السبت، 18 يوليو 2026

05:51 م

الدكتور محمد عسكر يكتب: حوادث الانتحار في فضاء السوشيال ميديا.. ظاهرة تتسع بلا ضوابط

الأحد، 12 أبريل 2026 08:57 م

الدكتور محمد عسكر

الدكتور محمد عسكر

الدكتور محمد عسكر استشارى نظم المعلومات والأمن السيبرانى

لم تعد وسائل التواصل الاجتماعي مجرد مساحة لعرض الأخبار أو تبادل الآراء، بل تحولت في كثير من الأحيان إلى منصة لإعادة إنتاج المأساة بشكل متكرر ومكثف، دون إدراك كافٍ لتداعيات ذلك على الوعي الجمعي، ومن بين أكثر القضايا حساسية التي يظهر فيها هذا التحول بوضوح، تأتي قضية تداول منشورات الانتحار، حيث يتداخل الفضول العام مع الخوارزميات التي لا تميز بين ما هو إنساني وما هو مجرد مادة قابلة للانتشار.

المشكلة الأساسية لا تكمن فقط في المحتوى نفسه، بل في البنية التي تحكم تدفقه، وخوارزميات المنصات الرقمية صُممت بالأساس لتعظيم التفاعل، لا لحماية المستخدمين من المحتوى المؤذي، وهذا يعني أن أي مادة تثير الانفعال، سواء كان حزنًا أو صدمة أو جدلًا، تجد طريقها إلى الانتشار السريع، حتى لو كانت تتعلق بمأساة إنسانية حساسة مثل الانتحار، وهنا يتحول الحدث من واقعة إنسانية معقدة إلى محتوى يُستهلك ويُعاد تداوله دون سياق كافٍ.

الأخطر من ذلك أن هذا النمط من النشر يخلق حالة من التكرار البصري والذهني، تجعل القضايا الحساسة تبدو وكأنها جزء من المشهد اليومي العادي، ومع مرور الوقت، يفقد الجمهور القدرة على التمييز بين التوعية الحقيقية وبين الاستغلال غير المقصود للمأساة، كما أن بعض التغطيات غير المنضبطة قد تقدم تفاصيل أو صورًا أو سرديات عاطفية مفرطة، وهو ما قد يفتح الباب أمام تأثيرات نفسية سلبية على فئات شديدة الهشاشة.

ولا يمكن تجاهل أن ما يحدث اليوم هو نتيجة مباشرة لتحول الانتباه البشري إلى سلعة رقمية، والمحتوى الذي يحقق أعلى نسب مشاهدة هو الذي يُدفع إلى الواجهة، بغض النظر عن قيمته الأخلاقية أو أثره الاجتماعي، وفي هذا السياق، تصبح المأساة الإنسانية مادة قابلة لإعادة التدوير داخل اقتصاد التفاعل، بما يطرح أسئلة جادة حول حدود المسؤولية الأخلاقية للشركات المالكة لهذه المنصات.

من جهة أخرى، لا يمكن تحميل المنصات وحدها كامل المسؤولية، فالمستخدم نفسه أصبح جزءًا من هذه المنظومة الإنتاجية للمحتوى، وإعادة النشر السريع، والتعليق العاطفي غير المنضبط، والمشاركة بدافع الفضول، كلها عوامل تسهم في تضخيم الظاهرة دون وعي كامل بتداعياتها، وهكذا يتشكل ما يمكن وصفه بدائرة مغلقة: محتوى صادم يولد تفاعلًا، والتفاعل يؤدي إلى انتشار أوسع، والانتشار يعيد إنتاج نفس النمط من المحتوى.

إن التعامل مع هذه الظاهرة لا يحتاج إلى خطابات عامة بقدر ما يحتاج إلى مراجعة جادة لمنطق المنصات الرقمية نفسها، وغياب الضوابط الواضحة للتعامل مع المحتوى الحساس يجعل الفضاء الرقمي بيئة خصبة لإعادة إنتاج الألم بشكل غير منضبط، كما أن الاعتماد المفرط على الأتمتة في إدارة المحتوى يحد من القدرة على فهم السياقات الإنسانية المعقدة.

في النهاية، فإن استمرار هذا النمط من التداول دون تدخل واعٍ سيؤدي إلى ترسيخ علاقة مضطربة بين الجمهور والمحتوى الإنساني المؤلم، حيث تتحول المأساة إلى جزء من التدفق اليومي العادي، بدل أن تكون حدثًا يستدعي الفهم والتأمل، وهنا يكمن الخطر الحقيقي: ليس فقط في انتشار منشورات الانتحار، بل في الطريقة التي يعاد بها تشكيل وعينا تجاه الألم الإنساني نفسه.

اقرأ أيضًا:

الدكتور محمد عسكر يكتب: هل يتفوق الذكاء الاصطناعي على الإنسان؟

Short Url

search