الخميس، 08 يناير 2026

10:26 م

إنتاج 10.6 مليون طن و2.2 مليار دولار صادرات، ماذا تقول أرقام الصلب عن الاقتصاد المصري؟

الإثنين، 05 يناير 2026 11:01 م

الحديد والصلب

الحديد والصلب

في عالم تقاس فيه قوة الدول بقدرتها الإنتاجية وبنيتها التحتية، تبرز صناعة الحديد والصلب كأحد الأعمدة الاقتصادية التي لا غنى عنها، فالحديد ليس مجرد عنصر فلزي، بل هو العمود الفقري للتنمية الصناعية، وعصب رئيسي تدور حوله عجلة الاقتصاد الحديث، ومن هنا يمكن القول أن قصة الحديد في جوهرها قصة التقدم ذاته.

تاريخيًا، ارتبط ازدهار الحضارات بقدرتها على إنتاج الحديد وتطويعه، فمع الانتقال من الأدوات البدائية إلى الهياكل العملاقة، أصبح الحديد لغة مشتركة بين الصناعة والعمران. 

واليوم، ما زالت هذه القاعدة ثابتة، إذ تظهر المؤشرات الاقتصادية العالمية وجود علاقة طردية واضحة بين استهلاك الصلب ومعدلات النمو الاقتصادي، فكلما زاد استهلاك الفرد من منتجات الحديد، دل ذلك على توسع في مشروعات البنية التحتية، ونشاط في قطاعات التشييد، والصناعة، والنقل.

معدن لا يمكن الاستغناء عنه

الصلب متجذر بعمق في مجتمعنا، فبناء المنازل والمدارس والمستشفيات والجسور والسيارات والشاحنات – على سبيل المثال لا الحصر – يعتمد بدرجة كبيرة على الصلب، كما سيعد الصلب عنصرًا أساسيًا في عملية التحول في مجال الطاقة، إذ تعتمد عليه الألواح الشمسية، وتوربينات الرياح، والسدود، والمركبات الكهربائية بدرجات متفاوتة. 

ومنذ عام 1970، ازداد الطلب العالمي على الصلب بأكثر من ثلاثة أضعاف، ولا يزال في تزايد مستمر مع نمو الاقتصادات، وتسارع التحضر، وارتفاع الاستهلاك، وتوسع مشروعات البنية التحتية.

ومن بين الصناعات الثقيلة، يحتل قطاع الحديد والصلب المرتبة الأولى من حيث انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، والمرتبة الثانية من حيث استهلاك الطاقة. 

إذ يسهم هذا القطاع بشكل مباشر في انبعاث نحو 2.6 جيجا طن من ثاني أكسيد الكربون سنويًا، أي ما يعادل 7% من إجمالي الانبعاثات العالمية الناتجة عن منظومة الطاقة، وهو مستوى يفوق الانبعاثات الصادرة عن جميع شاحنات النقل البري مجتمعة. 

ويعد قطاع الصلب حاليًا أكبر مستهلك صناعي للفحم، حيث يوفر الفحم نحو 75% من احتياجاته من الطاقة، ويستخدم الفحم لتوليد الحرارة ولإنتاج فحم الكوك، الذي يلعب دورًا محوريًا في التفاعلات الكيميائية اللازمة لإنتاج الصلب من خام الحديد.

 نصيب الفرد من استهلاك الحديد

في الدول الصناعية المتقدمة، يتجاوز نصيب الفرد من استهلاك الحديد 750 كيلوجرامًا سنويًا، مما يعكس ضخامة الإنتاج الصناعي وتنوعه، وعلى النقيض، ينخفض هذا الرقم بشدة في الدول النامية، ما يشير إلى فجوة تنموية لا تتعلق فقط بالدخل، بل بقدرة الاقتصاد على التصنيع وخلق القيمة المضافة، ومن هنا يصبح الحديد مؤشرًا اقتصاديًا صامتًا لكنه بالغ الدلالة.

اقتصاديًا، تمثل صناعة الحديد والصلب صناعة استراتيجية بامتياز، ليس فقط لحجم إنتاجها، بل لتشعب علاقاتها مع قطاعات أخرى، فهي صناعة “قاطرة” تقود خلفها عشرات الصناعات المغذية مثل التعدين، والحراريات، والسبائك، وصناعات الطاقة والنقل. 

وفي المقابل، تعد منتجات الصلب مدخلًا أساسيًا لصناعات السيارات، والسفن، والأجهزة المنزلية، والمعدات الهندسية، فضلًا عن مشروعات الإسكان والمرافق العامة كالمياه والصرف الصحي.

الأثر الاقتصادي لا يتوقف عند حدود الإنتاج، بل يمتد إلى سوق العمل، فالإحصاءات تشير إلى أن كل فرصة عمل مباشرة في صناعة الحديد والصلب تخلق ما يقارب تسع فرص عمل غير مباشرة في الصناعات المرتبطة بها. 

وهذا ما يجعل الاستثمار في هذا القطاع ذا عائد اجتماعي مرتفع، حيث يسهم في تقليص البطالة وتنشيط الاقتصاد المحلي، كما أن كل وحدة استثمار في صناعة الصلب تفتح المجال لاستثمارات مضاعفة في قطاعات أخرى، ما يعزز مفهوم “التنمية المتشابكة”.

أكثر الصناعات جدوى على المدى الطويل

ورغم ما تتطلبه صناعة الحديد من رؤوس أموال ضخمة وتكنولوجيا متقدمة، فإنها تظل من أكثر الصناعات جدوى على المدى الطويل، فالحديد يتميز بتكلفة إنتاج منخفضة نسبيًا مقارنة بغيره من المعادن، إلى جانب خصائص ميكانيكية عالية مثل المتانة والصلابة وقابلية التشكيل، هذه المزايا جعلته المادة الأكثر استخدامًا عالميًا، حيث يمثل نحو 95% من إجمالي إنتاج المعادن.

غير أن التحدي الاقتصادي الأكبر يكمن في تحقيق التوازن بين التوسع الإنتاجي والحفاظ على الكفاءة والاستدامة، فارتفاع تكاليف الطاقة، ومتطلبات حماية البيئة، والمنافسة العالمية، كلها عوامل تفرض على الدول المنتجة للحديد تحديث تقنياتها وتحسين كفاءة مصانعها، ومن ينجح في ذلك، يضمن لنفسه موقعًا متقدمًا في خريطة الاقتصاد العالمي.

قطاع الحديد والصلب في مصر

بدأت صناعة الحديد والصلب في مصر مع إنشاء شركة الحديد والصلب المصرية في خمسينيات القرن الماضي، ثم شهدت تطورًا متسارعًا عبر عقود بفضل الاستثمارات الحكومية والخاصة، لتصبح أحد أعمدة الصناعة الثقيلة في المنطقة. 

ويضم القطاع حاليًا نحو 92 مصنعًا نشطًا بطاقة إنتاجية إجمالية تصل إلى 12.3 مليون طن سنويًا، ما يتيح لمصر تلبية احتياجات السوق المحلية والمنافسة خارجيًا، فضلًا عن دوره المحوري في دعم المشروعات القومية الكبرى مثل العاصمة الإدارية الجديدة ومبادرة «حياة كريمة»، وتوفير آلاف فرص العمل وتعزيز الناتج المحلي الإجمالي.

وخلال عام 2024، بلغ إجمالي إنتاج مصر من حديد التسليح نحو 10.63 مليون طن، وفقًا لتقارير الاتحاد العربي للحديد والصلب، رغم التحديات العالمية. 

وبرزت شركة حديد عز كأكبر منتج، بإنتاج 6.4 مليون طن من الصلب الخام، لتتصدر المشهد إقليميًا في العالم العربي وإفريقيا، كما شهد شهر أبريل 2024 نشاطًا لافتًا، فارتفع استهلاك حديد التسليح إلى 579.3 ألف طن، مدفوعًا بزخم قطاع التشييد.

مشروعات جديدة تقود نمو الإنتاج

في 2025، كانت التوقعات منصبة على نمو الإنتاج بدخول مشروعات جديدة، أبرزها مصنع الحديد المختزل التابع لشركة SMS الألمانية بطاقة 2.5 مليون طن سنويًا قابلة للتوسع، إلى جانب مصنع شركة شين فينج ستيل الصينية بطاقة 2 مليون طن، ما يعزز الاكتفاء المحلي ويقلل الاعتماد على الواردات.

وعلى صعيد التجارة الخارجية، سجلت صادرات الحديد والصلب المصرية في 2024 نحو 2.21 مليار دولار، رغم تراجعها نسبيًا خلال بعض الفترات نتيجة المنافسة وارتفاع تكاليف الطاقة، ويقدر الاستهلاك المحلي لحديد التسليح بين 6.8 و7.5 مليون طن سنويًا، مدعومًا باستمرار المشروعات القومية،

عالميًا، تحتل مصر المركز العشرين في إنتاج الصلب الخام، وتستحوذ على حصة مؤثرة من الإنتاج الإفريقي، مع توقعات بتعزيز مكانتها خلال 2025 عبر التوسع في الطاقات الإنتاجية والاتجاه نحو الصلب الأخضر، بما يتماشى مع المعايير البيئية العالمية ويعزز تنافسيتها في الأسواق الدولية.

إنتاج الصلب الخام في الدول العربية خلال يناير – نوفمبر 2025

شهد قطاع الصلب في المنطقة العربية خلال الفترة من يناير إلى نوفمبر 2025 تطورات إيجابية ملحوظة، انعكست في ارتفاع مستويات الإنتاج وتحسن الأداء العام في عدد من الدول العربية، مدعومًا باستمرار تنفيذ المشروعات التنموية الكبرى وزيادة الطلب على منتجات الصلب، لا سيما في قطاعات البنية التحتية والإنشاءات. 

وعلى الرغم من التحديات المرتبطة بتقلبات الأسواق العالمية وتكاليف الإنتاج، فقد سجل القطاع معدلات نمو مستقرة، مع تباين في الأداء بين المناطق العربية المختلفة.

منطقة الخليج 

سجلت صناعة الصلب في دول الخليج أداءً قويًا خلال الفترة من يناير إلى نوفمبر 2025، حيث بلغ إجمالي الإنتاج نحو 19.64 مليون طن، محققًا معدل نمو سنوي قدره 9.2% مقارنة بالفترة نفسها من عام 2024.

وعلى المستوى الشهري، وصل إنتاج شهر نوفمبر 2025 إلى 1.85 مليون طن بزيادة 8.2% على أساس سنوي. وتصدرت السعودية دول المنطقة بإنتاج بلغ 9.77 مليون طن (+12.2%)، مدعومة باستمرار المشاريع التنموية الكبرى.

كما واصلت الإمارات تحقيق نمو معتدل بلغ 3.6% بإنتاج 3.5 مليون طن، وسجلت قطر أعلى معدل نمو في المنطقة بنسبة 40.3%، مدفوعة بارتفاع حاد في إنتاج نوفمبر. في المقابل، شهدت عُمان والبحرين تراجعًا طفيفًا في الإنتاج التراكمي، بينما حققت الكويت نموًا إيجابيًا بنسبة 6.1%.

منطقة شمال إفريقيا

أظهرت صناعة الصلب في شمال إفريقيا نموًا مستقرًا خلال الفترة يناير – نوفمبر 2025، حيث بلغ إجمالي الإنتاج 17.03 مليون طن، مسجلًا زيادة قدرها 6.7% مقارنة بالعام السابق، وبلغ إنتاج شهر نوفمبر نحو 1.61 مليون طن بارتفاع سنوي 9.9%.

وقادت الجزائر نمو المنطقة بإنتاج تراكمي بلغ 4.98 مليون طن وبنسبة نمو قوية 21.5%، بينما حافظت مصر على أعلى مستوى إنتاج في المنطقة عند 9.6 مليون طن رغم تسجيل تراجع طفيف في الأداء السنوي (-1.4%).

كما سجلت ليبيا نموًا تراكميًا ملحوظًا بنسبة 30.8%، رغم الانخفاض الحاد في إنتاج شهر نوفمبر، في حين واصلت المغرب وتونس تحقيق نمو محدود ولكن مستقر.

منطقة شرق المتوسط

يعكس أداء صناعة الصلب في منطقة شرق المتوسط خلال الفترة من يناير إلى نوفمبر 2025 حالة من الاستقرار الحذر، حيث سجل إجمالي الإنتاج تراجعًا طفيفًا بنسبة 0.2% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق.

ويُعزى هذا الأداء إلى تباين أوضاع الدول المنتجة داخل المنطقة، إذ حافظ العراق والأردن على مستويات إنتاج شبه مستقرة، في حين واصلت اليمن تسجيل انخفاضات نتيجة التحديات التشغيلية والاقتصادية.

إجمالي الدول العربية

سجل إجمالي إنتاج الصلب في الدول العربية خلال الفترة من يناير إلى نوفمبر 2025 نحو 39.8 مليون طن، محققًا معدل نمو سنوي بلغ 7.3% مقارنة بالفترة نفسها من عام 2024.

وعلى المستوى الشهري، بلغ إنتاج شهر نوفمبر 2025 حوالي 3.75 مليون طن، بزيادة قدرها 8% على أساس سنوي، ما يعكس تحسنًا عامًا في أداء القطاع واستمرار الطلب على منتجات الصلب في عدد من الأسواق العربية.

وجاء هذا النمو مدفوعًا بالأداء القوي لدول الخليج العربي وشمال إفريقيا، في حين اتسم إنتاج منطقة شرق المتوسط بحالة من الاستقرار النسبي، الأمر الذي يؤكد الدور المحوري للمناطق ذات المشاريع التنموية والاستثمارية الكبرى في دعم نمو صناعة الصلب العربية خلال عام 2025.

ارتفاع بأكثر من الثلث في الطلب العالمي على الصلب حتى عام 2050

من المتوقع أن يرتفع الطلب العالمي على الصلب بأكثر من الثلث حتى عام 2050، وقد أحدثت جائحة كوفيد-19 اضطرابات في سلاسل التوريد العالمية، مما أدى إلى انخفاض يقدر بنحو 5% في إنتاج الصلب الخام العالمي عام 2020 مقارنةً بعام 2019.

وبعد ركود عالمي على المدى القريب، يعود قطاع الصلب إلى مسار نمو قوي وفقًا لتوقعاتنا الأساسية، وبدون اتخاذ تدابير محددة لخفض الطلب على الصلب حيثما أمكن، وتحديث شامل لأسطول الإنتاج الحالي.

من المتوقع أن تستمر انبعاثات ثاني أكسيد الكربون في الارتفاع، على الرغم من زيادة حصة الإنتاج الثانوي الأقل استهلاكًا للطاقة، لتصل إلى 2.7 جيجا طن من ثاني أكسيد الكربون سنويًا بحلول عام 2050، أي بزيادة قدرها 7% عن اليوم.

تحقيق أهداف الطاقة والمناخ العالمية

لتحقيق أهداف الطاقة والمناخ العالمية، يجب خفض انبعاثات صناعة الصلب بنسبة 50% على الأقل بحلول عام 2050، مع مواصلة خفضها تدريجياً حتى الوصول إلى انبعاثات صفرية. 

ويحدد سيناريو التنمية المستدامة الصادر عن وكالة الطاقة الدولية مساراً طموحاً للوصول إلى صافي انبعاثات صفرية لنظام الطاقة بحلول عام 2070. 

وفي حين أن الاستخدام الأمثل للمواد يسهم في خفض مستويات الطلب الإجمالية مقارنةً بتوقعاتنا الأساسية، يجب أن ينخفض ​​متوسط ​​كثافة انبعاثات ثاني أكسيد الكربون المباشرة من إنتاج الصلب بنسبة 60% بحلول عام 2050، ليصل إلى 0.6 طن من ثاني أكسيد الكربون لكل طن من الصلب الخام (طن ثاني أكسيد الكربون /طن)، مقارنةً بالمستويات الحالية (1.4 طن ثاني أكسيد الكربون / طن).

صناعة الحديد والصلب عصب أي اقتصاد

تظهر هذه الأرقام أن صناعة الحديد والصلب وخاصةً في مصر تمتلك طاقات إنتاجية كبيرة ومتنوعة، إلا أن التحدي الحقيقي يتمثل في رفع معدلات التشغيل، وتحقيق التوازن بين الطاقات المتاحة وحجم الطلب المحلي، مع التوسع في المنتجات الأعلى قيمة لتعزيز الاستدامة الاقتصادية للقطاع.

لا يمكن النظر إلى الحديد على أنه مجرد مادة خام، بل هو استثمار في المستقبل، فالدول التي تملك قاعدة قوية لصناعة الحديد والصلب تملك في الوقت ذاته مفاتيح التنمية الصناعية، والقدرة على بناء اقتصاد متنوع وقادر على الصمود، ولذلك يمكننا القول بأن الحديد يظل شاهدًا صامتًا على قوة الأمم، ومرآة تعكس مستوى تقدمها الاقتصادي والحضاري.

اقرأ أيضًا:

خطة استراتيجية لسد فاتورة استيرادية بـ5.1 مليار دولار في قطاع الحديد ( خاص)

تابع موقع إيجي إن، عبر تطبيق (نبض) اضغط هــــــــنا
تابع موقع إيجي إن، عبر تطبيق (تليجرام) اضغط هــــــــنا
تابع موقع إيجي إن، عبر قناة (يوتيوب) اضغط هــــــــنا
تابع موقع إيجي إن، عبر تطبيق (واتساب) اضغط هــــــــنا

إيجي إن-Egyin، هو موقع متخصص في الصناعة والاقتصاد، ويهتم بتقديم خدمة صحفية متميزة للقارئ، وهدفنا أن نصل لقرائنا الأعزاء بالخبر الأدق والأسرع والحصري، بالإضافة لتغطية ومتابعة على مدار الـ24 ساعة، لـ"أسعار الذهب، أسعار العملات، أسعار السيارات، أسعار المواد البترولية"، في مصر والوطن العربي وحول العالم.

Short Url

search