د. نجلاء صقر تكتب: الوفاء المصري العظيم في مواجهة التوترات العربية والإقليمية
الجمعة، 30 أكتوبر 2026 11:38 ص
دكتورة نجلاء صقر
في زمن تتبدل فيه التحالفات بين عشية وضحاها، وتباع فيه المواقف في أسواق المصالح، تظل قيمة واحدة هي التي تفرق بين الدولة العابرة والدولة الراسخة: "الوفاء".
الوفاء المصري ليس شعاراً عاطفياً، بل هو عقيدة أمن قومي تُدرَّس، وسلاح ردع استراتيجي نادر.
ومصر اليوم تواجه اختباراً غير مسبوق؛ فمؤشر التوتر في المنطقة العربية والإقليمية وصل إلى ذروته في ظل تداخل أزمات غزة والسودان والبحر الأحمر وإيران، لكنها تتعامل معه بمنطق الوفاء العظيم لا بمنطق المزايدة.
ويتجسد هذا النهج بوضوح عبر محاور رئيسية، يأتي في مقدمتها:
أولاً: الوفاء للقضية الفلسطينية.. عندما يصبح الرفض أمنًا قوميا
في غزة، المشهد معقد. ورغم نجاح القاهرة في رعاية اتفاق شرم الشيخ لوقف الحرب، إلا أن المرحلة الثانية من الاتفاق -تسليم السلاح، إدارة القطاع، ومنع التهجير- لا تزال عالقة، رغم التحذيرات الأممية التي تتحدث عن التدهور الإنساني الشديد في غزة.
هنا يتجلى الوفاء المصري العظيم في أبهى صوره:
مصر هي الدولة الوحيدة التي قالت "لا" صريحة لمخطط التهجير، وربطت استقرار غزة باستقرار أمنها القومي. ولم يكن الوفاء بالقول فقط، بل بالفعل؛ فمصر قدمت أكثر من 80% من حجم المساعدات الإنسانية والطبية التي دخلت القطاع، وظل معبر رفح هو شريان الحياة الوحيد الذي لم يُغلق رغم التهديد. مصر أكدت في موقفها الحاسم أن الدولة الفلسطينية هي الحل. هذا ليس موقفاً سياسياً فقط، بل وفاء تاريخي لعهد قطعته مصر على نفسها منذ عام 1948: لا تفريط في الحق الفلسطيني، ولا مساومة على الأرض.
ثانياً: الوفاء لوحدة السودان وليبيا.. ضد مشاريع التفكيك
على الحدود الجنوبية والغربية، الخطر وجودي. الحرب في السودان بين الجيش السوداني الوطني وقوات الدعم السريع دخلت عامها الرابع، مع سقوط مدنيين بمسيرات في دارفور، وأصبح هناك خطر حقيقي لتقسيم السودان.
الموقف المصري وفيّ وواضح: لا لتفكيك الدولة، ولا لشرعنة كيانات موازية للجيش الوطني. مصر تدرك تماماً أن تفكك السودان يمثل خطراً جسيماً على الأمن القومي للمنطقة. نفس المنطق في ليبيا، حيث تعمل القاهرة على توحيد المؤسسات ومنع تحول الغرب الليبي لمنصة تهديد مباشر لحدودها، وهو ما أكد عليه الأمين العام للأمم المتحدة من القاهرة بضرورة وقف حرب السودان وتوحيد مؤسسات ليبيا.
الوفاء هنا هو وفاء لمبدأ "وحدة الدولة الوطنية" الذي تحاول قوى كثيرة ضربه.
ثالثاً: الوفاء لأمن البحر الأحمر وقناة السويس.. معركة الممرات
لم يعد البحر الأحمر ممراً تجارياً فحسب، بل أصبح ميدان صراع دولي. تصاعد التهديدات أعاد المخاوف على أمن الملاحة في مضيق هرمز وباب المندب والذي أصبح يهدد التجارة العالمية، كما حذر أنطونيو جوتيريش من القاهرة في أكتوبر 2026.
وفي المقابل، شهدت العلاقات بين إثيوبيا وإريتريا قطيعة دبلوماسية كاملة وإغلاقاً للسفارات في أكتوبر 2026، على خلفية تصاعد التوترات بشأن مساعي إثيوبيا للوصول إلى البحر الأحمر عبر ميناء عصب الإريتري.
مصر ردت بوفاء استراتيجي لمصالحها ومصالح حلفائها: قمة رباعية في العلمين جمعت مصر والسودان والصومال وإريتريا لمواجهة الأطماع الإثيوبية، وتأكيد رئاسي أن أمن السعودية والخليج خط أحمر، وأن استقرار غزة والسودان وليبيا من مقتضيات الأمن القومي العربي.
هذا هو الوفاء العملي: حماية الممر، وحماية الأشقاء.
رابعاً: الوفاء في زمن المحاور المرنة.. لا نبيع ولا نخون:
إن أمن البحر الأحمر أصبح محكّاً لاصطفافات إقليمية جديدة؛ اصطفاف يرى في وحدة الدول وسيادة الملاحة مصلحة جماعية، وآخر يراها ساحة لإعادة رسم النفوذ.
ورغم كل هذا، مصر وفية لعقيدة التوازن: تحافظ على تحالفها الاستراتيجي مع الخليج، وتدير علاقاتها مع القوى الكبرى ودول أخرى في إطار "بريكس" دون انحياز أعمى.
الوفاء هنا هو ألا تكون مصر أداة في يد أحد، بل قلباً للأمتين العربية والإسلامية كما وصفها الرئيس السيسي.
مصر العظيمة.. حين يصبح الوفاء مواجهة
إن الوفاء المصري العظيم لم يعد مجرد قيمة أخلاقية، بل تحول إلى أرقى أشكال المواجهة.
الدولة التي تفي لعهودها في غزة، وتحافظ على وحدة جيرانها في السودان وليبيا، وتصون ممراتها في البحر الأحمر، هي دولة لا تنتظر التوترات، بل تواجهها بعبقرية وثبات.
من رفح إلى بورتسودان، ومن باب المندب إلى العلمين، أثبتت مصر أن ثباتها هو فعل مواجهة، وأن وفاءها هو سلاح ردعها الاستراتيجي، إنها توترات عابرة.. ولكن مصر دائماً حاضرة بوفائها.
Short Url
رقية الأشرم تكتب: الشرق الأوسط وصراع المصالح والنفوذ
29 أكتوبر 2026 07:03 م
الدكتور محمد عسكر يكتب: التجسس على الهواتف بين الحقيقة والتهويل
28 أكتوبر 2026 10:07 ص
نجلاء أحمد تكتب: «هي» من صنعت المستحيل
27 أكتوبر 2026 12:03 م
أكثر الكلمات انتشاراً