الخميس، 29 يناير 2026

09:53 م

الدولار يُسقط نفسه، والذهب يكتب شهادة ميلاد نظام مالي جديد

الخميس، 29 يناير 2026 08:10 م

الدولار والذهب

الدولار والذهب

لم يعد ما يحدث في أسواق المال العالمية مجرد تقلبات عابرة، ولا يمكن اختزاله في صعود هنا أو هبوط هناك، نحن أمام مشهد اقتصادي غير مسبوق، تتشابك فيه السياسة بالنقد، وتتحول فيه العملة الأقوى في العالم من أداة استقرار إلى عبء استراتيجي، والآن نشاهد الدولار الأمريكي يتراجع، والذهب يشتعل، والعالم كله يدفع الفاتورة.

خلال أيام قليلة فقط، كسر الذهب عيار 24 في السوق المصرية حاجز الـ8000 جنيه للجرام، بينما تجاوز سعره عالميًا مستوى 5500 دولار للأونصة، في قفزة لا يمكن تفسيرها بمنطق العرض والطلب التقليدي، وفي الوقت نفسه، فقد الدولار قرابة 100 قرش أمام الجنيه المصري خلال أسبوع واحد، في حركة سريعة وغير معتادة، لكن الأخطر من الأرقام، هو السبب.

زلزال الفيدرالي.. حين يتكلم العقل تحت التهديد

القصة بدأت من تصريح نادر لرئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي جيروم باول، خرج فيه عن صمته، متحدثًا بشكل مباشر إلى الشعب الأمريكي والعالم، قال باول بوضوح إن التهديدات الجنائية التي يتعرض لها تأتي بسبب تمسك البنك المركزي بتحديد أسعار الفائدة وفق ما يخدم الاقتصاد، وليس وفق رغبات الرئيس.

هذه الجملة وحدها كانت كافية لإشعال الأسواق، فالفيدرالي ليس مجرد مؤسسة مالية، بل هو العقل المدبر لقيمة الدولار وثقة العالم فيه، وحين يلمح رئيسه إلى تدخل سياسي وضغوط غير قانونية، فذلك يعني أن أحد أعمدة النظام المالي العالمي بدأ يهتز.

خلال ساعات، هبط مؤشر الدولار DXY إلى حدود 95.86، وهو أدنى مستوى له منذ أربع سنوات، لكن هذه الحركة لم تكن استثناءً، بل حلقة في سلسلة تراجع مستمرة منذ أكثر من عام.

أسوأ أداء للدولار منذ نصف قرن

منذ تولي دونالد ترامب الرئاسة في يناير 2025، خسر الدولار ما يقرب من 10% من قيمته، مسجلًا أسوأ أداء سنوي له منذ 2017، والأخطر أن النصف الأول فقط من عام 2025 شهد هبوطًا بنحو 11%، وهو أسوأ تراجع نصف سنوي منذ عام 1971، العام الذي انهار فيه نظام “بريتون وودز” وتم فك ارتباط الدولار بالذهب.

مثل هذه الأرقام لا تحدث مصادفة، تاريخيًا، انهيارات بهذا الحجم لا تظهر إلا في حالتين: إما اقتصاد ينهار، أو سياسة نقدية تدار عمدًا لتخفيض قيمة العملة، وهنا تحديدًا، يظهر اسم ترامب.

لماذا يريد رئيس أمريكا إضعاف الدولار؟

على عكس الرؤساء التقليديين، لا ينظر ترامب إلى الدولار كرمز للهيبة أو السيادة، بل كأداة تجارية بحتة، الرجل يؤمن بما يعرف بـ”الميركنتيلية الاقتصادية”، وهي فلسفة قديمة ترى أن ضعف العملة ميزة لا عيب، لأنه يجعل الصادرات أرخص ويقلص العجز التجاري.

من هذا المنظور، الدولار القوي يعد عبئًا على الصناعة الأمريكية، لأنه يرفع أسعار المنتجات في الخارج ويمنح المنافسين ميزة، أما الدولار الضعيف، فيعيد المصانع للعمل، ويخلق وظائف، ويخدم الخطاب القومي الذي يتبناه ترامب.

وعندما سئل مؤخرًا عما إذا كان الدولار قد انخفض أكثر من اللازم، جاء رده صادمًا وبسيطًا: "لا.. الدولار عامل شغل عظيم”، وكانت تلك الجملة بمثابة رسالة واضحة للأسواق: هذا الهبوط مقصود.

الدين الأمريكي.. القنبلة الصامتة

لكن هناك سببًا أخطر لا يقال علنًا، وهو الدين القومي الأمريكي، فالولايات المتحدة اليوم مدينة بنحو 38.5 تريليون دولار، فوائد هذا الدين وحدها وصلت بنهاية 2025 إلى قرابة 276 مليار دولار سنويًا، أي ما يقارب 18% من إيرادات الحكومة، تذهب فقط لسداد الفوائد، دون أصل الدين.

في هذا السياق، يصبح إضعاف الدولار حيلة سياسية ذكية وخطيرة في آن واحد، فحين تتراجع قيمة العملة، تنخفض القيمة الحقيقية للدين، وتبقى الأرقام كما هي على الورق، لكن العبء الفعلي يتآكل بمرور الوقت، غير أن هذه الحيلة تسدد من جيوب المواطنين، عبر تآكل المدخرات وارتفاع الأسعار وزيادة الفقر.

العالم يفقد الثقة والذهب يعود ملكًا

المشكلة أن العالم لم يعد ساذجًا، فتجميد أصول روسيا بقيمة 300 مليار دولار عام 2022 كان نقطة تحول، وكثير من الدول أدركت أن الاحتفاظ بالدولار لم يعد آمنًا كما كان، والنتيجة؟ هروب جماعي نحو الذهب.

خلال أول 11 شهرًا من 2025، اشترت البنوك المركزية نحو 297 طنًا من الذهب، بمتوسط شهري بلغ 60 طنًا، أي أكثر من ثلاثة أضعاف المعدلات التاريخية قبل 2022. 

ارتفعت حصة الذهب من الاحتياطيات العالمية إلى نحو 24%، وهو أعلى مستوى منذ التسعينيات، بينما تراجعت حصة الدولار من 72% عام 2001 إلى قرابة 58% حاليًا.

حتى مصر، عززت احتياطياتها من الذهب لتصل إلى نحو 128.8 طن، لترتفع قيمتها بأكثر من 80% خلال عام واحد، متجاوزة 18 مليار دولار، مع احتمالات بتخطي حاجز 20 مليارًا قريبًا.

لماذا الذهب؟ وهل يمكن إنقاذ الدولار؟

لأن الذهب لا يجمد، ولا يصادر، ولا يخضع لقرار رئيس أو عقوبات دولة، فهو ملاذ تاريخي آمن حين تتآكل الثقة في الأنظمة النقدية.

نظريًا، الحل الوحيد هو تكرار “صدمة فولكر” في الثمانينيات، حين رفع الفيدرالي أسعار الفائدة إلى نحو 20% لإنقاذ الدولار، لكن تطبيق هذا السيناريو اليوم يعني كارثة، يعقبها كارثة في خدمة الدين التي قد تتجاوز تريليون دولار سنويًا، وانهيار أسواق الأسهم والعقارات، وركود حاد وبطالة واسعة، لهذا، يبدو الخيار مستحيلًا سياسيًا واقتصاديًا.

ما نشهده اليوم ليس موجة صعود مؤقتة للذهب، ولا هبوطًا عابرًا للدولار، بل إعادة تشكيل بطيئة للنظام المالي العالمي، سياسة أمريكية واعية بإضعاف العملة، وعالم يفقد ثقته في الدولار، وبنوك مركزية تعود إلى الذهب كملاذ أخير.

ولذلك يجب على الجميع الانتباه، الذهب لم يصل إلى القمة بعد، والدولار لم ينتهي من رحلة الهبوط، وما يحدث الآن قد يكون مجرد البداية.

اقرأ أيضًا:

جيروم باول يقترب من الرحيل، هل يفتح ترامب باب السيطرة على الفيدرالي؟

رئيس الاحتياطي الفيدرالي يتلقى استدعاءً من وزارة العدل ويتهم ترامب بالضغط السياسي

Short Url

search