الإثنين، 02 مارس 2026

11:12 م

الائتمان يعيد تشكيل الزراعة المصرية.. من تمويل البقاء إلى استثمار يقود التصدير والنمو

الإثنين، 02 مارس 2026 09:30 م

الائتمان يعيد تشكيل الزراعة

الائتمان يعيد تشكيل الزراعة

كان الائتمان في الزراعة المصرية لعقود طويلة، يؤدي وظيفة واحدة ألا وهو البقاء، حيث كان المزارعون يقترضون لتغطية التكاليف الموسمية من بذور وأسمدة ووقود وأجور، ثم يسددون بعد الحصاد، واليوم يتراجع هذا النموذج تدريجيًا لصالح نمط أكثر هيكلية يقوم على الاقتراض بغرض الاستثمار.

وتشير بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، إلى أن القروض الموجهة للاستثمار من قبل المزارعين والشركات الزراعية، ارتفعت بنحو 250% على أساسٍ سنوي لتصل إلى 1.2 مليار دولار (56 مليار جنيه) في السنة المالية 2023-2024، غير أن الدلالة الأهم تكمن في تغير هيكل الإقراض نفسه.

وارتفعت القروض متوسطة الأجل بأكثر من عشرة أضعاف، لتبلغ 473.3 مليون دولار (22.6 مليار جنيه)، فيما زادت القروض طويلة الأجل بنحو 740% إلى 519.3 مليون دولار، وفي المقابل تراجع الاقتراض قصير الأجل بأكثر من 20%.

ويعكس ذلك تحولًا واضحًا في سلوك الاقتراض، وتراجع التمويل المخصص للنفقات الموسمية، مقابل زيادة التمويل الموجه لتحديث الآلات، وتطوير أنظمة الري، وتوسيع الرقعة الزراعية.

 

الاقتراض لتمويل النفقات الرأسمالية

ويتجه المزارعون بشكلٍ متزايد إلى استخدام الائتمان لتمويل استثمارات طويلة الأجل، مثل تحديث أنظمة الري، وتوسيع البيوت المحمية، وإنشاء مرافق تخزين المحاصيل، وتحسين خصوبة التربة، ويعكس هذا التوجه تحولًا واضحًا في أسلوب إدارة المزرعة، قائمًا على التخطيط الاستراتيجي بدلًا من الاكتفاء بتلبية الاحتياجات الموسمية.

وتسهم هذه الاستثمارات في رفع كفاءة استخدام المياه، وتعزيز استقرار الإنتاج، وزيادة القدرة على مواجهة التقلبات المناخية، كما أن تقنيات مثل تسوية الأراضي بالليزر، والري بالتنقيط، وأنظمة الزراعة المحمية، تساعد على خفض تكاليف التشغيل على المدى الطويل، وتحسين موثوقية العوائد.

ولم يعد الائتمان يستخدم فقط لسد فجوات السيولة المؤقتة، بل أصبح أداة لتمويل تحسينات هيكلية دائمة تعزز القدرة الإنتاجية، فالتمويل الموجه للاستثمار في الميكنة الزراعية، وأنظمة الري الحديثة، ومصادر الطاقة المتجددة، يساهم في رفع الكفاءة التشغيلية وزيادة الربحية المستدامة.

وتتحول المزارع تدريجيًا من نمط زراعة الكفاف إلى نماذج إنتاج رأسمالية ذات توجه تجاري، تركز على تنمية الأصول وتعظيم الإنتاجية، ويعد هذا التحول منعطفًا هيكليًا يعكس ثقة متنامية في قدرة القطاع الزراعي على دعم النمو والتخطيط طويل الأجل، وليس مجرد الاستمرار والبقاء.

 

نمو الصادرات وجاذبية الاستثمار

وتسهم التحسينات الاقتصادية في مجال التصدير في دعم هذا التحول، فقد نمت صادرات مصر من الفاكهة والخضراوات بنسبة تتراوح بين 15% و17% سنويًا خلال السنوات الثلاث الماضية، مدفوعةً بالبنية التحتية المحسنة من سلسلة التبريد، ومعايير الجودة، وتوسيع نطاق الوصول إلى أسواق الخليج وإفريقيا وأوروبا.

وفي الوقت نفسه، تقل مكاسب الإنتاج المحلي من الاعتماد على الواردات، فقد استوردت مصر نحو 30% أقل من القمح خلال العام الماضي، وهو ما يعزى إلى تحسين سعة التخزين، وتوسيع نطاق الزراعة في الأراضي المستصلحة حديثًا.

ولعل الأهم، أن مصر حققت الاكتفاء الذاتي في إنتاج السكر، وهي تستعد للتصدير بعد عقود من كونها مستوردًا صافيًا، وبالنسبة للمزارعين، يوفر كل من وضوح الصادرات واستبدال الواردات ميزة تاريخية، ألا وهي القدرة على التنبؤ.

ويلعب التمويل دورًا حاسمًا في تمكين المزارع من الارتقاء في سلسلة القيمة، بل ويمكن تمويل المزارعين من الاستثمار في الري، والميكنة، والبنية التحتية لما بعد الحصاد، وهو ما يحسن الإنتاجية ويتيح التوسع إلى عمليات تجارية مجدية.

وتمتد آثار هذا التحول إلى ما هو أبعد من القطاع نفسه، فالزراعة القائمة على الاستثمار تعزز الإنتاجية والصادرات، وتدعم استقرار دخل الريف، وتخلق طلبًا على الخدمات اللوجستية والتصنيع الزراعي، كما تضع مصر في موقع أفضل للاستفادة من اقتصاد الغذاء الإفريقي سريع النمو، المتوقع أن يبلغ حجمه تريليون دولار بحلول 2030.

إن ما يحدث هو انتقال الزراعة من نشاطٍ معيشي، إلى محرك اقتصادي قائم على الاستثمار، حيث لم يعد التمويل أداة للبقاء، بل وسيلة للتوسع والتحديث والمنافسة.

اقرأ أيضًا:-

خير لكل فلاح.. تعرف علي شروط قرض التمويل الزراعي من بنك الإسكندرية

Short Url

search