الإثنين، 26 يناير 2026

04:38 م

من الغباء الاصطناعي إلى اقتصاد الـ50 تريليون دولار.. التعلم الذاتي يعيد تشكيل صناعة الـAI

الإثنين، 26 يناير 2026 03:11 م

الغباء الاصطناعي

الغباء الاصطناعي

لم يعد الذكاء الاصطناعي، مجرد منتجٍ برمجي أو إنجازٍ علمي مثير للإعجاب، بل تحول إلى منظومةٍ اقتصاديةٍ كاملةٍ تتقاطع فيها الطاقة ورأس المال والموارد البشرية والسياسة الصناعية، فكل تحسن في أداء النماذج، يقابله تضخمٌ في كلفة التشغيل والتدريب، ما يجعل الذكاء الاصطناعي، أحد أكثر القطاعات استنزافًا للاستثمار في العصر الحديث، ولم يعد السؤال هو ماذا يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يفعل، بل كم سيكلفنا أن نعلمه أن يفعل ذلك.

 

اقتصاد التعلم الخاضع للإشراف.. عوائد محدودة وسقف مكلف

واعتمدت النماذج الأولى للذكاء الاصطناعي، على التعلم الخاضع للإشراف البشري، حيث يتم تلقين الآلة عبر بيانات مصنفة وموسومة بعناية، وهذا النموذج أثبت فعاليته في مهام محددة، لكنه اقتصاديًا كشف عن أزمة حقيقية. 

فكل توسعٍ في نطاق الاستخدام، يتطلب مضاعفة حجم البيانات المصنفة، ما يعني زيادة تكاليف العمالة البشرية، وزمن التدريب، واستهلاك الطاقة.

ومن منظورٍ اقتصادي بحت، أصبح هذا النموذج غيرُ قابلٍ للاستدامة، لأنه يستهلك مواردَ أكثر ما يولد من قيمة معرفية جديدة، ويخلق نماذجَ ذكية في نطاقٍ ضيق، لكنها عاجزة عن التكيف مع الواقع المتغير.

المشكلة الجوهرية التي تعاني منها أنظمة الذكاء الاصطناعي، ليست نقص البيانات، بل غياب ما يعرف بالحس السليم، فالآلة لا تفهم السياق ولا تمتلك نموذجًا فطريًا للعالم، بل تتعامل مع الواقع بوصفه أنماطًا إحصائية، وهذا القصور المعرفي يفرض كلفةً اقتصاديةً ضخمةً لا يستهان بها، إذ يتطلب تعويض غياب الحس السليم، ملايين الأمثلة وساعات تدريب لا حصر لها.

وهنا يظهر ما يمكن تسميته بفخ الغباء الاصطناعي، فكلما حاولنا جعل الآلة أذكى، احتجنا إلى استثمارات أكبر، دون ضمان تحقيق فهمٍ حقيقي للعالم، فهي في أخر المقام مجرد آلة.

 

التعلم الخاضع للإشراف الذاتي.. رهان اقتصادي قبل أن يكون تقنيًا

وجاء التعلم الخاضع للإشراف الذاتي (SSL) كتحولٍ جذري في طريقة التفكير الاقتصادي حول الذكاء الاصطناعي، وتقوم الفكرة على تقليص الاعتماد على الإنسان كمصدر إشراف، والسماح للآلة بالتعلم من بنية البيانات نفسها، عبر التنبؤ واستكمال الأجزاء الناقصة.

واقتصاديًا، يمثل هذا النهج محاولةً لخفض كلفة الإنتاج المعرفي، وتحسين كفاءة استغلال البيانات الخام، وتحويل الكم الهائل من البيانات غير المصنفة إلى موردٍ ذي قيمة.

وفي مجال معالجة اللغة الطبيعية، غير التعلم الذاتي قواعد اللعبة، فلم تكتف نماذج مثل BERT وRoBERTa بتحسين الأداء، بل أعادت تعريف العلاقة بين البيانات والقيمة، والنصوص غير المصنفة، التي كانت سابقًا عبئًا تخزينيًا، تحولت إلى مادة تدريبية عالية العائد.

وفي الرؤية الحاسوبية، أظهرت تقنيات مثل SWAV، أن تدريب النماذج على صورعشوائية غير موسومة، يمكن أن ينتج تمثيلات أكثر عمومية ومرونة، وهذا التقدم يعني اقتصاديًا، تقليل الاعتماد على البيانات المصنفة، لكن دون تقليل حجم الاستثمار الكلي.

 

فاتورة الطاقة.. الكلفة التي لا يمكن تجاهلها

ورغم كل هذه المزايا، لا يلغي التعلم الذاتي المشكلة الأكبر، ألا وهو استهلاك الطاقة، كما أن تدريب نماذج ضخمة، يتطلب مراكز بيانات عملاقة، وبنية تحتية كهربائية تضاهي استهلاك دول كاملة. 

وتشير تصريحات قادة الصناعة حول الحاجة إلى استثمارات، قد تصل إلى 50 تريليون دولار، وتكشف أن الذكاء الاصطناعي أصبح مشروعًا رأسماليًا عالميًا، لا مجرد منتجٍ تقني.

وهذه الكلفة تعيد طرح أسئلة جوهرية حول الاستدامة، ومن سيدفع الثمن، ومن سيحصد العوائد، ومدى هامش التطور الذي من الممكن أن يصل إليه الذكاء الاصطناعي في المستقبل.

وفي اقتصاد الذكاء الاصطناعي، تتحول اللغة إلى أصلٍ استراتيجي، فاللغات منخفضة الموارد، ومنها العربية، كما تعاني من ضعف التمثيل في بيانات التدريب، ما يؤدي إلى أداءٍ أقل للنماذج، ويكرس تبعية معرفية وتقنية، وهذه الفجوة ليست ثقافية فقط بل اقتصادية، لأنها تحد من قدرة هذه اللغات على المنافسة في سوق التطبيقات الذكية، وهو ما يجعل ابتكاره ليصبح روبوت عربي صعبة المنال.

 

هل يقترب الذكاء الاصطناعي من الذكاء البشري؟

التعلم الخاضع للإشراف الذاتي، يقرب الآلة خطوة من فهم العالم، لكنه لا يمنحها إدراكًا بشريًا حقيقيًا، فما يقدمه هو تحسين القدرة على التنبؤ والتعميم، أي تقليص مساحة الغباء، لا القضاء عليه، ومع ذلك، يظل هذا النهج أفضل الخيارات المتاحة، ضمن معادلةٍ اقتصاديةٍ معقدةٍ، فالذكاء الاصطناعي لم يعد رخيصًا، وأي محاولة للارتقاء بمستقبل الذكاء الاصطناعي، يجب أن يكون مدروسًا.

والذكاء الاصطناعي اليوم هو اقتصادٌ قائمٌ بذاته، والتعلم الخاضع للإشراف الذاتي ليس حلًا سحريًا، بل أداة لإعادة توزيع الكلفة بين البشر والطاقة ورأس المال، ففي عالم يعاد فيه تسعير المعرفة، يصبح السؤال الأهم من يملك القدرة على تمويل الذكاء، ومن سيبقى على هامش هذه الثورة؟.

اقرأ أيضًا:-

«الذكاء العاطفي في عصر الذكاء الاصطناعي» ندوة لبحث مستقبل بيئات العمل غدا

«الذكاء الاصطناعي يهدد الوظائف»، طلب إحاطة للحكومة حول حماية العمالة والشباب

Short Url

search