عندما تحول الابتكار المالي إلى خدعة، "إنرون" من قمة وول ستريت إلى أكبر إفلاس تاريخيا
السبت، 24 يناير 2026 12:00 م
انهيار إنرون
لم يكن اسم إنرون في أواخر التسعينيات مجرد شركة طاقة أمريكية تتخذ من تكساس مقرًا لها، بل كان رمزًا لعصر كامل من التفاؤل الاقتصادي، والابتكار المالي، والرهان المفتوح على السوق الحر بلا قيود.
كانت وول ستريت تنظر إليها بوصفها نموذجًا للشركة الحديثة التي كسرت القواعد التقليدية، وابتكرت أسواقًا جديدة، وأعادت تعريف معنى الربحية، غير أن هذا البريق أخفى خلفه منظومة معقدة من التلاعب والخداع، انتهت بأحد أكبر الانهيارات في تاريخ الرأسمالية الحديثة.
من اندماج تقليدي إلى عملاق طاقة
تأسست شركة إنرون عام 1985 نتيجة اندماج شركتين للغاز الطبيعي هما هيوستن ناتشورال غاز وإنترنورث، في وقت كانت فيه الولايات المتحدة تشهد موجة تحرير لأسواق الطاقة، تولى حينها كينيث لاي منصب الرئيس التنفيذي للشركة الجديدة، وبدأت إنرون مسيرتها كشركة تقليدية لنقل وبيع الغاز الطبيعي.
خلال سنواتها الأولى، حققت الشركة نموًا متسارعًا مستفيدة من البيئة التنظيمية المرنة، وسرعان ما تحولت من مجرد ناقل للطاقة إلى وسيط مالي بين المنتجين والمستهلكين، وبحلول التسعينيات، كانت إنرون قد وضعت قدمها في قلب سوق الطاقة الأمريكي، وبدأت في بناء صورة ذهنية باعتبارها شركة مبتكرة لا تشبه منافسيها.
من الطاقة إلى المال.. التحول الخطير
التحول المفصلي في تاريخ إنرون جاء عندما قررت الإدارة العليا تحويل الشركة إلى منصة لتداول مشتقات الطاقة، ولم تعد إنرون تكتفي ببيع الغاز أو الكهرباء، بل أصبحت تبتكر عقودًا مالية معقدة تتيح للمشترين والبائعين التحوط ضد تقلبات الأسعار.
في هذه الصفقات، لعبت إنرون دور الوسيط والطرف المقابل في آن واحد، حيث كانت تتفاوض على عقود طويلة الأجل بأسعار ثابتة مقابل رسوم، وهو ما جذب المنتجين والمستهلكين على حد سواء، وسرعان ما سيطرت الشركة على سوق عقود الغاز الطبيعي في الولايات المتحدة، وبدأت في تحقيق أرباح ضخمة.
هذا النجاح شجع الإدارة على توسيع النشاط ليشمل تجارة الكهرباء، والفحم، والصلب، وحتى النطاق العريض للاتصالات، في وقت كانت فيه فقاعة «دوت كوم» في ذروتها.

إنرون أونلاين.. السوق الذي لا ينام
في عام 1999، أطلقت الشركة منصتها الإلكترونية الشهيرة Enron Online، والتي مثلت طفرة حقيقية في عالم تداول السلع. المنصة كانت تنفذ صفقات يومية بقيمة تصل إلى 2.5 مليار دولار، وجعلت من إنرون طرفًا في كل معاملة، سواء كبائع أو مشتري.
وبحلول عام 2000، تجاوز حجم التداول عبر المنصة 350 مليار دولار سنويًا، ما عزز صورة الشركة كمبتكر مالي لا يضاهى، هذا النجاح الإعلامي توج بتصنيف إنرون كـ«الشركة الأكثر ابتكارًا في أمريكا» من قبل مجلة Fortune لست سنوات متتالية بين 1996 و2001، لكن تحت هذا النجاح الظاهري، كانت الأسس المالية للشركة تتآكل.
اعتمدت إنرون على أسلوب محاسبي مثير للجدل يعرف باسم Mark-to-Market Accounting، والذي يسمح بتسجيل الأرباح المتوقعة من المشاريع طويلة الأجل فور توقيع العقود، وليس عند تحقق الإيرادات فعليًا.
فعلى سبيل المثال، إذا قررت إنرون بناء محطة كهرباء، كانت تقوم بتقدير الأرباح المتوقعة طوال عمر المشروع وإضافتها مباشرة إلى قوائم الدخل، حتى قبل أن ينتج المشروع دولارًا واحدًا، وعندما تأتي النتائج الفعلية أقل من التوقعات، لا يتم تسجيل الخسائر، بل يتم إخفاؤها بطرق ملتوية.
الشركات ذات الأغراض الخاصة.. قلب الخدعة
لإخفاء الخسائر والديون، لجأت إنرون إلى إنشاء مئات الشركات ذات الأغراض الخاصة (SPEs)، وهي كيانات قانونية مستقلة ظاهريًا، لكنها في الواقع كانت خاضعة لسيطرة إنرون أو مديريها التنفيذيين.
تم نقل الأصول الخاسرة والديون المتراكمة إلى هذه الشركات الوهمية، مما سمح بظهور ميزانية إنرون وكأنها قوية ومستقرة، وكان أندرو فاستو، المدير المالي للشركة، العقل المدبر لهذه الشبكة المعقدة، حيث استفاد شخصيًا من إدارتها، في تضارب صارخ للمصالح.
بفضل هذه الممارسات، واصلت إنرون الإعلان عن أرباح فصلية متزايدة، بينما كانت في الواقع تنزف ماليًا، وارتفع سعر سهمها ليصل في أغسطس 2000 إلى أكثر من 90 دولارًا، في حين كانت الخسائر الحقيقية تتراكم في الظل.
المفارقة أن المديرين التنفيذيين حصلوا على مكافآت ضخمة مبنية على أرباح لم تتحقق، بينما تم تشجيع الموظفين على استثمار مدخراتهم التقاعدية في أسهم الشركة، دون علمهم بحقيقة الوضع المالي.
عندما بدأ بعض المحللين في طرح أسئلة حول شفافية القوائم المالية، واجهوا ضغوطًا شديدة، أحد أبرز هؤلاء كان محلل في ميريل لينش يدعى جون أولسن، الذي أُقيل من عمله بعد إثارة الشكوك حول إنرون، في حين حصلت شركته لاحقًا على عقود بمئات الملايين من الدولارات.
أما شركة التدقيق آرثر أندرسن، إحدى أكبر خمس شركات محاسبة في العالم آنذاك، فقد لعبت دورًا محوريًا في استمرار الخداع، إذ صادقت على القوائم المالية رغم علمها بالمخالفات، بل وشاركت في تصنيف خاطئ لمئات الملايين من الدولارات.

بداية الانهيار
مع تباطؤ الاقتصاد الأمريكي مطلع الألفية الجديدة وانفجار فقاعة الإنترنت، بدأ النمو الوهمي لإنرون في الانكشاف، وفي منتصف عام 2001، زادت تساؤلات المحللين، وفي أكتوبر أعلنت الشركة خسارة مفاجئة بلغت 638 مليون دولار.
بعد ذلك بأسابيع، فتحت هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية تحقيقًا في معاملات إنرون مع الشركات ذات الأغراض الخاصة، لتتكشف واحدة من أكبر عمليات التلاعب المحاسبي في التاريخ.
في الثاني من ديسمبر 2001، تقدمت إنرون بطلب الحماية من الإفلاس، في أكبر إفلاس تشهده الولايات المتحدة آنذاك. انهار سعر السهم من أكثر من 90 دولارًا إلى أقل من دولار واحد خلال أشهر، وخسر آلاف الموظفين والمستثمرين مدخراتهم.
تمت إدانة عدد من كبار المسؤولين التنفيذيين، حيث حكم على جيفري سكيلينج بالسجن لفترة طويلة، بينما توفي كين لاي قبل صدور الحكم عليه، كما أدين أندرو فاستو ومسؤولون آخرون.
أما شركة آرثر أندرسن، فقد أدى تورطها في الفضيحة وتدميرها لوثائق مهمة إلى انهيارها فعليًا، لتتحول «الخمسة الكبار» في المحاسبة إلى أربعة فقط.
تداعيات غيرت قواعد اللعبة
لم تكن فضيحة إنرون مجرد قصة سقوط شركة، بل كانت زلزالًا هز الثقة في الأسواق المالية الأمريكية، وخسر حينها المساهمون أكثر من 74 مليار دولار، واضطرت الحكومة الأمريكية إلى التدخل لإعادة بناء الثقة.
في عام 2002، أقر الكونجرس قانون ساربانز–أوكسلي، الذي شدد الرقابة على الشركات العامة، وفرض مسؤولية مباشرة على الرؤساء التنفيذيين والمديرين الماليين عن صحة القوائم المالية، وأصبح حجر الأساس في حوكمة الشركات الحديثة.
قصة إنرون تظل حتى اليوم مثالًا صارخًا على مخاطر الجشع، وضعف الرقابة، وتواطؤ المؤسسات المفترض أنها حارسة للنزاهة، فقد أثبتت أن الابتكار المالي، حين ينفصل عن الشفافية والمساءلة، يمكن أن يتحول من أداة نمو إلى سلاح تدمير شامل.
إنه انهيار لم يكن مجرد سقوط شركة، بل سقوط وهم كامل عن أن الأسواق قادرة دائمًا على تصحيح نفسها بنفسها.
اقرأ أيضًا:
بين الاستثمار والتمويل الاستهلاكي، كيف نتجنب الانهيار المالي المقبل؟
Short Url
10 شركات تسيطر على السوق عالميا، خطة مصرية لتوطين صناعة المصاعد والسلالم الكهربائية
24 يناير 2026 04:25 م
%22.4 نسبة انتشار السكري في مصر 2024 وجرس إنذار يهدد ربع سكاننا البالغين
23 يناير 2026 06:30 م
أكثر الكلمات انتشاراً