محمد فؤاد يكتب: بين المزايدة والتطبيل.. قراءة في كلفة الحرب على مصر
الأحد، 05 أبريل 2026 07:14 م
الدكتور محمد فؤاد- عضو مجلس النواب
تابعت خلال الساعات الماضية تفاعلات واسعة مع مداخلتي مع الإعلامي عمرو أديب في برنامجه «الحكاية» بشأن تقدير تكلفة الحرب في المنطقة على الاقتصاد المصري، والتي قُدّرت - وفق افتراضات تجميعية - بنحو 365 مليار جنيه سنويًا، غير أن اللافت لم يكن في تداول الرقم ذاته أو حتى في قيمة الخسارة اليومية، بقدر ما كان في طبيعة الاستقبال، حيث بدا الطرح وكأنه قوبل بحساسية واضحة، على اعتبار أن أي حديث عن “تكلفة” يُترجم تلقائيًا إلى عبء مباشر سيتحمله المواطن، أو كأنني أوجه نحو ذلك.
وهذا الشعور مفهوم ومشروع، فالناس لا تتعامل مع الأرقام كتحليل مجرد، بل كإشارة مباشرة لما قد ينعكس على معيشتها، لكن في المقابل، هناك لحظات يصبح فيها إعمال العقل ضرورة، لأن تجاهل الأرقام لا يلغيها، بل يتركها تعمل في الظل دون إدارة أو تنبؤ بالنتيجة بأدوات ودلائل.
الأرقام ليست رأيًا… بل أداة للفهم
فحين يُطرح رقم مثل 365 مليار جنيه، فهو لا يعبر عن موقف سياسي، ولا محاولة للتبرير أو نكران لمسئولية، بل عن اجتهاد بتجميع لعناصر قابلة للقياس، مثل تكلفة الطاقة، وأثر الضغط على سعر الصرف، وكذا الزيادة في خدمة الدين، وأيضا ارتفاع تكلفة التمويل.. بالطبع قد نختلف على دقة الرقم أو منهجية حسابه، لكن لا يمكن إنكار مكوناته.
والمشكلة أن النقاش العام لا يتوقف عند تقييم الرقم أو يطرح بديل له، بل ينتقل سريعًا إلى تقييم نية من يطرحه، وهنا يتحول الاقتصاد من علم يعتمد على القياس إلى ساحة ظنون، ويضيع الهدف الأساسي وهو الفهم والتحليل، ويستهلك هذا النقاش في مسارات تشتت ولا تضيف قيمة حقيقية.

بين توصيف الواقع ومحاسبة المسار
اللافت في التفاعلات هو الخلط بين مستويين مختلفين، الأول توصيف ما يحدث الآن، والثاني تفسير كيف وصلنا إلى هذا المشهد، فالأول ينصرف إلى قراءة الواقع كما هو، أما الثاني فيتعلق بمراجعة مسار طويل من السياسات التي أفضت إلى اقتصاد هش، سريع التأثر بالصدمات الخارجية، دون أن ينجح عبر عقود في بناء قاعدة صلبة تحميه.
أما مسار الوصول إلى هذه النقطة، فهو نقاش أكثر عمقًا وتعقيدًا، وقد تناولته بشكل موسع في كتاب «اقتصاد الطائرة الورقية»، وخلاصته أننا أمام مسار تراكمي تشكل عبر التوسع في الاقتراض دون نمو موازٍ في الإيرادات الحقيقية، واتساع دور الدولة بما تجاوز قدرتها على تحقيق الكفاءة الاقتصادية، إلى جانب التراجع الشديد في أداء قطاعات حيوية كان يُفترض أن تمثل ركيزة قوة، وفي مقدمتها قطاع الطاقة.
وهذه العوامل ليست منفصلة، بل حلقات في سلسلة واحدة، وهو ما يجعل الأزمة الحالية أقرب إلى كونها كاشفة لما سبق، لا منشئة له، رغم أنه يستغل الظرف الراهن كغيره كشماعة جديدة لتبرير هذا الأثر.
غير أن إدراك ذلك لا يعني أن يتحول النقاش إلى لوم دائم، ولا أن يتحول في المقابل إلى دفاع أعمى، فما يضعف النقاش ليس الاختلاف، بل اختزاله بين مسارين أحدهما يكتفي بإلقاء اللوم وآخر يبرر أي إجراء قائم، وبين الاثنين تختفي المساحة الأه وهي التفكير في البدائل.
هذا الاختزال يدفع غالبا إلى حلول سهلة التنفيذ، محدودة الأثر، وأحيانًا رمزية أكثر منها اقتصادية، تعطي إحساسًا بالحركة دون أن تمس جوهر المشكلة، ليظل النقاش يدور في حلقة مغلقة بين القبول والرفض، دون تقييم حقيقي.
إدارة الأزمات، في جوهرها، لا تقوم على طرح حل وحيد باعتباره المسار الإجباري، بل تبدأ بتفكيك المشكلة ذاتها، تحديد حجمها بدقة، وقياس عناصرها القابلة للرصد، وتحديد مواضع الضغط فيها، ثم الانتقال إلى المرحلة الأهم، وهي طرح بدائل حقيقية، لكل منها كلفة وعائد، بحيث يتحول النقاش إلى عملية مفاضلة واعية بين خيارات متعددة، لا إلى التسليم بخيار واحد، فالحرفة هنا لا تكمن في ادعاء امتلاك الحل، بل في القدرة على بناء إطار يسمح باتخاذ قرار رشيد بين بدائل جميعها صعبة، وإن اختلفت درجاتها.
المسؤولية بين قول الحقيقة وترتيب الأولويات
هناك فرق واضح بين محاولة رصد الأزمة بدقة، وبين التطبيل أو التبخيس، وهذا الفرق اسمه ببساطة المسؤولية، وهي في حالتنا ليست في أن تقول ما يُرضي، ولا في أن تكتفي بالنقد، بل في أن تدرك ماذا يُقال ومتى، وكيف.
يمكن تشبيه الأمر بمريض سقط أرضًا وهو ينزف، ففي هذه اللحظة، ليس من المسؤولية أن نقف فوقه ونُذكّره بأخطائه السابقة، أو نشرح له كيف كان يمكن تجنب ما حدث، مع أن ذلك قد يكون هذا صحيحًا، لكنه في غير موضعه، لكن الواجب هنا أن تحاول إيقاف النزيف أولًا، أن تفكر في إنقاذ الموقف، حتى وإن كنت ترى أن ما حدث كان يمكن تفاديه من الأساس.
وهذا بالطبع لا يعني تجاهل الأسباب، بل يعني ترتيبها زمنيًا، إنقاذ أولًا، ثم مراجعة، ثم توجيه للصحيح، والأصعب في هذا كله هو القدرة على موازنة خيارات كلها صعبة، واختيار الأقل ضررًا في لحظة لا تحتمل ترف الجدل النظري.
الحساسية مفهومة… لكن لا يجب أن تُعطل الحساب
أدرك أنه من الطبيعي أن يشعر الناس بالقلق من أي حديث عن التكاليف، وأن يُفسَّر أي رقم باعتباره عبئًا قادمًا، فهذا شعور إنساني يجب تفهمه، لكن في المقابل، لا يمكن أن يتحول هذا القلق إلى رفض لفكرة التقدير نفسها، لأن غيابها لا يعني غياب التكلفة، بل يعني فقط فقدان القدرة على إدارتها.
فالاقتصاد لا يعمل بما نحب أن نسمعه، بل بما يمكن قياسه والتعامل معه وهو علم ينطلق من فكرة الموارد المحدودة بالأساس.. وبين المزايدة التي ترفض كل شيء، والتطبيل الذي يقبل أي شيء، هناك طريق ثالث هو طريق الفهم.
نعم هناك أزمة وبالفعل لها التكلفة وأيا كانت فهي ليست رقمًا للتخويف، ولا أداة للتبرير، بل محاولة لرؤية الصورة كما هي، والتعامل مع هذه الصورة يبدأ بالاعتراف بها، ثم تحليلها، ثم البحث عن أفضل البدائل الممكنة للتعامل معها حاليا.
وفي هذا الترتيب تحديدًا يتحدد الفارق بين نقاش يدور في حلقة مغلقة، وآخر يفتح الطريق أمام قرار رشيد، لكن الحقيقة التي لا يمكن القفز عليها أن جميع الخيارات المتاحة مرّة، بدرجات متفاوتة، ولا مفر من الاختيار بينها، و القول بغير ذلك هو مواربة لا يتحملها الظرف. فمن خاف الملامة في الحق، لم يقضِ للحق حقًا.
Short Url
الدكتور محمد عسكر يكتب: مهارات المستقبل.. كيف يستعد الشباب لسوق العمل في العصر الرقمي؟
15 يوليو 2026 11:46 ص
نوران الرجال تكتب: «TIR».. بوابة مصر للاندماج في الممرات التجارية الممتدة إلى آسيا
14 يوليو 2026 12:25 م
أكثر الكلمات انتشاراً