تسونامي طبي، الأنسولين يغير معالم الاقتصاد العالمي و1.3 مليار مصاب بالسكري في 2050
الجمعة، 23 يناير 2026 10:43 ص
سوق الأنسولين العالمي
ميرنا البكري
يواجه العالم اليوم أزمة صحية متصاعدة وتسونامي طبي غير مسبوق، تهدد بتغيير ملامح سوق الأدوية العالمي، بعد تقرير جديد صادر عن مجلة "لانست"، يتوقع أن يصل عدد المصابين بالسكري إلى 1.3 مليار شخص بحلول عام 2050.
هذه الأرقام الصادمة ليست مجرد أرقام صحية، بل هي مؤشر على بداية تحول اقتصادي استراتيجي غير قابل للتجاهل، حيث تهيمن السمنة المفرطة، التي يعاني منها أكثر من مليار شخص حول العالم، من بينهم 159 مليون طفل ومراهق، ليصبحوا بمثابة "الوقود الحقيقي" الذي يشغل محركات نمو مبيعات الأنسولين في العالم، ويسيطر على مشهد النمو الاقتصادي والصحي.
من خلال هذا التقرير، نستعرض العلاقة المعقدة بين النمو الاقتصادي، وتزايد حالات السمنة والسكري، وشركات الأنسولين التي تجد نفسها في قلب هذه "العاصفة" الصحية والاقتصادية.
وتظهر التحليلات أن هناك مفارقة غريبة حيث يواجه الاقتصاد العالمي "مقايضة مكلفة"، فالتوسع الحضري والنمو الاقتصادي في آسيا والشرق الأوسط رغم أنهما يجلبان الدخل، إلا أنهما يخلقان أنماط حياة مليئة بالخمول والسمنة، ما يحول هذه المناطق العميل الأول لشركات الأنسولين عالميًا.

سقف 35 دولار في Medicare، قرار إنساني أم بداية زلزال تجاري؟
مع حلول عام 2026، اتخذت الولايات المتحدة قرارًا بتحديد سقف سعر الأنسولين عند 35 دولار ضمن برنامج (Medicare)، وهذا في ظاهره قرار إنساني، لكن في جوهره زلزال تجاري يغير قواعد اللعبة ويعيد تشكيل هوامش الربح، ومن منظور الشركات الكبرى، يعتبر خفض السعر طريقة لتحفيز نمو الحجم؛ لأن السعر المنخفض يفتح الباب لملايين المرضى الجدد يدخلون دائرة الاستهلاك، وبالتالي الشركات تعوض نقص الربح في الحقنة الواحدة بزيادة الكميات المباعة.
تحول الأمر في سوق الأنسولين إلى سياسة صناعية، فبدأت أوروبا تضغط عبر إعطاء الأولوية للبدائل الحيوية، كما سلكت الهند اتجاه آخر وبدأت تقدم حوافز ضخمة للإنتاج المحلي لكي توطن الصناعة.
يكشف هذا التحول أن الدول أصبحت تفكر في الأنسولين كجزء من أمنها القومي الصحي، ويحاولن البقاء بعيدًا عن تقلبات الإمدادات العالمية، وبالتالي لابد ان تدرك الشركات أن أنظمة التعويضات الصحية هي التي تتحكم في السوق فعليًا، وأي شركة لا تستطيع التواجد داخل القوائم الرسمية المدعومة، ستصبح خارج المنافسة سريعًا.

بدائل رخيصة من نفس الشركات، محاولة لإيقاف دخول الصين والهند
كان شهر فبراير 2025 نقطة تحول كبيرة في سوق الأنسولين بعد موافقة إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) على الأنسولين البديل "Merilog"، ومن هنا دخلت البدائل الحيوية السوق بقوة وبدأت تكسر احتكار الأسعار العالية، ويتجلى هذا بوضوح في التجربة الأوروبية؛ نظرًا لأن دخول البدائل الحيوية جعل أسعار الأنسولين الأصلي تنهار بنسبة 21.6%، لكن في أمريكا الموضوع أكثر تعقيدًا؛ نظرًا لأن نظام الخصومات والعقود لا يزال يعطي العلامات التجارية الكبيرة الأفضلية، مما يمنع يمنع البدائل الحيوية من الاستحواذ الكامل على الحصة السوقية بالسرعة المتوقعة.
يمكن القول أن الشركات الكبيرة هنا لديها دهاء اقتصادي كبير، وخاصةً الشركات الكبرى، بل يتصرفون بدهاء، فبدلًا من ترك المساحة للمنافسين الجدد من الصين والهند يكسبوا، يتبعون استراتيجية تُسمى بـ "الالتفاف الذاتي" أي يوفرون بدائل حيوية أرخص لمنتجاتهم عالية التكلفة.
وتكمن الفكرة هنا في أنهم يحاولون ضرب المنافسين الجدد قبل أن يوسعون حصتهم، ليستمروا في السيطرة على السوق، حتى لو هذا يعني أن الربح في كل وحدة ينخفض، لكن الهدف الأكبر الحفاظ على السيطرة والهيمنة ومنع أي شركة جديدة من تثبيت أقدامها في السوق.

توطين تصنيع "الأنسولين" أداة للسيادة الوطنية
تنفق شركة سانوفي (شركة فرنسية رائدة في الرعاية الصحية) مليار دولار في بكين، ومشاريع أخرى في البرازيل وجنوب شرق آسيا؛ لأن صدمة كورونا كانت بمثابة درس لدول العالم بأن سلاسل الإمداد الطويلة تعتبر انتحار، والتوطين يعتبر الاتجاه الجديد السائد في 2026.
يعتبر التوطين "سلاح ذو حدين"، فهو يضمن أن الدواء موجود باستمرار في السوق المحلي ويقلل تكاليف الشحن واللوجستيات، إلا أنه في نفس الوقت يرفع تكاليف الامتثال ومعايير الجودة لدرجة أنها أصبحت عالية للغاية، فالشركات الكبيرة أدركت اللعبة، وبدأت تتعامل مع الموضوع بطريقة "المواطنة المحلية"، أي تغير شكلها في كل بلد كأنها شركة وطنية بحتة، لكي تكسب العطاءات والمناقصات الحكومية وتثبت وجودها.
فالأحداث هنا تعتبر انقلاب انقلاب كامل من "العولمة" التي كانت تجعل الشركات تعمل بنفس الشكل في كل العالم، إلى "الأقلمة"، أي شركة مثل سانوفي في الصين تتصرف كأنها شركة صينية، وفي مصر تتعامل كأنها مصرية، وهذا ليس تغيير شكل فقط، بل أصبح ضرورة استراتيجية؛ نظرًا لأن التكاليف في كل بلد تكون عالية، ومن يستطيع تحملها يسيطر على السوق، ما يجعل القوة مركزة في يد العمالقة الذين يستطيعون التكيف مع القوانين والاشتراطات في كل دولة.
اقرأ أيضًا:
«الصحة» تكشف حقيقية نقص «الأنسولين» بمحافظة الشرقية
“نقص الأنسولين أزمة عالمية”، هيئة التأمين الصحي الشامل توضح
Short Url
نمو مرن وسط عالم مضطرب، لماذا لا يخشى العالم الركود في 2026؟
22 يناير 2026 04:02 م
المرأة تقود التغيير، السعودية تكتب فصلا جديدا بالتنمية الاقتصادية بعيدا عن النفط في 2026
22 يناير 2026 12:45 م
أكثر الكلمات انتشاراً