-
حبس وغرامة 50 ألف ريال، السعودية تُطارد الوافدين المتأخرين عن المغادرة بعد انتهاء التأشيرة بعقوبات رادعة
-
مولدات وعوازل ومحولات جهد عالي، فرص صناعية ضخمة للتوطين وتخفيض فاتورة الاستيراد
-
9.4 مليار دولار قيمة صادرات مصر من الأسمدة والمنتجات الكيماوية في 2025
-
طلب إحاطة للحكومة حول خطة إدارة مخاطر استثمارات الأجانب قصيرة الأجل
ميزان المدفوعات المصري 2026، تحويلات المصريين بالخارج تتحول إلى خط الدفاع الأول عن الجنيه
الثلاثاء، 27 يناير 2026 04:09 م
الاقتصاد المصري
ميرنا البكري
يظهر تقرير ميزان المدفوعات للربع الأول من السنة المالية 2025/2026 في توقيت حساس للاقتصاد المصري، فهو ببساطة يعمل كمرآة حقيقية لنتائج حزمة الإصلاحات النقدية والهيكلية، التي تم اتباعها خلال الفترة الماضية.
وبعد عدة شهور من الضغط العنيف على موارد النقد الأجنبي، تكشف الأرقام الحالية مؤشرات تعافٍ ليست كاملة، لكنها محسوبة بدقة فهي قائم بالأساس على عودة القنوات الرسمية، لتدفقات الدولار للقيام بدورها الطبيعي من جديد.
ولا تقتصر أهمية هذا التقرير، على عرض الانخفاض في عجز الحساب الجاري بأكثر من 45%، وفقًا للبيان الصحفي الصادر من البنك المركزي المصري، لكن الأهم هو التحول في شكل ومصادر التدفقات نفسها.
وتواجه مصر الآن ديناميكيات جديدة تحرك الاقتصاد من قطاعات خدمية، أثبتت قدرة قوية على الصمود كالسياحة وقناة السويس، في مقابل اختلالات هيكلية قديمة، لازالت تضغط بقوة على الميزان التجاري، وعلى رأسها ملف الطاقة.
ومن هنا، نحاول في هذا التحليل ألا نكتفي بالأرقام المجردة، بل نتجاوزها إلى تفكيك التساؤل الأهم، فهل التحسن الذي يحدث في الاقتصاد يعكس مسارًا مستدامًا بالفعل وقادر على الاستمرار على المدى المتوسط؟ أم مجرد تحسنٍ مؤقتٍ أو هدنةٍ قصيرةٍ قد تعود الضغوط بعدها على ميزان المدفوعات بشكلٍ أو بآخر؟

الحساب الجاري، استعادة الثقة وتغيير بوصلة الموارد
ويعد تراجع عجز الحساب الجاري بنسبة 45.2%، ليستقر عند 3.2 مليار دولار، مؤشرًا قويًا على نجاح سياسات التصحيح النقدي التي تم تطبيقها خلال الفترة الأخيرة، لكن القيمة الحقيقية لهذا التطور ليس في الرقم ذاته بقدر ما تكمن في طبيعة الموارد التي أصبحت تمول الحساب الجاري.
كما أصبحت تحويلات المصريين العاملين بالخارج، التي وصلت إلى 10.8 مليار دولار، الركيزةً الأساسية للاستقرار الخارجي، وهو ما يعكس بشكلٍ واضحٍ تفوق القنوات المصرفية الرسمية على السوق الموازية.
ينقل هذا التحول الاقتصاد من مرحلة كان بها التركيز على تدبير السيولة بأي شكل، إلى مرحلة أكثر استقرارًا قوامها استعادة المسارات الطبيعية لتدفقات النقد الأجنبي، ويدعم هذا التوجه أيضًا، الأداء القوي لكل من السياحة وقناة السويس، اللذين اظهرا درجة عالية من المرونة، رغم حالة عدم اليقين الإقليمي، والاضطرابات في حركة التجارة العالمية.
الفجوة التجارية، الصادرات الصناعية في مواجهة الفجوة البترولية
ورغم النمو القوي في الصادرات غير البترولية التي ارتفعت إلى 9.8 مليارات دولار، إلا أن القراءة الأعمق تكشف تحدٍ هيكلي متفاقم في الميزان التجاري البترولي، والذي سجل عجزًا وصل إلى 5.2 مليارات دولار، ويمثل هذا العجز فعليًا ثقبًا أسود يمتص جانبًا كبيرًا من مكاسب القطاعات الأخرى غير البترولية، خاصةً مع تحول مصر من مصدر للغاز الطبيعي، إلى مستوردٍ صافٍ لتغطية احتياجات السوق المحلي من الطاقة.
وبالتالي فإن استدامة التحسن في ميزان المدفوعات، تظل مرهونة بقدرة الدولة على تضييق هذه الفجوة، سواءً من خلال التوسع في استثمارات الطاقة المتجددة، أو عبر تعميق التصنيع المحلي، وتقليل الاعتماد على الاستيراد تحديدًا، كما أن فاتورة الواردات غير البترولية، ما زالت مرتفعة عند حدود 19.3 مليار دولار.

ميزان دخل الاستثمار، عبء التكلفة الرأسمالية
ويبرز عجز ميزان دخل الاستثمار الذي بلغ حوالي 4.4 مليار دولار، كواحدٍ من أخطر مواطن الضعف في هيكل ميزان المدفوعات، كما يعكس تضاعف مدفوعات الأرباح والفوائد بشكلٍ مباشرٍ، تكلفة الاعتماد على الاستثمار الأجنبي والتمويل الخارجي؛ فكل دولارٍ يدخل الاقتصاد في صورة استثمار أو قرض، يقابله التزامٌ مستقبلي بالخروج في صورة أرباحٍ أو فوائد.
ومن هنا، يصبح من الضروري، إعادة التوازن في خريطة الاستثمارات، بحيث يتم توجيه الجزء الأكبر من التدفقات الأجنبية إلى قطاعات إنتاجية وتصديرية، قادرة على خلق تدفقات دولارية ذاتية، تغطي التزاماتها دون أن تمثل ضغطًا إضافيًا على الاحتياطي النقدي.
الحساب المالي والميزان الكلي، قراءة مختلفة لإدارة السيولة
وللوهلة الأولى، قد يبدو تسجيل عجزٍ كلي في ميزان المدفوعات بقيمة 1.6 مليار دولار مؤشرًا سلبيًا، لكن التحليل الفني يكشف صورة مختلفة تمامًا، فالجزء الأكبر من هذا العجز نتج عن قيام البنوك بزيادة أصولها الأجنبية في الخارج بنحو 5.3 مليار دولار، في خطوة تُعرف ببناء المصدات الحمائية.
وبمعنى آخر، تعيد البنوك المصرية ترتيب مراكزها المالية، وتحصين قدرتها على تمويل التجارة الخارجية، ومواجهة أي تقلبات مفاجئة في التدفقات، وبالتالي فالضغط الحالي هو ضغط إيجابي ومقصود، يهدف لتعزيز الملاءة المالية مستقبلًا، وليس نتيجة هروب رؤوس أموال أو فقدان ثقة.

الاستثمار الأجنبي والأموال الساخنة، توازن دقيق وحساس
وسجل الاستثمار الأجنبي المباشر، صافي تدفقٍ للداخل بلغ 2.4 مليار دولار، مع تركيزٍ واضحٍ على إعادة استثمار الأرباح، وهو ما يعكس ثقة الشركات الأجنبية القائمة في السوق المصري، في المقابل هناك عودة استثمارات الحافظة المالية، أو ما يُعرف بالأموال الساخنة، واتي تبلغ قيمتها 1.8 مليار دولار.
وتضع الأموال الساخنة السياسة النقدية في حالة تأهبٍ دائمٍ؛ نظرًا لأن الاعتماد عليها، يجعلها ميزان المدفوعات الحساس لأي صدمة، أي إذا حدث أي مشكلة عالمية أو داخلية أو تراجعت معدلات الفائدة، أو تقلبات بالسوق العالمي، فتخرج هذه الأموال بسرعة، وهو ما يسبب ضغط على الاحتياطي وسعر الصرف.
ورغم أهمية هذا النوع من التدفقات في دعم السيولة يظل سريع الخروج، ويفرض الإبقاء على مستويات مرتفعة نسبيًا من أسعار الفائدة، ما ينعكس في النهاية على زيادة أعباء خدمة الدين والموازنة العامة.
توصيات لتعزيز الاستدامة ودعم الاقتصاد المصري وتقليل الهشاشة الاقتصادية
وبناءً على نتائج الربع الأول من العام المالي 2025/2026، ومع التحول الجاري من مرحلة التعافي الهش إلى السعي نحو استقرارٍ هيكلي مستدامٍ، يمكن طرح مجموعة من التوصيات العملية على النحو التالي:-
1. بناء استراتيجية «الأمن الطاقي» لضبط الميزان التجاري البترولي
ومن الضروري تسريع الاستثمار في مشروعات الربط الكهربائي، والتوسع في الطاقة المتجددة (الشمس والرياح)، بهدف تقليل الاعتماد المحلي على الغاز الطبيعي، وهو ما يساهم بشكلٍ مباشرٍ في خفض فاتورة الاستيراد البترولية، التي وصلت إلى 5.2 مليارات دولار.
وأيضًا لابد من تحفيز الشركاء الأجانب، عبر إعادة تصميم حوافز البحث والتنقيب، لزيادة الإنتاج من الحقول القائمة، بحيث يتم تقليل النزيف الدولاري، الناتج عن استيراد الزيت الخام والغاز الطبيعي.
2. التحول من الأموال الساخنة إلى الاستثمار المباشر الإنتاجي
ويجب على الحكومة توجيه الاستثمار الأجنبي المباشر بشكل واضح لقطاعات التصنيع من أجل التصدير، بدلًا من التركيز على العقارات أو الأنشطة الاستهلاكية، بما يضمن أن أرباح المستثمرين التي تخرج للخارج، ويتم تغطيتها من حصيلة صادراتهم بدون ضغط على ميزان دخل الاستثمار.
ولابد من العمل أيضًا على تقليل الاعتماد على الحافظة المالية، عن طريق البدء في خفضٍ تدريجي ومدروسٍ لأسعار الفائدة، مع تحسن معدلات التضخم، لتخفيف عبء خدمة الدين، وتقليل حساسية ميزان المدفوعات لتحركات الأموال قصيرة الأجل.
3. تعظيم دور تحويلات المصريين بالخارج وتحويلها لأداة استثمارية
ويمكن طرح أوعية ادخارية واستثمارية للمصريين بالخارج، مرتبطة بمشروعات صناعية أو قومية، وبضمانات دولارية واضحة، بحيث تتحول التحويلات من مجرد مصدر سيولة إلى رأس مالٍ استثماري طويل الأجل، يدعم النمو والإنتاج.
اقرأ أيضًا:-
عاجل| انخفاض عجز الحساب الجاري 25.9%، البنك المركزي يكشف الأسباب
2 مليار دولار عجز كلي في ميزان مدفوعات مصر و4 مليار فائض، تفاصيل

4. تعميق التصنيع المحلي وتقليص المكون المستورد
ويجب دعم الصناعات المغذية التي تتمثل في مدخلات أساسية للمصانع الكبرى، لأن فاتورة الواردات غير البترولية المرتفعة تبلغ 19.3 مليار دولار، وتعكس أن جزءً كبيرًا من الصادرات الحالية، معتمد على مكونٍ أجنبي.
كما أن تعميق التصنيع المحلي، هو الطريق الأساسي لزيادة القيمة المضافة للصادرات المصرية، وتقليل هشاشتها أمام تقلبات الأسعار العالمية، ما يضمن رفع القيمة المضافة.
5. تعزيز المصدات الحمائية للجهاز المصرفي
ويجب إدارة الأصول الأجنبية، من خلال الاستمرار في سياسة تقوية صافي الأصول الأجنبية للبنوك، والذي وصل إلى 5.3 مليارات دولار، مع توجيه الجزء الأكبر من هذه السيولة، لتمويل استيراد السلع الرأسمالية (الآلات والمعدات)، بدلًا من السلع الاستهلاكية، بما يرفع القدرة الإنتاجية للاقتصاد على المدى المتوسط.
6. التحوط ضد المخاطر الجيوسياسية وتنويع مصادر الدخل
ومن الضروري أن تسعى الدولة لتنويع الموارد، وذلك لتقليل حساسية إيرادات قناة السويس، وسلاسل الإمداد لأي توترات إقليمية، من خلال التوسع في خدمات القيمة المضافة بقطاع الموانئ كخدمات التموين والصيانة والتخزين وتحويل الموانئ لمراكز لوجستية متكاملة، وليس مجرد نقاطٍ للعبور.
التحول المطلوب، من السيولة إلى الاستثمار الإنتاجي
ويمكن القول أن وضع ميزان المدفوعات المصري حاليًا، دخل مرحلة استقرارٍ فني متقدمٍ؛ فاستطاعت الدولة تغيير الاتجاه نحو مصادر عملة أجنبية أكثر استدامة وأقل تكلفة، مثل تحويلات المصريين العاملين بالخارج، وزيادة الصادرات السلعية، وهذا تطور مهم في حد ذاته.
وفي نفس الوقت، فإن العجز الكلي الذي ظهر، حتى لو جزء كبير منه ناتج عن اعتبارات تحوطية متعلقة بأصول البنوك، يظل إشارة تحذير بأن الاقتصاد لم يتحرر بالكامل من أعباء التمويل الخارجي، وتكلفة جذب رؤوس الأموال.
كما أن الاستدامة الحقيقية لميزان المدفوعات، ليست في تقليل رقم العجز فقط، لكن في التعامل الجاد مع الفجوة الإنتاجية، التي تجعل الميزان البترولي والسلعي دائمًا معرضين لتقلبات الأسعار العالمية، فتحتاج المرحلة المقبلة لتحولٍ حقيقي في السياسات الاقتصادية.
يركز هذا التحول على تحويل التدفقات النقدية الحالية من مجرد سيولة قصيرة الأجل، إلى استثمارات رأسمالية إنتاجيةٍ، قادرةٍ على توليد العملة الصعبة من داخل الاقتصاد نفسه، وهو ما يضمن تقليل الاعتماد على الأموال الساخنة، ويحمي مكاسبَ التعافي من أي صدمات جيوسياسية أو اقتصادية مقبلة.

Short Url
من 300 إلى 2 مليون دولار، دليل كامل لأسعار المحولات الكهربائية وأنواعها
25 يناير 2026 04:02 م
أوزمبيك بـ 4000 جنيه والدخل 5000، كيف يواجه المصريون فاتورة البقاء على قيد الحياة؟
25 يناير 2026 04:00 م
فورت نوكس إفريقيا في مصر.. من تصدير الخام إلى السيادة المالية
25 يناير 2026 12:10 م
أكثر الكلمات انتشاراً