربط مؤسسي أو تقييم جاد لما تم طرحه من قبل.

وسط هذا المشهد، ظهرت السردية الوطنية للتنمية الاقتصادية كمحاولة لإعادة تنظيم الإطار العام، وهي في تقديري وثيقة جيدة جدًا من حيث الفكرة، بل تمثل أحد أفضل ما طُرح مؤخرًا على مستوى صياغة رؤية اقتصادية متماسكة.

وهذا التقييم لم يكن محليًا فقط، بل تناوله صندوق النقد الدولي، الذي أشار بوضوح إلى أن السردية تمثل خطوة إيجابية مهمة نحو إصلاح هيكلي يستهدف تحسين بيئة الأعمال وتقليل دور الدولة وتعزيز القطاع الخاص، لكن في الوقت نفسه، كان تقييم الصندوق حاسمًا في نقطة جوهرية، وهي أن أثر هذه السردية سيظل محدودًا وربما مؤقتًا إذا لم تُترجم إلى إصلاحات أعمق، خاصة فيما يتعلق بتقليص بصمة الدولة وتنفيذ السياسات بشكل فعلي.

وهنا يبرز السؤال الذي لا يمكن تجاهله: أين هذه السردية الآن؟.. الواقع يشير إلى اختفائها، حيث عادت الأمور إلى نفس النمط المعتاد: طرح، إعلان، ثم انتقال إلى فكرة جديدة دون استكمال السابقة أو توضيح ما تم فيها، ليأتي وزير جديد يعلن عن استراتيجية جديدة، بينما استراتيجيات سابقة لم تُقرأ ولم تُنفذ رغم وجاهة الطرح بل وجاهة فكرة أن يكون لدينا خطة كنوع من التغيير!

المشكلة إذن ليست في غياب الرؤية، بل في غياب الالتزام، لأن هذا الالتزام يعني الدخول في إطار واضح من التخطيط والتنفيذ والمتابعة والمحاسبة، وهو إطار يفرض قيودًا ويكشف قصورًا ويحمّل مسؤوليات، وهو ما يتم تجنبه، لذلك يتكرر دائمًا الحديث عن حلول “خارج الصندوق”، بينما المشكلة الحقيقية أننا لم ندخل الصندوق أصلًا، أي منظومة الإدارة الرشيدة التي تقوم على الخطة والانضباط والقياس والمساءلة.

وفي المحصلة، لا يمكن التعامل مع سؤال “الحل إيه؟” بوصفه لغز بلا إجابة؛ فالإجابة معروفة، لكنها ليست مريحة، لأنها تتطلب مواجهة حقيقية لجذور الأزمة، لا الاكتفاء بإدارتها، وتتطلب انتقالًا من الخطاب إلى الفعل، ومن الإعلان إلى التنفيذ، ومن غياب المحاسبة إلى تفعيلها.. غير ذلك، سيبقى الاقتصاد أسير حلقة مفرغة، تتكرر فيها الأسئلة ذاتها، وتُعاد إنتاج الإجابات المؤقتة نفسها، دون أن يطرأ تغير جوهري على الواقع.

ختامًا، لا يستهدف هذا الطرح إلقاء اللوم أو تصفية الحسابات، بقدر ما يسعى إلى ترسيخ حقيقة أساسية مفادها أن غياب الخطة الواضحة، ومؤشرات الأداء القابلة للقياس، يخلق حالة تبدو فيها الحركة قائمة، بينما تغيب النتائج الفعلية، وفي ظل هذا الفراغ، تتوالى الأزمات لتُتخذ ذرائع جاهزة، وتتعاقب «الشماعات» التي تُستدعى لتبرير التعثر، فيما تُستنزف طاقة المجتمع بين وعود متكررة وتصريحات لا تترجم إلى منجز ملموس.

وربما تكمن الرسالة الأكثر وضوحًا، وإن بدت قاسية، في أننا لا نعاني من فقر في الأفكار أو ندرة في الرؤى، بل من عجز في الجدية والالتزام، إذ يبدو، ببساطة، أننا لا نريد أن نُلزم أنفسنا بما نطرحه، ولا أن نُخضعه للمحاسبة، وكأننا ارتضينا أن يكون «الكلام» هو المنتج الرئيسي، بينما تظل النتائج مؤجلة إلى أجل غير معلوم.

Short Url

search