بين الاستثمار والتمويل الاستهلاكي، كيف نتجنب الانهيار المالي المقبل؟
الثلاثاء، 06 يناير 2026 06:01 م
الاستثمار المصري
لم تمر تصريحات خفض نسبة الدين العام مرور الكرام، بل وصلت إلى مستويات تاريخية، إذ تراجع نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي من 96% قبل عامين إلى 84% حاليًا، ويعتبر ذلك مؤشرًا على تحسن المسار المالي، ومدخلًا للحديث عن إمكانية العودة بمعدلات الدين إلى مستويات لم تشهدها مصر منذ نحو 50 عامًا خلال السنوات المقبلة.
ورغم أن هذه الأرقام تعكس تحسنًا حسابيًا في أحد المؤشرات الكلية، فإن تقييمها على هذا الأساس وحده يظل قاصرًا إذا لم يُوضع في سياقه المالي والاقتصادي الأشمل، خصوصًا حين يربط هذا التحسن بتعهدات مستقبلية بمواصلة الهبوط إلى مستويات تاريخية.
فالسؤال الحقيقي لا يتعلق فقط بما تحقق رقميًا حتى الآن، بل بمدى واقعية واستدامة هذا المسار: هل يعكس انخفاض النسبة تحسنًا فعليًا في عبء الدين على الدولة؟ وهل تملك المالية العامة الأدوات اللازمة لتحويل هذا الاتجاه إلى مسار مستدام ينعكس على القدرة المالية وجودة حياة المواطنين؟

أولًا: نسبة الدين إلى الناتج المحلي.. مؤشر غير كافي
تمثل نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي أداة شائعة لقياس عبء الدين، لكنها تظل مؤشرًا جزئيًا لا يعكس بالضرورة القدرة الفعلية على السداد، ففي الحالة المصرية، لا يمكن قراءة التراجع الأخير في هذه النسبة بمعزل عن عاملين حاسمين:
- أولًا، النمو الاسمي المرتفع للناتج الناتج جزئيًا عن التضخم الحاد وتراجع سعر الصرف، ما أدى إلى تضخيم المقام وخفض النسبة حسابيًا دون تقليص مماثل في حجم الدين الحقيقي.
- ثانيًا، أن هذا المؤشر يقيس الدين مقارنة بحجم الاقتصاد ككل، لا مقارنة بموارد الدولة الفعلية التي تسدد منها الأقساط والفوائد.
وبالتالي، فإن التحسن في نسبة الدين إلى الناتج لا يعني تلقائيًا تحسن الاستدامة المالية، ما لم يصاحبه تحسن موازٍ في الإيرادات العامة وانخفاض ملموس في كلفة خدمة الدين.
ثانيًا: الدين إلى الإيرادات.. حيث تظهر المخاطر الحقيقية
تكشف المؤشرات الأكثر التصاقًا بالمالية العامة صورة أكثر دقة وأقل تفاؤلًا، فالإيرادات العامة في مصر لا تتجاوز نحو 18% من الناتج المحلي، منها قرابة 12-13% فقط إيرادات ضريبية، وهي من أدنى النسب عالميًا.
في المقابل، راكمت الدولة دينًا عامًا يقترب من خمسة أضعاف إيراداتها السنوية، ما يجعل نسبة الدين إلى الإيرادات في حدود شديدة الارتفاع، ويقيد قدرة الدولة على المناورة المالية.
الأخطر من ذلك هو عبء خدمة الدين؛ إذ تستهلك فوائد الدين وحدها ما يقرب من ثلاثة أرباع الإيرادات العامة، ونحو 85-90% من الإيرادات الضريبية، أي أن الجزء الأكبر مما تجمعه الدولة من ضرائب لا يذهب لتحسين الخدمات أو الاستثمار في المستقبل، بل لسداد فوائد التزامات سابقة.
وفي هذا السياق، يصبح أي تحسن شكلي في نسبة الدين إلى الناتج محدود الأثر، لأن الحيز المالي يظل مقيدا، والقدرة على إعادة توجيه الإنفاق شبه منعدمة.

رابعًا: الفجوة الهيكلية.. جوهر الأزمة المستمر
تنسجم هذه القراءة مع ما خلصت إليه ورقة مركز العدل السابقة حول الفجوة الهيكلية، والتي أكدت أن جوهر الأزمة الاقتصادية في مصر لا يكمن في ضعف النمو بقدر ما يكمن في عدم ترجمته إلى إيرادات سيادية مستدامة.
فالسياسة المالية اعتمدت لسنوات على ضرائب غير مباشرة واسعة القاعدة، وعلى إيرادات ريعية واستثنائية، مع ضعف الضرائب المباشرة على الدخل والثروة، ما خلق نظامًا ضريبيًا محدود الكفاءة وغير عادل في توزيع العبء.
ومع تآكل الحيز المالي، تحول ضبط الموازنة إلى عملية ضغط على الإنفاق الاجتماعي والاستثماري، بدلًا من كونه نتيجة لتحسن كفاءة الإنفاق أو اتساع قاعدة الموارد، وهنا يفقد الدين وظيفته التنموية، ويتحول من أداة لتمويل النمو إلى عبء دائم يعيد إنتاج نفسه.
خامسًا: لماذا لا يشعر المواطن بتحسن؟
المواطن لا يقيس أداء الاقتصاد بنسبة الدين إلى الناتج، بل بقدرته على تحمل كلفة المعيشة، وجودة الخدمات العامة، وفرص العمل والدخل الحقيقي.
وفي هذا الإطار، لم ينعكس التحسن الحسابي في المؤشرات المالية على الواقع المعيشي، في ظل تضخم مرتفع، وتآكل القوة الشرائية، وتراجع نسبي في جودة الخدمات، واستمرار الضغوط على الطبقة الوسطى.
ومن ثم، يصبح الحديث عن انخفاض تاريخي في الدين غير ذي معنى اجتماعي ما لم يترجم إلى تحسن ملموس في جودة الحياة، وهو ما يظل مقيدًا طالما استحوذت خدمة الدين على معظم الموارد العامة.

خاتمة وتوصيات
تؤكد هذه الورقة أن خفض نسبة الدين إلى الناتج المحلي خطوة إيجابية من حيث الاتجاه، لكنها تظل غير كافية للحكم على سلامة المسار المالي أو نجاح السياسات الاقتصادية.
فالاستدامة الحقيقية لا تقاس بمؤشر واحد، بل بقدرة الدولة على تمويل التزاماتها دون استنزاف مواردها، وبمدى قدرتها على ترشيد إنفاقها العام وحصر دورها الاقتصادي في المجالات التي لا يمكن للسوق القيام بها بكفاءة.
وانطلاقًا من ذلك، يوصي مركز العدل بما يلي:
- ترشيد الإنفاق العام عبر إعادة ترتيب الأولويات، وتقليص الإنفاق منخفض العائد الاقتصادي، وربط التوسع في الإنفاق بزيادة الإنتاجية لا بتراكم الأصول.
- الحد من بصمة الدولة في النشاط الاقتصادي، مع الانتقال التدريجي من دور المستثمر المباشر إلى دور المنظم والمحفز، بما يفتح مساحة أوسع لمبادرة القطاع الخاص.
- توسيع القاعدة الضريبية بشكل عادل وفعال بدل الاعتماد على حلول تمويلية استثنائية، وإعادة توجيه الاقتراض نحو أنشطة إنتاجية ترفع القدرة على السداد وتدعم النمو الحقيقي.
- خفض كلفة الاقتراض عبر تحسين هيكل الدين وإطالة آجاله، وحماية الإنفاق الاجتماعي والاستثماري الأساسي باعتباره شرطًا للاستقرار الاقتصادي والاجتماعي لا عبنًا عليه.
- اعتماد مسار "السردية الوطنية" كإطار حاكم لإدارة الاقتصاد الكلي، بحيث تدار السياسات لا المشروعات، وتربط قرارات الدين والإنفاق والاستثمار بأهداف واضحة لجودة النمو، والإنتاجية، والأثر الاجتماعي، مع مؤشرات أداء مُعلنة وقابلة للمتابعة والمساءلة.
اقرأ أيضًا:
وزير المالية يوضح حقيقة نقل أصول الدولة إلى القطاع المصرفي لخفض الدين
خريطة الاقتصاد العالمي 2026، الانتقال من نمو «الفقاعات» إلي استدامة الإنتاج
تابع موقع إيجي إن، عبر تطبيق (نبض) اضغط هُــــــــنا.
تابع موقع إيجي إن، عبر تطبيق (تيليجرام) اضغط هُــــــــنا.
تابع موقع إيجي إن، عبر قناة (يوتيوب) اضغط هُــــــــنا.
تابع موقع إيجي إن، عبر تطبيق (واتساب) اضغط هُــــــــنا.
إيجي إن-Egyin، هو موقع متخصص في الصناعة والاقتصاد، ويهتم بتقديم خدمة صحفية متميزة للقارئ، وهدفنا أن نصل لقرائنا الأعزاء بالخبر الأدق والأسرع والحصري، إضافة للتغطية والمتابعة على مدار الـ24 ساعة، لـ"أسعار الذهب، أسعار العملات، أسعار السيارات، أسعار المواد البترولية"، في مصر والوطن العربي وحول العالم.
Short Url
نمو ضخم وفرص استثمارية غير مسبوقة، سوق الجسور العالمي يتخطى 120 مليار دولار في 2025
06 يناير 2026 02:00 م
من قمم 2025 إلى رهانات 2026، هل أصبحت العملات الرقمية أداة مالية ناضجة؟
04 يناير 2026 12:34 م
نمو يتخطى 6%، السناكس الصحية تغيّر خريطة الاستهلاك العالمي
04 يناير 2026 11:22 ص
أكثر الكلمات انتشاراً