تحدي 2050، كيف توازن الزراعة المستدامة بين إطعام 9.7 مليار نسمة وخفض الانبعاثات؟
الثلاثاء، 06 يناير 2026 10:00 ص
النظام الغذائي الزراعي
يصنف كل من تغير المناخ وانعدام الأمن الغذائي والتغذوي كأخطر التحديات التنموية التي تواجه العالم في الوقت الراهن، وفي هذا السياق، يبرز التحول نحو نظم غذائية أكثر استدامة كضرورة مزدوجة؛ تهدف إلى حماية كوكب الأرض من جهة، وضمان الأمن الغذائي العالمي من جهة أخرى.
وعلى الصعيد البيئي، يساهم النظام الغذائي الزراعي العالمي حاليا بنحو ثلث إجمالي انبعاثات غازات الاحتباس الحراري. هذا المؤشر يضع إصلاح المنظومة الغذائية في مقدمة الأولويات الرامية للحد من الآثار السلبية للتغيرات المناخية وتداعياتها التنموية.
وفيما يخص التوقعات المستقبلية، من المرتقب أن يواصل الطلب العالمي على الغذاء ارتفاعه المستمر، وذلك لتلبية احتياجات سكان العالم الذين يُتوقع أن يصل عددهم إلى 9.7 مليار نسمة بحلول عام 2050. وهو ما يفرض تحديًا إضافيًا يتطلب نظمًا غذائية توازن بين الوفرة والاستدامة.

تاريخيًا، ارتبطت زيادة إنتاج الغذاء بالتوسع الزراعي غير المستدام، والاستغلال المفرط للأراضي والموارد الطبيعية، وهو ما يؤدي إلى حلقة مفرغة من تدهور النظم البيئية وارتفاع الانبعاثات.
تعد النظم الغذائية المصدر الرئيسي لانبعاثات غاز الميثان، وأحد أبرز أسباب فقدان التنوع البيولوجي، كما تستهلك ما يقارب 70% من موارد المياه العذبة عالميًا، وتشير التقديرات إلى أنه لو كانت مخلفات الطعام دولة مستقلة، لاحتلت المرتبة الثالثة عالميًا من حيث حجم الانبعاثات.
وفي الوقت نفسه، تشهد الدول النامية تصاعدًا في الانبعاثات الناتجة عن الأنشطة الزراعية، وهو اتجاه مقلق يتطلب تدخلًا عاجلًا لعكس مساره.
ومن دون اتخاذ تدابير فعالة للتخفيف من آثار تغيّر المناخ في قطاع الأغذية الزراعية، سيصبح تحقيق أهداف اتفاقية باريس أمراً بعيد المنال، فالزراعة تعد المحرك الأساسي لإزالة الغابات، ما يهدد النظم البيئية الطبيعية الحساسة مثل غابات الأمازون وحوض الكونغو، ومع استمرار زيادة إنتاج الغذاء بالأساليب التقليدية، ستواصل الانبعاثات من النظم الغذائية ارتفاعها ما لم يتم تبني بدائل مستدامة.
تحقيق المكاسب الثلاثية للزراعة الذكية مناخياً
أمام هذه التحديات، أصبح لزاماً على النظام الغذائي الزراعي العالمي أن يحقق مجموعة متكاملة من الأهداف، تتمثل في إطعام سكان العالم، والتكيف مع آثار تغيّر المناخ، والحد بشكل جذري من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، وفي هذا السياق، برز مفهوم الزراعة الذكية مناخيًا كإطار متكامل يهدف إلى تحقيق الأمن الغذائي ودعم التنمية المستدامة مع الاستجابة لتحديات المناخ.
تشير الزراعة الذكية مناخياً إلى مجموعة من الممارسات والتقنيات الزراعية التي تسعى إلى تحسين الإنتاجية، وتعزيز القدرة على التكيف، وخفض الانبعاثات في آن واحد.
وعلى الرغم من استنادها إلى معارف وتقنيات الزراعة المستدامة القائمة، إلا أنها تتميز بعدة خصائص أساسية، فهي تضع تغيّر المناخ في صلب التخطيط الزراعي، وتتعامل بشكل منهجي مع أوجه التآزر والمفاضلات بين الإنتاج والتكيف والتخفيف، كما تعتمد على حزمة متنوعة من الحلول المصممة خصيصاً لتناسب الظروف البيئية والاجتماعية والاقتصادية المختلفة.
وتشمل هذه الحلول اعتماد أصناف محاصيل مقاومة للمناخ، والزراعة الحافظة، والزراعة الحراجية، والزراعة الدقيقة، وتحسين إدارة المياه، وتطوير ممارسات تربية الثروة الحيوانية.

ومن خلال تطبيق هذه الممارسات، يمكن تحقيق نتائج إيجابية متكاملة، تتمثل في:
زيادة الإنتاجية: إنتاج كميات أكبر من الغذاء بجودة أفضل دون استنزاف الموارد الطبيعية، بما يعزز الأمن الغذائي ويرفع مستويات الدخل، لا سيما لنحو 75% من فقراء العالم الذين يعيشون في المناطق الريفية ويعتمدون على الزراعة كمصدر رئيسي للرزق.
تعزيز القدرة على الصمود: الحد من التعرض لمخاطر الجفاف والآفات والأمراض والصدمات المناخية، وتحسين القدرة على التكيف مع الضغوط طويلة الأجل مثل التقلبات الموسمية المتزايدة واضطراب أنماط الطقس.
خفض الانبعاثات: تقليل انبعاثات غازات الاحتباس الحراري من النظم الغذائية، والحد من إزالة الغابات الناتجة عن التوسع الزراعي، وتعزيز عزل الكربون في التربة والنباتات.
وفي هذا الإطار، تبرز الحاجة الملحّة إلى زيادة حجم التمويل المخصص للزراعة الذكية مناخيًا بما يتناسب مع أهمية القطاع، فعلى الرغم من مساهمة النظم الغذائية الزراعية بنحو ثلث الانبعاثات العالمية، فإنها لا تستحوذ إلا على 4% فقط من التمويل المناخي، يذهب خمس هذا المبلغ فقط إلى صغار المزارعين.
ومن ثم، فإن إعادة توجيه التدفقات المالية الحالية تعد خطوة أساسية لدعم التحول المستدام في النظم الغذائية.
الزراعة الذكية مناخيًا ودور مجموعة البنك الدولي
شهدت مجموعة البنك الدولي توسعًا ملحوظًا في التزامها واستثماراتها في مجال الزراعة الذكية مناخيًا، ففي خطة العمل الخاصة بتغير المناخ (2021–2025)، حدد البنك الزراعة والغذاء والمياه والأراضي كأحد التحولات الخمسة المحورية لتحقيق أهداف اتفاقية باريس.
ومنذ اعتماد الاتفاقية، ارتفع تمويل البنك الدولي للزراعة الذكية مناخياً بمقدار ثمانية أضعاف ليبلغ نحو 3 مليارات دولار سنوياً، واعتباراً من يوليو 2023، أصبحت جميع العمليات الجديدة للبنك الدولي ملزمة بالتماشي مع أهداف اتفاقية باريس، ما يجعل الزراعة الذكية مناخياً محوراً أساسياً في جميع تدخلاته في قطاعي الزراعة والغذاء.
ولتحقيق ذلك، أعد البنك مذكرة قطاعية لمواءمة عملياته مع الاتفاقية، كما أصبحت جميع المشاريع تخضع لتقييم مخاطر المناخ والكوارث، وتستخدم مؤشرات خاصة لقياس نتائج تغير المناخ، إضافة إلى احتساب انبعاثات غازات الاحتباس الحراري قبل الموافقة على أي مشروع.
وتساعد هذه الإجراءات الدول على تنفيذ مساهماتها المحددة وطنيًا، وتحقيق تقدم ملموس في أهداف التنمية المستدامة المتعلقة بالمناخ، والحد من الفقر، والقضاء على الجوع.
ويعمل البنك الدولي بشكل وثيق مع الدول لدعمها في تحسين الإنتاجية الزراعية، وتعزيز القدرة على الصمود، وتقليل الانبعاثات، مستخدمًا مجموعة من الأدوات التحليلية والتشخيصية، وتشمل هذه الأدوات تقارير المناخ والتنمية القطرية (CCDRs)، التي تساعد الدول على تحديد أولويات الإجراءات ذات الأثر الأكبر في التخفيف والتكيف، مع تحقيق أهداف التنمية.

آثار تغير المناخ على النظم الغذائية
كما تبرز هذه التقارير آثار تغير المناخ على النظم الغذائية، مثل تراجع الإنتاج وارتفاع أسعار الغذاء، وتقترح حلولًا تقنية وإصلاحات سياسات مناسبة لكل بلد في إطار الزراعة الذكية مناخيًا.
إلى جانب ذلك، توفر الملفات القطرية للزراعة الذكية مناخيًا نظرة شاملة على التحديات الزراعية في مختلف الدول، وتوضح كيفية تطبيق هذا النهج في سياقات وطنية مختلفة، كما تعد خطط الاستثمار في الزراعة الذكية مناخياً أداة رئيسية لدمج هذا النهج في السياسات الوطنية، وتحديد فرص الاستثمار ذات الأولوية.
ويقدم البنك الدولي الدعم الفني والمالي لتطوير هذه الخطط وتنفيذها، مع التركيز على البنية التحتية المقاومة للمناخ، وبناء القدرات، وتبادل المعرفة.
وتشمل الدول المستفيدة أو الجاري إعداد الخطط لها: بنجلاديش، وبليز، وبوركينا فاسو، وساحل العاج، والكاميرون، وجمهورية الكونغو، وإثيوبيا، وغانا، والعراق، والأردن، وكينيا، وليسوتو، ومدغشقر، ومالي، والمغرب، ونيبال، والسنغال، وزامبيا، وزيمبابوي.
كما يدعم البنك الدولي برامج بحثية عالمية، من بينها برنامج CGIAR، الذي يسهم في تطوير تقنيات وأساليب إدارة ذكية مناخياً، وأنظمة إنذار مبكر، وأدوات تأمين ضد المخاطر، وغيرها من الابتكارات التي تعزز القدرة على الصمود في مواجهة تغير المناخ.
تعزيز المرونة والأمن الغذائي مع خفض الانبعاثات
تظهر تدخلات البنك الدولي في مجال الزراعة الذكية مناخيًا آثارًا ملموسة حول العالم، فعلى سبيل المثال، يساهم قرض بقيمة 345 مليون دولار أمريكي في دعم برنامج الصين لتنشيط الزراعة الخضراء والتنمية الريفية في مقاطعتي هوبي وهونان
يتم ذلك من خلال خفض الانبعاثات الزراعية، وزيادة عزل الكربون في الأراضي الزراعية، وحماية التنوع البيولوجي، وتعزيز القدرات المؤسسية للحكومات المحلية، ويكمل هذا القرض التزاماً وطنياً بقيمة 4.1 مليار دولار من الحكومة الصينية.
كما يهدف مشروع تعزيز مرونة النظم الغذائية في شرق وجنوب إفريقيا، بميزانية تبلغ 621 مليون دولار أمريكي، إلى دعم كينيا وجزر القمر وملاوي والصومال في مواجهة انعدام الأمن الغذائي، من خلال تعزيز الإنتاج الزراعي المرن، واعتماد تقنيات زراعية ذكية مناخياً تراعي النوع الاجتماعي في قطاعات المحاصيل والثروة الحيوانية ومصايد الأسماك.

قرض بـ 200 مليون دولار لدعم مشروع تحويل الزراعة الشاملة
وفي باكستان، يدعم قرض بقيمة 200 مليون دولار مشروع تحويل الزراعة الشاملة والمرنة في إقليم البنجاب، بهدف تحسين كفاءة استخدام المياه الزراعية، وزيادة الإنتاجية، ورفع دخول المزارعين، وتقليص الفجوات في توزيع المياه، بما يحقق فوائد مشتركة للتكيف مع تغيّر المناخ والتخفيف من آثاره.
أما في الأردن، فيؤدي برنامج المرونة الزراعية، وتطوير سلسلة القيمة، والابتكار (ARDI)، الذي تبلغ ميزانيته 125 مليون دولار أمريكي، دوراً محورياً في دعم التحول في قطاع الأغذية الزراعية.
ويسعى البرنامج إلى تعزيز التكيف مع تغيّر المناخ، وتحسين التنافسية والشمولية، ودعم 30 ألف أسرة زراعية في تبني ممارسات ذكية مناخياً وموفرة للمياه، وتوفير تدريب متخصص، وخلق نحو 12 ألف فرصة عمل، مع التركيز على إشراك النساء والشباب واللاجئين وتعزيز سلاسل القيمة والصادرات.
اقرأ أيضًا:
عام الانخفاض العالمي، البنك الدولي يتوقع تراجع الأسعار في 2026 باستثناء الذهب والفضة
البنك الدولي يحذر من ديون الدول النامية بعد الوصول لفجوة تمويل هائلة
تابع موقع إيجي إن، عبر تطبيق (نبض) اضغط هــــــــنا
تابع موقع إيجي إن، عبر تطبيق (تليجرام) اضغط هــــــــنا
تابع موقع إيجي إن، عبر قناة (يوتيوب) اضغط هــــــــنا
تابع موقع إيجي إن، عبر تطبيق (واتساب) اضغط هــــــــنا
إيجي إن-Egyin، هو موقع متخصص في الصناعة والاقتصاد، ويهتم بتقديم خدمة صحفية متميزة للقارئ، وهدفنا أن نصل لقرائنا الأعزاء بالخبر الأدق والأسرع والحصري، بالإضافة لتغطية ومتابعة على مدار الـ24 ساعة، لـ"أسعار الذهب، أسعار العملات، أسعار السيارات، أسعار المواد البترولية"، في مصر والوطن العربي وحول العالم.
Short Url
نمو ضخم وفرص استثمارية غير مسبوقة، سوق الجسور العالمي يتخطى 120 مليار دولار في 2025
06 يناير 2026 02:00 م
من قمم 2025 إلى رهانات 2026، هل أصبحت العملات الرقمية أداة مالية ناضجة؟
04 يناير 2026 12:34 م
نمو يتخطى 6%، السناكس الصحية تغيّر خريطة الاستهلاك العالمي
04 يناير 2026 11:22 ص
أكثر الكلمات انتشاراً