محمد فؤاد يكتب: «مين الصنايعي اللي كان شغال قبلي هنا؟»
الإثنين، 09 مارس 2026 02:24 م
الدكتور محمد فؤاد
بقلم الدكتور محمد فؤاد
قبل أيام خرج تصريح لوزير الصناعة خالد هاشم يفيد بأن الوزارة تعمل مع مكتب استشاري عالمي لتحديد نحو 6 صناعات يمكن أن تصبح مصر ضمن أفضل 3 دول عالميًا فيها خلال الفترة بين 5 إلى 7 سنوات.
الفكرة في ظاهرها تبدو طموحة، بل ومنطقية أيضًا؛ فكل دولة تحتاج إلى تحديد قطاعات تقود نموها الصناعي، لكن المشكلة ليست في الفكرة نفسها، بل في السياق الذي تُطرح فيه.
فلو نظرنا إلى مسار السياسات الصناعية في مصر خلال السنوات القليلة الماضية سنجد أن الدولة أعلنت بالفعل سلسلة من المبادرات والاستراتيجيات التي سعت إلى تحقيق الهدف نفسه تقريبًا، وهو تعميق التصنيع المحلي، وزيادة الصادرات الصناعية، وجذب الاستثمارات.
الاستراتيجيات المتعاقبة
بدأت تلك المبادرات من خلال المهندس رشيد محمد رشيد وزير الصناعة والتجارة الأسبق، الذي طرح استراتيجية “الصناعة قاطرة التنمية”، وهي الرؤية التي حاولت في منتصف الألفية إعادة وضع الصناعة في قلب السياسة الاقتصادية المصرية، من خلال التركيز على التصدير، وتحسين بيئة الأعمال، وجذب الاستثمارات الصناعية.
وفي العهد الحديث ظهرت استراتيجية تعميق التصنيع المحلي للدكتورة نيفين جامع، التي رُبطت حينها بمستهدفات توسع في الصادرات وتعزيز قدرة الصناعة المصرية على المنافسة، ثم جاء المهندس أحمد سمير ليطرح مسارًا يقوم على تحليل هيكل الواردات المصرية، وانتهى هذا التحليل إلى قائمة بها 152 صناعة أطلق عليها الصناعات المستهدفة.
وفي مرحلة لاحقة جرى الإعلان عن الخطة العاجلة للنهوض بالصناعة التي طرحها الفريق كامل الوزير، والتي تضمنت مجموعة من المحاور التنفيذية المرتبطة بتشغيل المصانع المتعثرة وتحسين بيئة الاستثمار الصناعي ورفع مساهمة الصناعة في الناتج المحلي.
وفوق ذلك كله، قدمت الدكتورة رانيا المشاط السردية الوطنية للتنمية الشاملة فمثلت الإطار الاقتصادي الجامع للتنمية في مصر، وفي الحقيقة لم تكن السردية مجرد وثيقة نظرية، بل محاولة لتقديم تصور متكامل يربط بين السياسة الصناعية والتصدير وتنمية الموارد البشرية وتعبئة التمويل وربط الاقتصاد المصري بسلاسل القيمة العالمية.
وفي فصل التنمية الصناعية تحديدًا، قدمت السردية تصورًا واضحًا للمجموعات الصناعية المستهدفة، حيث قُسمت القطاعات المؤهلة لتعميق التصنيع المحلي إلى ثلاث محاور رئيسية أولهم الصناعات الاستراتيجية وتشمل الصناعات الغذائية والأدوية والكيماويات والصناعات الهندسية.
أما المحور الثاني فهو الصناعات المهمة مثل الأجهزة الطبية والغزل والنسيج ومواد البناء والأخشاب، وأخيرا المحور الثالث المعني بالصناعات المستقبلية المرتبطة بالتحولات الاقتصادية العالمية مثل البرمجيات والسيارات الكهربائية والبطاريات والوقود الأخضر والصناعات الخضراء.
لم تكتف السردية بتحديد القطاعات فقط، بل أشارت كذلك إلى 28 صناعة وفرصة استثمارية واعدة جرى اختيارها وفق معايير تتعلق بحجم السوق العالمي وإمكانات التصدير وتوافر الموارد المحلية، في محاولة لتوجيه السياسة الصناعية نحو القطاعات الأعلى قيمة مضافة.
بهذا المعنى، يمكن القول إن مصر لم تكن تعاني من غياب الرؤية الصناعية، بل على العكس، كانت هناك محاولة لبناء إطار متكامل يربط الصناعة بالتجارة الخارجية، والتمويل والتعليم والتكنولوجيا.
الإشكالية الحقيقية أن هذه الوثائق مهما كانت جيدة، سوف تظل محدودة الأثر إذا بقيت في مساحة التخطيط ولم تتحول إلى برنامج تنفيذ ملزم ومستمر عبر الحكومات والوزراء، مدمج معه مؤشرات قياس أداء ومتابعة لمستوى التنفيذ.
وعليه، فمن غير المنطقي أن يخرج علينا اليوم، بعد كل هذه المبادرات والوثائق والجهود، تصريح يعود بنا مرة أخرى إلى نقطة البداية، أي تحديد الصناعات التي يجب أن تركز عليها مصر، من خلال مكتب استشاري.
فالسؤال الذي يطرح نفسه إذن ليس: ما هي الخطة الجديدة؟ بل ببساطة: ماذا حدث لكل تلك الخطط السابقة التي لم يمضي على أخرها سوى بضعة أشهر؟.
اين يكمن الخلل؟
وفي تقديري فإن المشكلة في مصر ليست نقص التخطيط، بل ابتذاله، فالتخطيط تحول من أداة لإدارة التنمية إلى طقس بيروقراطي متكرر: تقرير جديد، استراتيجية جديدة، رؤية جديدة، مسمى مختلف، وفي كل مرة يبدأ النقاش وكأن شيئًا لم يُكتب من قبل.
ففي الدول التي نجحت صناعيًا، لم يكن التحدي في تحديد القطاعات كل فترة دون بدء وتنفيذ، فكوريا الجنوبية لم تقض سنوات تبحث عن الصناعات المناسبة؛ بل اختارت الإلكترونيات والصلب والسيارات وركزت عليها لعقود مع بعض التوجيه المرحلي، كذلك الصين لم تعلن كل ثلاث سنوات استراتيجية صناعية جديدة؛ بل بنت سياسة صناعية متراكمة بدأت بالصناعات الخفيفة ثم الثقيلة ثم التكنولوجيا، وحتى دول مثل المغرب أو فيتنام لم تُعد تعريف أولوياتها كل بضع سنوات، بل التزمت بمسار صناعي واضح قائم على التصدير وسلاسل القيمة العالمية.
أما في مصر، فنحن نُعيد تعريف الأولويات نفسها كل مرة.. مرة نتحدث عن تعميق التصنيع المحلي، وثانية عن إحلال الواردات، وأخرى عن الصناعات الخضراء، ورابعة عن الصناعات التكنولوجية، والنتيجة أن الخطط تتراكم فوق بعضها البعض دون أن تتراكم فوقها مصانع، وهو ما يختلف تماما عن فكرة استمرارية السياسيات أو تطويرها مرحليا.
والأخطر أن هذه الدائرة تعكس خللاً أعمق في فلسفة الإدارة الاقتصادية، فبدلاً من الانتقال من مرحلة التشخيص إلى مرحلة التنفيذ، نظل عالقين في إعادة التشخيص، وكأن الاقتصاد المصري يعيش في حلقة مفرغة من الدراسات والاستراتيجيات والخطط ويتوقف عندها.
الاقتصاد لا يحتاج مزيدًا من الأوراق بقدر ما يحتاج استقرارًا في القرار، مثلا المستثمر لا يهمه كم استراتيجية أعلنت الحكومة، بل أي استراتيجية ستبقى قائمة بعد خمس سنوات، وكذلك الصناعة لا تنمو بالبيانات الصحفية، بل بالاستثمار طويل الأجل والبنية التحتية الصناعية وسياسات واضحة لا تتغير مع تغير المسؤولين.
ولهذا يبدو المشهد أحيانًا وكأنه تلك الصورة المألوفة في حياتنا اليومية، عندما يدخل صنايعي شقة ليكمل الشغل بعد غيره، ينظر حوله قليلًا ثم يسأل صاحب البيت: «هو مين الصنايعي اللي كان شغال هنا قبلي؟»
Short Url
شيماء وجيه تكتب: حرب إيران والتوترات الإقليمية تعيد تشكيل حركة الملاحة العالمية
07 مارس 2026 12:17 ص
مصطفى أحمد يكتب.. الاستقالة الصامتة: عندما يتحول العمل من شغف إلى واجب بارد
03 مارس 2026 01:00 م
أكثر الكلمات انتشاراً