السبت، 14 فبراير 2026

06:36 م

عندما انهارت الثقة أسرع من السعر، ماذا حدث للبيتكوين بعد القمة التاريخية؟

السبت، 14 فبراير 2026 03:10 م

البيتكوين

البيتكوين

الانهيار الحاد الذي شهدته البيتكوين من قمتها التاريخية عند 126 ألف دولار إلى مستويات قريبة من 60 ألف دولار خلال فترة زمنية قصيرة نسبياً لا يمكن اختزاله في تفسير واحد أو سبب مباشر، ولا يجوز التعامل معه بمنطق “حدث طبيعي” أو “مؤامرة مكتملة الأركان”. 

ما جرى هو نتيجة تراكم بعض التركيبات المعقدة لعوامل مالية وسلوكية ومؤسسية، جعلت هذا الهبوط يبدو صادماً وغير منطقي مقارنة بالسردية السائدة التي رافقت صعود البيتكوين في العامين الأخيرين.

خلال الفترة الممتدة من 2023 وحتى ذروة 2025، بنيت حول البيتكوين رواية شبه إجماعية تقول إن الأصل الرقمي خرج نهائياً من مرحلة التجريب والمضاربة، ودخل عصر الشرعية المؤسسية، بل والموافقة الأمريكية على صناديق الاستثمار الفورية، والتدفقات الضخمة من مؤسسات مثل بلاك روك وفيديليتي، وتحول البيتكوين إلى بند رسمي في محافظ الشركات.

كل ذلك عناصر صنعت شعوراً عاماً بأن السوق أصبحت محصنة ضد الانهيارات الحادة التي عرفها في دوراته السابقة، هذا الشعور تحديداً هو ما جعل الصدمة أكبر عندما وقع الانهيار.

الخطأ في قراءة المشهد 

الخطأ الأول في قراءة المشهد كان الاعتقاد بأن دخول المؤسسات يعني نهاية التقلبات العنيفة، وتاريخ الأسواق يقول العكس تماماً، عندما يتحول أصل ما إلى جزء من النظام المالي التقليدي، فإنه يصبح أكثر ارتباطاً بدورات السيولة العالمية، وأكثر حساسية لتغير المزاج الاستثماري وأسعار الفائدة والمخاطر الجيوسياسية.

البيتكوين قبل 2020 كانت تتحرك في هامش النظام، أما بعد 2024 فقد أصبحت في قلبه، ومع هذا الانتقال انتقلت العدوى أيضاً، عدوى الخوف، وعدوى إعادة التوازن، وعدوى الخروج الجماعي عند أول إشارة اضطراب.

كثيرون تساءلوا: أين المستثمرون المؤسسون؟ ولماذا لم يتدخلوا لإيقاف النزيف؟ لكن هذا السؤال ينطلق من تصور غير دقيق لطبيعة الاستثمار المؤسسي، فالمؤسسات لا تتصرف كأفراد مؤمنين بأصل ما، بل كمديرين للمخاطر.

الصناديق لا تحب البيتكوين ولا تكرهها، بل تقيس أداءها مقارنة بالمخاطر، وعندما تبدأ الخسائر بالاتساع، وعندما ترتفع التقلبات إلى مستويات غير مقبولة، يصبح الخروج الجزئي أو الكلي خياراً منطقياً، بل إلزامياً في بعض الأحيان، بغض النظر عن القناعة طويلة الأجل.

ثم تأتي النقطة الأخطر، وهي أسواق المشتقات، في كل دورة صاعدة للبيتكوين، يتكرر السيناريو نفسه، الصعود يغذي الرافعة المالية، والرافعة المالية تغذي الوهم بأن السوق لا يمكن أن تهبط. 

في دورة 2024–2025، وصلت أحجام المراكز الممولة بالرافعة إلى مستويات قياسية، مدفوعة بثقة مفرطة بأن الطلب المؤسسي سيبتلع أي عرض، وعندما بدأ السعر بالتراجع من قمته، لم يكن الهبوط الأول هو المشكلة، بل ما فعله هذا الهبوط من سلسلة تصفيات قسرية متتابعة.

البيع القسري لا يعكس قراراً استثمارياً واعياً

البيع القسري لا يعكس قراراً استثمارياً واعياً، بل نتيجة تلقائية لخوارزميات إدارة المخاطر في منصات المشتقات، ومع كل مستوى سعري يتم كسره، يتم دفع آلاف المراكز خارج السوق دفعة واحدة، ما يخلق ضغط بيع إضافياً لا علاقة له بالأساسيات. 

وهنا يصبح السؤال “من الذي يبيع عند 75 ألف دولار؟” سؤالاً مضللاً، لأن جزءاً كبيراً من البيع لم يكن خياراً أصلاً، بل نتيجة ميكانيكية لانهيار المراكز الممولة بالدين.

أما الحديث عن “الحيتان المجهولين”، فهو يحمل جزءاً من الحقيقة لكنه لا يكتمل إلا بفهم سلوك كبار اللاعبين، فالحيتان لا تنتظر الذعر كي تبيع، بل تبيع عندما تشعر أن السوق أصبحت هشة، والهشاشة لا تعني ضعف السعر، بل ضعف السيولة. عندما تكون السوق مشبعة بالمراكز الطويلة، ومعتمدة على تدفقات مستمرة، فإن أي توقف في هذه التدفقات يحول الصعود إلى فخ. 

بعض كبار الحائزين قد يكونون بدأوا البيع في مراحل مبكرة، ليس بهدف إسقاط السوق، بل لتقليص المخاطر،. لكن بيعهم، في سوق مشحون بالرافعة، كان كافياً لإطلاق سلسلة تفاعلات خارجة عن السيطرة.

خروج الأموال من صناديق الاستثمار، خصوصاً صناديق الـETF، زاد من تعقيد المشهد. هذه التدفقات الخارجة لا تعني بالضرورة أن المؤسسات فقدت إيمانها بالبيتكوين، لكنها تعني أن التوقيت لم يعد مناسباً لتحمل هذا المستوى من التقلب، فالصناديق، بطبيعتها، تتحرك مع الزخم، لا ضده. وعندما يتحول الزخم إلى سلبي، فإن الخروج يصبح أداة لإدارة المخاطر، لا إعلان حرب على الأصل نفسه.

حدث من دون تغير حقيقي في أساسيات البيتكوين

اللافت أن كل هذا حدث من دون تغير حقيقي في أساسيات البيتكوين. العرض لا يزال محدوداً، والطلب على المدى الطويل لم يتراجع، والتبني المؤسسي والدولي مستمر، لكن السوق لا تتحرك دائماً وفق الأساسيات، خصوصاً على المدى القصير والمتوسط. 

السعر هو نتيجة تفاعل بين العرض والطلب في لحظة زمنية محددة، وهذه اللحظة كانت مثقلة بالخوف، والديون، والتقلب، أكثر مما كانت مثقلة بالمنطق الاقتصادي البارد.

الضغوط الجيوسياسية والمالية لعبت دوراً مكملاً، لا سبباً وحيداً، ارتفاع احتمالات التشدد النقدي، التوترات التجارية، وتصاعد المخاطر العالمية دفعت المستثمرين إلى تقليص التعرض للأصول عالية المخاطر، والبيتكوين، رغم خطاب الملاذ الآمن، لا تزال تعامل في الواقع كأصل مخاطرة مرتفعة في أوقات الأزمات.

في المقابل، صمود بعض المؤسسات الكبرى، واستمرار شركات مثل “مايكرو ستراتيجي” في الشراء، يكشف أن ما يجري ليس انهيار ثقة شامل، بل إعادة تسعير عنيفة. هذه الجهات لا تتحرك بدافع العاطفة، بل بدافع رؤية طويلة الأجل ترى في الهبوط فرصة، لا نهاية، لكن وجود مشترين أقوياء لا يمنع السوق من النزيف إذا كانت آليات البيع القسري أقوى في المدى القصير.

اغتيال منظم يثير الشكوك لدى المستثمرين

الحديث عن اغتيال منظم يعكس شعوراً مفهوماً لدى المستثمرين الذين صدموا بالسرعة والعنف، لكنه لا يقدم تفسيراً اقتصادياً كاملاً، وما جرى أقرب إلى انفجار فقاعة رافعة مالية داخل سوق أصبح أكبر من أن يدار بالعقلية القديمة، وأصغر من أن يعامل كأصل مستقر، إنها مرحلة انتقالية مؤلمة بين سوق مضاربة وسوق مؤسسية، وبين حرية مطلقة وانضباط قاسٍ.

البيتكوين لم تغتل، لكنها أيضاً لم تعد محصنة، وما حدث هو اختبار قاسي لفكرة أنها أصل ناضج، والنضج في الأسواق لا يعني غياب الهبوط، بل القدرة على تحمله من دون انهيار الثقة بالكامل.

والسؤال الحقيقي الذي سيحدد مسار المرحلة القادمة ليس من باع، ولا من ضغط على الزر الأول، بل ما إذا كان السوق قادرة على إعادة بناء نفسه على أسس أقل هشاشة، وأقل اعتماداً على الديون، وأكثر انسجاماً مع حجمه الجديد.

وهنا، فقط هنا، يمكن الحكم إن كان ما جرى مجرد فصل في دورة صاعدة طويلة، أم بداية إعادة تعريف مؤلمة لمكانة البيتكوين في النظام المالي العالمي.

اقرأ أيضًا:

«بيتكوين» يصطدم بجدار الواقع ويغرق تحت مستوى الـ63 ألف دولار

Short Url

search