الملاحة النهرية في مصر، اقتصاد مُهمل رغم كنز النيل
الثلاثاء، 27 يناير 2026 06:20 ص
النقل النهري
تمتلك مصر واحدًا من أعظم الموارد الطبيعية التي منحها الله لها، وهو نهر النيل، الذي لم يكن عبر التاريخ مصدرًا للمياه والحياة فقط، بل كان أيضًا شريانًا رئيسيًا للتجارة والنقل والتنمية، ورغم هذه الأهمية التاريخية والجغرافية، لا تزال الملاحة النهرية في مصر تعاني من التهميش، وتُصنف كأحد القطاعات الاقتصادية غير المستغلة بالشكل الأمثل، على الرغم من قدرتها على تحقيق عوائد اقتصادية كبيرة ودعم خطط التنمية المستدامة.
تُعد الملاحة النهرية من أقدم وسائل النقل في العالم، وقد لعبت دورًا محوريًا في الحضارة المصرية القديمة، حيث اعتمد المصريون القدماء على النيل في نقل الأحجار والبضائع والمحاصيل، وربط الشمال بالجنوب، إلا أن هذا الدور تراجع بشكل ملحوظ في العقود الأخيرة، مع الاعتماد المتزايد على النقل البري، الذي أصبح يلتهم النصيب الأكبر من حركة نقل البضائع، رغم ما يسببه من أعباء اقتصادية وبيئية وبنيوية.
الجدوى الاقتصادية
اقتصاديًا، يمثل النقل النهري وسيلة منخفضة التكلفة مقارنة بالنقل البري، إذ يمكن لوحدة نهرية واحدة نقل حمولات تعادل عشرات الشاحنات، مع استهلاك أقل للوقود وتكلفة تشغيلية أقل.
كما أن العمر الافتراضي للوحدات النهرية أطول، وتكاليف صيانتها أقل، ما يجعلها خيارًا مثاليًا لنقل البضائع الثقيلة والضخمة مثل الحبوب، ومواد البناء، والأسمنت، والحديد، والمنتجات الزراعية.
ورغم ذلك، لا تتجاوز مساهمة النقل النهري نسبة محدودة للغاية من إجمالي حركة النقل في مصر.
الجدوى البيئية
بيئيًا، تُعد الملاحة النهرية من أنظف وسائل النقل، حيث تسهم في تقليل الانبعاثات الكربونية، والحد من التلوث الهوائي والضوضائي الناتج عن الشاحنات الثقيلة.
ومع اتجاه الدولة إلى تبني سياسات الاقتصاد الأخضر وخفض الانبعاثات، يصبح إحياء النقل النهري ضرورة وليس خيارًا.
كما أن زيادة الاعتماد على الملاحة النهرية تسهم في تخفيف الضغط على شبكة الطرق، التي تتكلف الدولة مليارات الجنيهات سنويًا في أعمال الصيانة والإصلاح نتيجة الأحمال الزائدة.

التحديات
ورغم هذه المزايا، تواجه الملاحة النهرية في مصر عدة تحديات تعوق انطلاقها، أبرزها ضعف البنية التحتية، وتهالك عدد كبير من المراسي النهرية، وغياب منظومة متكاملة تربط النقل النهري بالموانئ البحرية والموانئ الجافة والمناطق الصناعية.
كما يعاني القطاع من نقص الاستثمارات الخاصة، وغياب الحوافز الجاذبة للمستثمرين، إلى جانب تعدد الجهات المسؤولة وتداخل الاختصاصات، ما يؤدي إلى بطء اتخاذ القرار وتعقيد الإجراءات.
كما أن انخفاض منسوب المياه في بعض الفترات، ووجود عوائق ملاحية، وعدم انتظام أعمال التكريك والصيانة للمجرى الملاحي، تمثل تحديات إضافية تحد من كفاءة التشغيل.
ويضاف إلى ذلك نقص الكوادر المدربة، وغياب حملات التوعية بأهمية النقل النهري لدى أصحاب المصانع والمستثمرين، الذين يفضلون النقل البري لاعتبارات السرعة وسهولة الإجراءات، رغم ارتفاع تكلفته.
خطة شاملة لتطوير النقل النهري
وأوضحت وزارة النقل في وقت سابق أنها أعدت خطة متكاملة لتطوير قطاع النقل النهري، تضمنت مجموعة من الإجراءات والآليات التي تكفل تطوير وتحديث المنظومة، وزيادة الاعتماد عليها في نقل الركاب والبضائع، بما يحقق الاستغلال الأمثل لنهر النيل كممر ملاحي رئيسي.
تنظيم جهة الولاية وتسهيل الاستثمار
وفي هذا الإطار، صدق الرئيس عبد الفتاح السيسي، رئيس الجمهورية، على القانون رقم 167 لسنة 2022 بشأن إعادة تنظيم الهيئة العامة للنقل النهري، والذي يستهدف توحيد جهة ولاية نهر النيل بالكامل لتكون جهة واحدة ممثلة في هيئة النقل النهري، بما يسهم في تسهيل وتشجيع إجراءات الاستثمار وتطوير منظومة النقل النهري.
إنشاء شبكة موانئ نهرية متخصصة
وشملت الخطة إنشاء شبكة من الموانئ النهرية لاستقبال وشحن البضائع المختلفة والحاويات باستخدام الوحدات النهرية، إلى جانب خدمة حركة نقل الركاب والبضائع عبر نهر النيل.
وتتوزع هذه الموانئ على مختلف محافظات الجمهورية، مع وجود موانئ تخصصية تخدم أنواعًا محددة من البضائع، ويمكن الاستفادة منها في استقبال وشحن البضائع العامة من خلال التعاقد وبالتعاون مع الهيئة العامة للنقل النهري.
تطوير الأهوسة والمجرى الملاحي
وتعمل وزارة النقل على صيانة وتطوير الأهوسة بشكل مستمر بالتنسيق مع وزارة الموارد المائية والري، كما تم إنشاء عدد من الأهوسة الجديدة وفق أحدث المعايير الهندسية، بما يحقق زيادة الطاقة الاستيعابية وتقليل زمن العبور، مع تشغيلها على مدار 24 ساعة.
كما يتم تنفيذ أعمال تطهير وتكريك وصيانة المجرى الملاحي لنهر النيل، بهدف الوصول إلى مسار ملاحي آمن، وتيسير حركة الملاحة للرحلات النيلية السياحية، وحركة التجارة باستخدام الوحدات النهرية.
منظومة معلومات نهر النيل (RIS)
وفي إطار التحول الرقمي، تقوم وزارة النقل، من خلال الهيئة العامة للنقل النهري، وبالتعاون مع شركة متخصصة من دولة النمسا – إحدى الدول الرائدة في النقل النهري – بتنفيذ منظومة البنية المعلوماتية لنهر النيل المعروفة عالميًا باسم River Information Services (RIS).
وتهدف هذه المنظومة إلى توفير خرائط إلكترونية لتحديد المسارات الآمنة للوحدات النهرية، وتبادل المعلومات مع الهيئة، ومتابعة حركة الوحدات داخل المجرى الملاحي، بما يحقق أعلى معدلات السلامة والأمان، مع إمكانية تقديم خدمات معلوماتية لمشغلي وشركات النقل النهري.
دعوة صريحة للقطاع الخاص
وفي ضوء توجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي بتعظيم مشاركة القطاع الخاص في مشروعات وزارة النقل، وجهت الوزارة دعوة مفتوحة لكل شركات القطاع الخاص العاملة في هذا المجال للاستثمار في النقل النهري، لما يتمتع به من مزايا اقتصادية وبيئية عديدة، من أبرزها:
- تخفيف الأعباء المالية على الدولة وتقليل الإنفاق على صيانة الطرق.
- انخفاض تكلفة النقل، حيث تعادل الوحدة النهرية نحو 40 شاحنة نقل بري.
- الحفاظ على البيئة وتقليل التلوث البصري والسمعي والهوائي.
- خفض معدلات الحوادث الناتجة عن النقل البري.
وأكدت الوزارة أن النقل النهري يتكامل مع النقل البري ضمن منظومة النقل متعدد الوسائط، بما يتيح نقل البضائع من الباب إلى الباب، وهو أحد المتطلبات الأساسية لمجتمع رجال الأعمال.
مجالات استثمارية واعدة
وأشارت وزارة النقل إلى أن أبرز مجالات مشاركة القطاع الخاص في النقل النهري تشمل:
- إنشاء وحدات نهرية حديثة ومتخصصة لنقل المواد البترولية، مطابقة للمعايير البيئية والصحية والأمنية العالمية، وبالتنسيق مع وزارة البترول والثروة المعدنية.
- بناء وحدات نهرية حديثة لنقل الحاويات والسيارات.
- إنشاء موانئ وأرصفة نهرية جديدة لدعم حركة التجارة والنقل.
وأكدت وزارة النقل استمرارها في تقديم كافة أوجه الدعم الفني والتنظيمي لتشجيع الاستثمارات الجادة في هذا القطاع الحيوي، بما يسهم في تحقيق تنمية مستدامة وتعزيز كفاءة منظومة النقل في مصر.
Short Url
مواعيد قطارات تالجو الإسبانية على خطوط السكة الحديد اليوم الثلاثاء
27 يناير 2026 07:20 ص
سفينتان تستقران بميناء الدخيلة و12 سفينة تقترب من الوصول
27 يناير 2026 04:20 ص
14 سفينة تقترب من الوصول إلى ميناء الإسكندرية خلال 10 أيام
27 يناير 2026 02:20 ص
أكثر الكلمات انتشاراً