معلومات الوزراء: التراث الثقافي للدول مهدد بسبب تزايد معدلات الهجرة والضغوط الاقتصادية
الأحد، 18 يناير 2026 11:33 ص
التراث الثقافي غير المادي
أصدر مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء، تقريرًا جديدًا حول "التراث الثقافي غير المادي"، تناول فيه مفهوم التراث الثقافي غير المادي لليونسكو وأهميته، مستعرضًا مجالات التراث الثقافي غير المادي، ومجموعة التهديدات التي قد تؤثر في استمراريته، وقدرته على الانتقال بين الأجيال، وأبرز الجهود الدولية لحمايته، كما سلط الضوء على أبرز العناصر المدرجة على قائمة التراث الثقافي غير المادي لعام 2025، مع إيلاء اهتمامٍ للعناصر المصرية المدرجة.
ذاكرة حيّة للشعوب
وأوضح المركز أن التراث الثقافي غير المادي يظهر بوصفه ذاكرة حيّة للشعوب، ووعاءً تختزن فيه تجاربها وقيمها وأساليب تعبيرها عن ذاتها، فمن الأغاني الشعبية والحرف التقليدية، إلى الطقوس والاحتفالات والمعارف المتوارثة، تتجسد هوية الأمم في ممارسات لا تُحفظ في المتاحف، بقدر ما تُصان في الوجدان الجمعي، وتتناقل عبر الأجيال.
وانطلاقًا من هذا الإدراك، جاءت قائمة اليونسكو للتراث الثقافي غير المادي -التي تضم حاليًّا 849 ممارسة ثقافية في 157 دولة حول العالم- لتكون أداة عالمية لحماية هذه الكنوز الحيّة من الاندثار، وتعزيزًا لاحترام التنوع الثقافي، وتأكيد أن صون الهوية لا ينفصل عن دعم المجتمعات الحاضنة لها، وبالتالي، فإن هذه القائمة تسعى إلى ما هو أبعد من التوثيق، إذ تضع الإنسان وموروثه في قلب معادلة التنمية المستدامة، باعتبار الثقافة ركيزة أساسية للحوار والتفاهم بين الشعوب.
التراث الثقافي غير المادي
وأشار التقرير إلى أن المقصود "بالتراث الثقافي غير المادي"، هو تلك الممارسات وأشكال التمثيل وأوجه التعبير والمعارف والمهارات، فضلًا عن الأدوات والأشياء والتحف والأماكن الثقافية المرتبطة بها، التي تقرّ بها المجتمعات والجماعات، وفي بعض الحالات الأفراد، كجزءٍ من تراثهم الثقافي.
وقد شهد مفهوم التراث الثقافي" تحولًا ملحوظًا خلال العقود الأخيرة، ويرجع ذلك جزئيًا إلى الأطر والأدوات التي طورتها منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو)، فلم يعد التراث الثقافي" محصورًا في المعالم الأثرية والقطع المادية الأثرية فحسب، بل اتسع ليشمل أيضًا أشكال التعبير الحي التي ورثتها المجتمعات عن أسلافها وتناقلتها عبر الأجيال.
وشدد التقرير على أن أهمية التراث الثقافي، لا تقتصر على مظاهره التعبيرية بل تتعمق فيما يحمله من معارف ومهارات متوارثة تنتقل بين الأجيال، بما يمنحها بعدًا اجتماعيًا واقتصاديًا مؤثرًا خاصة لدى الأقليات، وتتجلى قيمته وأثره في الدول النامية والمتقدمة على حدٍ سواء.
وتتمثل أهمية التراث الثقافي غير المادي في تعزيز التماسك الاجتماعي، حيث يسهم في تقويض الروابط الاجتماعية من خلال الممارسات المشتركة مثل الطقوس والاحتفالات والفنون الشعبية، كما يضمن نقل القيم والمعارف من الأجيال الأكبر إلى الأصغر، ودعم الحوار بين الثقافات وتعزيز السلام، حيث يسهم في بناء التفاهم المتبادل بين الشعوب، وترسيخ قيم الاحترام المتبادل، وتقدير التنوع الثقافي والإبداع.
كما تتضمن كذلك أهمية عملية واقتصادية مستدامة، حيث تحمل المعارف التقليدية في مجالات الزراعة والطب وإدارة الموارد الطبيعية حلولًا بديلة ومستدامة للممارسات الحديثة، كما تسهم الحرف التقليدية والمهرجانات الثقافية، في تنشيط السياحة، وخلق فرصِ عملٍ ودعمٍ للاقتصادات المحلية.
بالإضافة إلى ذلك نقل الذاكرة الاجتماعية وحفظ القيم الثقافية، فالتراث الثقافي غير المادي، يعد وسيلة مركزيةً لنقل الذاكرة الاجتماعية بما تحمله من معتقدات وقيم وخبرات تاريخية بين الأجيال، فيما يؤدي فقدانه إلى تآكل الذاكرة الثقافية، وإضعاف الصلة بين الأفراد ومجتمعاتهم، واعتبار التراث الثقافي غيرٍ المادي أداة للمقاومة الثقافية، حيث يعمل كآلية رمزية لحماية الخصوصيات الثقافية ومقاومة التنميط.
كما أن الإسهام في التنمية المستدامة وتعزيز القدرات الإنسانية، يعزز رفاهة الأفراد من خلال ترسيخ الإحساس بالهوية ودعم القدرات والمعاني الإنسانية، وكذلك الحفاظ على الحرف التقليدية والزراعة وتقنيات إدارة الموارد، يمكن أن يعزز التنمية الاقتصادية مع حماية الممارسات البيئية في الوقت ذاته.
وأشار التقرير إلى أن التراث الثقافي غير المادي، يشمل الممارسات والمعارف وأشكال التعبير التي تقرّ المجتمعات المحلية بمكانتها المحورية في بنية هويتها الثقافية، جنبًا إلى جنب مع كل ما يرتبط بها من عناصر وأماكن، وتقترح اتفاقية اليونسكو لعام 2003 لصون التراث الثقافي غير المادي خمسة مجالات رئيسة تتمثل فيما يلي:- (التقاليد والتعبيرات الشفوية، وفنون الأداء، والممارسات الاجتماعية والطقوس والاحتفالات، والمعارف والممارسات المتعلقة بالطبيعة والكون، والحرف التقليدية).
الجهود الدولية لحماية التراث الثقافي غير المادي
واستعرض مركز المعلومات من خلال التقرير، الجهود الدولية لحماية التراث الثقافي غير المادي، حيث أوضح أنها تتضمن اتفاقية اليونسكو لصون التراث الثقافي غير المادي لعام 2003، حيث تستهدف الاتفاقية صون الممارسات والتمثيلات والتعبيرات والمعارف والمهارات، والتي تعترف بها المجتمعات والجماعات، كجزءٍ من تراثها الثقافي.
إضافة إلى آليات اليونسكو لصون التراث الثقافي غير المادي، حيث تستخدم ثلاث آليات رئيسة وهي التوجيهات التشغيلية لتنفيذ اتفاقية صون التراث الثقافي غير المادي، وتصفح قوائم التراث الثقافي غير المادي، وتسجيل أفضل ممارسات الحماية، ومنشورات قائمة الحماية العاجلة، والقائمة التمثيلية، وسجل أفضل ممارسات الحماية.
وكذلك أيضًا البرنامج العالمي لبناء القدرات، والذي يتبنى البرنامج فيه نهجًا شاملًا لضمان مشاركةٍ أوسعَ لجميع الجهات المعنية، فمن ناحية يعمل على تطوير أساليب حصر وصون التراث الثقافي غير المادي على مستوى المجتمعات المحلية، ومن ناحية أخرى، يدعم قدرة الدول على التنفيذ الفعال للاتفاقية.
وتم إنشاء صندوق تمويل التراث الثقافي غير المادي بموجب اتفاقية صون التراث غير المادي لعام 2003، والذي يُقدِّم الدعم للدول الأطراف في جهودها الرامية إلى صون التراث الثقافي غير المادي، ويأتي دور المنظمات غير الحكومية لصون التراث الثقافي غير المادي، وفي مقدمتها دور منتدى المنظمات غير الحكومية المعنية بالتراث الثقافي غير المادي (The ICH NGO Forum)، والذي تأسس عام 2010.
وتعد تلك منصة دولية تضم المنظمات غير الحكومية المعتمدة في هذا المجال، والتي تتمثل مهمتها في التواصل والتشبيك وتبادل الخبرات والتعاون بين المنظمات غير الحكومية العاملة في اتفاقية 2003، وصون التراث الثقافي غير المادي على أرض الواقع، كما يقوم المركز الدولي لدراسة صون وترميم الممتلكات الثقافية (ICCROM) بواجبه على أكمل وجه، رفقة المجلس الدولي للمعالم والمواقع.
قوائم التراث الثقافي غير المادي
وتناول التقرير أبرز العناصر المدرجة على قائمة التراث الثقافي غير المادي لعام 2025، ومن ذلك أكثر خمسة عناصر تحتاج إلى حماية عاجلة والتي تضمنت أوزبكستان في فن صناعة وعزف الكوبيز، وألبانيا في فن العزف والغناء وصنع آلة اللاهوتا، وباكستان في صناعة بوريندو، وهي آلة موسيقية شعبية قديمة في طريقها إلى الاندثار، بينما بنما تُعِد عمليات بناء منزل الكينشا والجونتا دي إمبار / إمبارا أمرا هامًا، فيما فيتنام تعمل على صناعة المطبوعات الخشبية الشعبية دونغ هو.
وأبرز خمسة عناصر على القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية، هي الإمارات العربية المتحدة في فن الآهلة من أداءٍ والسدو ومهارات النسيج التقليدية، والسودان عرفت بالجرتق وهي ممارسات وطقوس وتعبيرات للحفظ والحماية والوفرة والخصوبة، أما الأردن فشجرة المهراس وهي المعرفة والمهارات والطقوس المرتبطة بها، فيما العراق فتعد لعبة المحبيس ممارسات اجتماعية وتقاليد أخرى ترتبط بها.
واستعرض سجل الممارسات الجيدة في مجال حماية التراث الثقافي ومنها كرواتيا في حماية وتوثيق عادة كرنفال لاستوفو بوكلاد "Lastovo Poklad من قبل المجتمع المحلي، والإمارات العربية المتحدة ببرنامج حماية السدو وهي مهارات النسيج التقليدية، أما الصين فتعرف ببرنامج حماية رواية قصص هيتشن ييما كان Hezhen Yimakan.
بالإضافة لأبرز العناصر التي تم إزالتها من قوائم التراث الثقافي غير المادي لليونسكو، وذلك مثل محمية المها العربي في عُمان، ووادي إلبة (Elbe Valley) في دريسدن بألمانيا، وكرنفال ألوست في بلجيكا، ومرفأ ليفربول التجاري في المملكة المتحدة، ومهرجان دوكاس بمدينة آث" في بلجيكا.
كما تناول التقرير عددًا من العناصر المصرية التي أدرجتها منظمة اليونسكو على قوائم التراث الثقافي غير المادي، سواءً ضمن القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي، أو ضمن قائمة التراث الثقافي غير المادي الذي يحتاج إلى صونٍ عاجلٍ، وتظهر العناصر المصرية المدرجة تنوعًا واضحًا في أشكال التراث غير المادي، حيث تشمل ممارسات غذائية وفنونًا شعبيةً، وحرفًا يدوية تقليدية، وطقوسًا اجتماعية ودينية وأشكالًا من التعبير الأدبي والفني.
وتشمل تلك الممارسات "السيرة الهلالية"، والتي تم ضمها عام 2008، باعتبارها أحد أهم أشكال التراث الشفهي في مصر، لما تحمله من روايات شعرية ملحمية متوارثة، و"التحطيب" والذي أدرج عام 2016، كأحد أشكال التعبير الحركي المرتبط بالتقاليد الشعبية في مصر، و "فن الأراجوز" (العرائس اليدوية التقليدية)، وأدرج عام 2018 ضمن قائمة التراث الثقافي غير المادي، والذي يحتاج إلى صونٍ عاجلٍ في إشارة إلى أهمية الحفاظ عليه من الاندثار.
وتضم كذلك "النسيج اليدوي"، والذي أدرج في عام 2020 نظرًا لما يمثله من مهارات حرفية تقليدية، ويرتبط بالمجتمعات المحلية في جنوب مصر، و"الخط العربي" وأدرج عنصر المعارف والمهارات والممارسات المرتبطة بالخط العربي، ضمن القائمة التمثيلية عام 2021، باعتباره أحد أبرز أشكال التعبير الثقافي المرتبط باللغة والكتابة والفنون المصرية.
كما شهد عام 2022 إدراج عنصرين هما المهرجانات المرتبطة برحلة العائلة المقدسة في مصر، والتي تعكس ممارسات احتفالية ذات طابع ديني وثقافي، والممارسات المرتبطة بنخيل التمر، والذي يرتبط بالممارسات الزراعية والمعيشية، كما أدرج "فن النقش على المعادن" عام 2023، وأدرجت الحنة والسمسمية عام 2024، وكلاهما يعكس ممارسات اجتماعية وفنية متجذرة في الثقافة المصرية.
وتم إدراج "الكشري في عام 2025 ليعكس جانبًا من التراث الغذائي المرتبط بالحياة اليومية في المجتمع المصري، لتظهر بذلك العناصر المصرية المدرجة على قوائم التراث الثقافي غير المادي لليونيسكو تنوعًا ثقافيًا، وتعكس امتداد التراث غير المادي المصري من الممارسات الشفهية والفنية والحرفية إلى العادات الاجتماعية والغذائية.
خطر الاندثار
وأوضح التقرير أن التراث الثقافي غير المادي، يواجه مجموعة من التهديدات التي قد تؤثر في استمراريته، وقدرته على الانتقال بين الأجيال، ما يعرضه لخطر الاندثار، وتتمثل أبرز تلك التهديدات في تراجع التقاليد الشفهية، والتي تواجه العديد من التحديات بسبب التوسع الحضري والهجرة واسعة النطاق، فضلًا عن إلحاق الكتب والصحف والمجلات والإذاعة والتليفزيون وشبكة الإنترنت ضررًا بالغًا بالتعبيرات الشفهية.
وكذلك العولمة وتأثيرها السلبي على أساليب الحياة التقليدية وأنماطها، بما يؤدى لطمس بعض القيم الثقافية المحلية فضلًا عن فرض ثقافات غربية، والتغيرات الاجتماعية والاقتصادية التي تسهم في زيادة معدلات الهجرة، وهو الأمر الذي انعكس سلبًا على مستوى الاعتماد على العرفة التقليدية.
إضافة إلى عدم الاهتمام بالكنوز الحية، ويقصد بها عدم توجيه الرعاية اللازمة للأشخاص الذين يملكون المعرفة أو المهارة اللازمة لممارسة حرف توارثوها عن أجدادهم، كتراجع عدد ممارسي هذه الحرف التراثية المدرجة على قائمة التراث العالمي غير المادي، وهو ما جعل العديد من دول العالم تضع قوانين تهدف إلى العناية والاهتمام بالكنوز الحية، بالنظر إلى ما تحمله من ثقافة متجذرة ومتوارثة.
كما يعد التغير المناخي أحد الأسباب التي يمكن أن تؤدي إلى تهديد التراث الثقافي غير المادي، نظرًا لتزايد المناطق المهددة بسبب تغير المناخ، وكذلك المخاطر الأمنية والتي أدت إلى استمرار العنف وعدم الاستقرار في العديد من المناطق، نظرًا لما يستتبعه من حركات نزوح تؤدي إلى فقدان الممارسات والمعرفة التقليدية، وصعوبة الحفاظ على التراث وتناقله من جيل إلى آخر.
وتشمل كذلك نقص الموارد المالية والتقنية والبشرية الناتجة عن الصراعات وعدم الاستقرار، كما تتضمن التهديدات الإدارية والقانونية غياب استراتيجيات وطنية لحماية التراث الثقافي غير المادي، فضلًا عن غياب التشريعات القانونية التي تنظم العمل في مجال التراث غير المادي وتحافظ عليه.
أعمدة الهوية الثقافية
وأشار التقرير في ختامه، إلى أن التراث الثقافي غير المادي لا يُمثل مجرد بقايا من الماضي، بل موردًا حيًا ومتجددًا يشكل أحد أعمدة الهوية الثقافية للمجتمعات، ومن ثم فصونه وحمايته لا يتحقق فقط عبر إدراجه في قوائم التراث الثقافي غير المادي، وإنما يتطلب بالأساس دعم المجتمعات الحاضنة له، ودمج ممارساته في السياسات الثقافية والتعليمية والتنموية على المستويات كافة.
وفي السياق المصري، تؤكد العناصر المدرجة على قوائم التراث الثقافي غير المادي لليونسكو، عمق وتنوع الموروث الثقافي المصري وما يحمله من فرص لتعزيز الهوية الوطنية ودعم الاقتصاد الثقافي، على أن يتم الانتقال من منطق التوثيق إلى منطق الصون الفعّال والاستدامة.
ومن ثم فإن حماية "الكنوز الحيّة"، تظل مسؤولية مشتركة بين الدولة والمجتمع، وبين الأجيال الحالية والقادمة، وذلك من أجل ضمان استمرار الذاكرة الثقافية، بوصفها أحد أهم مقومات قوة الشعوب، وقدرته على التفاعل الخلّاق مع عالم سريع التحول.
Short Url
باستثمار 2.8 مليار دولار، شركة يابانية تنفذ وحدات سكنية بالإيجار في أمريكا
18 يناير 2026 10:32 ص
«سوزوكي» تخطط لإنشاء مصنع جديد غرب الهند باستثمارات تصل لـ4 مليارات دولار
17 يناير 2026 08:27 م
ترامب يتعهد بفرض رسوم جمركية بنسبة 10% على دول أوروبية بسبب جرينلاند
17 يناير 2026 07:40 م
أكثر الكلمات انتشاراً