الخميس، 04 يونيو 2026

12:12 م

الاقتصاد العالمي في مهب الصدمات.. حرب إيران تعيد تشكيل مسار النمو والتضخم

الإثنين، 27 أبريل 2026 11:01 م

الاقتصاد العالمي

الاقتصاد العالمي

مرة أخرى، يواجه الاقتصاد العالمي خطر الخروج عن مساره، وهذه المرة نتيجة اندلاع الحرب في الشرق الأوسط مع نهاية فبراير 2026، وخلال العام الماضي، تشكلت ملامح المشهد الاقتصادي العالمي من خلال توازن دقيق بين قوى متعارضة، حيث ضغطت زيادة الحواجز التجارية وتصاعد حالة عدم اليقين على النشاط الاقتصادي.

في حين دعمت الاستثمارات المرتبطة بالتكنولوجيا، وتيسير الأوضاع المالية بما في ذلك ضعف الدولار الأمريكي إلى جانب السياسات المالية والنقدية التوسعية، وتيرة النمو، غير أن اندلاع الصراع في الشرق الأوسط يمثل قوة معاكسة كبيرة لتلك العوامل الداعمة، إذ يمتد تأثيره إلى أسواق السلع الأولية، ويعيد تشكيل توقعات التضخم، ويؤثر على الأوضاع المالية العالمية.

الحرب الأمريكية الإيرانية - صورة أرشيفية

منهجية التوقعات في ظل عدم اليقين

نظرًا لصعوبة صياغة افتراضات متماسكة في الوقت الراهن، يعتمد تقرير آفاق الاقتصاد العالمي على ما يعرف بـ"التنبؤ المرجعي" بدلًا من السيناريو الأساسي التقليدي، ويقوم هذا التنبؤ على افتراض أن الحرب ستكون محدودة من حيث المدة والشدة والنطاق، بحيث تتلاشى آثارها بحلول منتصف عام 2026، وهو ما يتماشى مع أسعار العقود الآجلة للسلع الأولية وفقًا للوضع القائم في 10 مارس. 

ومع ذلك، وبسبب ارتفاع مستويات عدم اليقين، يدعم التقرير هذا التنبؤ بسيناريوهات بديلة تفترض استمرار الصراع لفترة أطول أو اتساع نطاقه جغرافيًا، مع تزايد احتمالات تحقق هذه السيناريوهات كلما استمرت الأعمال العدائية وما يصاحبها من اضطرابات.

تباطؤ النمو وارتفاع التضخم عالميًا

وفقًا للتنبؤ المرجعي، من المتوقع أن يسجل الاقتصاد العالمي معدل نمو يبلغ 3.1% في عام 2026، يرتفع بشكل طفيف إلى 3.2% في عام 2027، ويعكس هذا الأداء تباطؤًا مقارنة بالمعدل المسجل خلال الفترة 2024–2025، والذي بلغ نحو 3.4%، كما أنه يظل دون المتوسط التاريخي للفترة 2000–2019 البالغ 3.7%. 

وقد تم تعديل توقعات النمو لعام 2026 بالخفض مقارنة بتقديرات سابقة، في حين ظلت توقعات عام 2027 دون تغيير يذكر مقارنة بتقرير يناير 2026.

وفي المقابل، من المتوقع أن يرتفع معدل التضخم العالمي إلى 4.4% في عام 2026، قبل أن يتراجع إلى 3.7% في عام 2027، وهو ما يعكس تعديلات بالزيادة لكلا العامين، في ظل الضغوط الناجمة عن الصراع.

الحرب كعامل حاسم في تعديل التوقعات

تشير التقديرات إلى أنه في غياب الحرب، كانت توقعات النمو العالمي لعام 2026 ستشهد تعديلًا بالزيادة، لتصل إلى 3.4%، أي أعلى بنحو 0.3 نقطة مئوية مقارنة بالتوقعات الحالية. 

وبالتالي، فإن التعديل الهبوطي يعكس في جوهره التأثيرات السلبية للصراع في الشرق الأوسط، رغم وجود عوامل تعويضية جزئية مثل قوة البيانات الاقتصادية مؤخرًا وتراجع الرسوم الجمركية.

تأثير الحروب على الاقتصاد العالمي - صورة أرشيفية

تفاوت التأثير بين الدول والاقتصادات

ورغم أن التغيرات في المؤشرات العالمية تبدو محدودة نسبيًا، فإن تأثيرها يتباين بشكل كبير بين الدول، إذ تتحمل منطقة الصراع والاقتصادات الأكثر هشاشة العبء الأكبر، بينما تنتقل تداعيات هذه الخسائر إلى مناطق أخرى، خاصة اقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية، ولا سيما تلك المعتمدة على استيراد السلع الأولية. 

وقد تم خفض توقعات النمو لهذه الاقتصادات بنحو 0.3 نقطة مئوية لعام 2026 مقارنة بتقديرات يناير، في حين ظلت توقعات الاقتصادات المتقدمة دون تغييرات تذكر.

سيناريوهات سلبية محتملة

وفي حال تطور الأوضاع بشكل أكثر سلبية، قد يشهد الاقتصاد العالمي تباطؤًا أشد، ففي سيناريو يتضمن ارتفاعًا أكبر وأكثر استمرارية في أسعار الطاقة، من المتوقع أن يتراجع النمو العالمي إلى 2.5% في عام 2026، مع ارتفاع التضخم إلى 5.4%. 

أما في سيناريو أكثر حدة، يتضمن أضرارًا جسيمة للبنية التحتية للطاقة في مناطق الصراع، فقد ينخفض النمو إلى نحو 2% فقط، في حين يتجاوز التضخم 6% بحلول عام 2027. 

ومن المتوقع أن يكون تأثير هذه السيناريوهات على الاقتصادات النامية والأسواق الصاعدة أكبر بنحو الضعف مقارنة بالاقتصادات المتقدمة.

مخاطر ممتدة في الأفق العالمي

وتظل المخاطر السلبية هي السمة الغالبة، حتى بعد تحقق الصدمة الجيوسياسية الحالية، إذ قد تتصاعد التوترات إلى مستويات تؤدي إلى أزمة طاقة كبرى، أو تفجر ضغوط سياسية داخلية في عدد من الدول، كما قد تتداخل هذه الضغوط مع تحولات في السياسات التجارية والدولية، ما يفتح الباب أمام صراعات تجارية جديدة.

وفي هذا السياق، تبرز أهمية المعادن النادرة كعنصر حاسم في سلاسل الإمداد العالمية، ما يجعلها نقطة توتر محتملة، كذلك، قد تؤدي إعادة تقييم توقعات الأرباح المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، أو تراجع العوائد المتوقعة نتيجة المنافسة المتزايدة، إلى انخفاض الاستثمارات وحدوث تصحيحات مفاجئة في الأسواق المالية.

تأثر الاقتصاد العالمي بالحروب

تحديات المالية العامة والسياسات النقدية

ويمثل اتساع عجز المالية العامة وارتفاع مستويات الدين العام تحديًا إضافيًا، خاصة في ظل تآكل الاحتياطيات المالية، وهو ما قد يؤدي إلى ضغوط على أسعار الفائدة طويلة الأجل ويؤثر سلبًا على الأوضاع المالية بشكل أوسع. 

كما أن تراجع مصداقية المؤسسات، بما في ذلك استقلالية البنوك المركزية، قد يؤدي إلى ارتفاع توقعات التضخم، خصوصًا في ظل صدمات الأسعار.

وعلى الرغم من هذه المخاطر، تظل هناك فرص إيجابية، أبرزها الاستثمارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، والتي يمكن أن تدعم النشاط الاقتصادي وتتحول إلى مصدر لنمو مستدام إذا ما أدت إلى مكاسب إنتاجية ملموسة وزيادة في ديناميكية الأعمال، كما يمكن أن يسهم استمرار الإصلاحات الهيكلية وتخفيف التوترات التجارية في تعزيز الأداء الاقتصادي العالمي.

سياسات مطلوبة لمواجهة بيئة معقدة

ويتطلب التعامل مع هذا المشهد المعقد تبني حزمة متكاملة من السياسات على المستويين الوطني والدولي، فعلى صعيد السياسات النقدية، ينبغي للبنوك المركزية أن تظل يقظة ومستعدة للتحرك بحزم، مع مراعاة طبيعة صدمات الإمداد وتجنب زعزعة توقعات التضخم، كما تكتسب الشفافية والاستقلالية أهمية حاسمة في الحفاظ على مصداقية السياسة النقدية.

وفي الحالات التي تشهد تقلبات حادة في أسعار الصرف، قد يكون من الضروري اللجوء إلى تدخلات مؤقتة في أسواق الصرف وإدارة تدفقات رؤوس الأموال، بشرط أن تكون متسقة مع السياسات الاقتصادية الكلية.

مؤشرات الاقتصاد العالمي

إدارة المالية العامة وتعزيز الصمود

على صعيد المالية العامة، ينبغي أن يكون أي دعم موجه للفئات الأكثر تضررًا من الصدمات الخارجية محدودًا ومؤقتًا وممولًا ضمن الموازنات القائمة، مع ضرورة توضيح خطط استعادة التوازن المالي. 

كما يتعين على الحكومات العمل على تعبئة الإيرادات، وإعادة ترتيب أولويات الإنفاق، وتحسين كفاءته، إلى جانب إدارة العوائد غير المتوقعة بحكمة لتعزيز القدرة على مواجهة الصدمات المستقبلية.

نحو تعاون دولي أكثر فاعلية

تمثل معالجة الاختلالات الاقتصادية، سواء المحلية أو الخارجية، أولوية أساسية، خاصة من خلال السياسات المالية والهيكلية والصناعية، وفي المقابل، تلعب القيود التجارية دورًا محدودًا في معالجة هذه الاختلالات، بل قد تؤدي إلى تفاقمها. 

لذلك، تظل الحاجة ملحة لتعزيز التعاون الدولي، واستعادة استقرار العلاقات الاقتصادية، ودعم التكامل التجاري من خلال أطر سياسات شفافة وقابلة للتنبؤ.

اقرأ أيضًا:

صندوق النقد الدولي: التعافي السريع لا يزال ممكنا إذا انتهت الحرب قريبا

Short Url

search