الثلاثاء، 27 أكتوبر 2026

01:50 م

نجلاء أحمد تكتب: «هي» من صنعت المستحيل

الثلاثاء، 27 أكتوبر 2026 12:03 م

نجلاء أحمد - باحثة في الإعلام السكاني والدراسات الديموغرافية

نجلاء أحمد - باحثة في الإعلام السكاني والدراسات الديموغرافية

لقد أثارت قصة مسلسل «هي والمستحيل»، الذي ارتبط بوجدان أجيال منذ عرضه الأول في أكتوبر عام 1979، فضولي وأيقظت داخلي شغف الكتابة والتأمل في حكاية المرأة المصرية، بما تحمله من أحلام وتحديات وصراعات. فلم تكن القصة بالنسبة إليّ مجرد عمل درامي، بل نافذة دفعتني إلى التساؤل: كيف تغير واقع المرأة المصرية منذ ذلك الوقت؟ وإلى أي مدى استطاعت أن تتجاوز القيود وتصنع مستقبلها؟

في عام 1979، كان عدد سكان مصر نحو 42.8 مليون نسمة، وفقًا لبيانات البنك الدولي، بينما تجاوز عددهم اليوم 109 ملايين نسمة وفق الساعة السكانية. وبين الزمنين، تغيرت ملامح المجتمع واتسعت احتياجاته، وأصبحت مشاركة المرأة في التنمية ضرورة لا يمكن تجاهلها.

لقد قطعت المرأة المصرية شوطًا مهمًا في التعليم والعمل والمشاركة العامة، ونجحت في إثبات حضورها في مجالات متعددة، من الطب والهندسة إلى السياسة والفنون والأدب، كما تعززت مشاركتها في الحياة السياسية، إذ بلغت نسبة تمثيلها في مجلس النواب نحو 27% عام 2025، إلى جانب وصولها إلى مواقع صنع القرار وتوليها مناصب وزارية، ووفقًا للبيانات الواردة عن الحكومة المصرية لعام 2026، شغلت المرأة أربع حقائب وزارية، بنسبة 13.3% من إجمالي الوزراء. وتعكس هذه الخطوات تطور دور المرأة المصرية في المجتمع.

ولا تزال المرأة المصرية تواجه تحديات متعددة، تتراوح بين العنف والتمييز، والعوائق الاقتصادية والاجتماعية التي تحول دون تحقيق كثير من الفتيات لأحلامهن، فضلًا عن الأعباء الأسرية التي تجعل التوازن بين الحياة المهنية والمسؤوليات العائلية تحديًا يوميًا. ولا تقتصر آثار هذه التحديات على الأفراد، بل تمتد إلى المجتمع الذي قد يفقد فرصًا واعدة للنمو والتقدم حين تُقيَّد طاقات نسائه أو تُحرم من الفرص التي تستحقها. ومن هنا، تتجاوز رسالة العمل الدرامي قصة امرأة تسعى إلى تغيير مصيرها، لتطرح قضية أوسع تتعلق بقدرة المجتمع على إزالة العوائق أمام المرأة، وتمكينها من تحقيق طموحاتها والمشاركة بفاعلية في صناعة المستقبل.

إن التمكين الحقيقي للمرأة لا يُقاس فقط بعدد المتعلمات أو شاغلات المناصب، بل بقدرتها على تحويل طموحاتها إلى إنجازات، وممارسة حقوقها بحرية، والحصول على فرص عادلة. ولا تبدأ مقاومة القيود بالضرورة بالصدام مع المجتمع، بل بتغيير الوعي؛ من أسرة تؤمن بحق ابنتها في التعليم، إلى مؤسسات عمل تضمن تكافؤ الفرص، وإعلام يرفض الصور النمطية، ومجتمع يدرك أن نجاح المرأة ليس تهديدًا للأسرة، بل إضافة إليها وإلى الوطن.

فتمكين المرأة لا يعني صراعًا مع الرجل أو تخليًا عن المسؤوليات الأسرية، وإنما يعني أن يكون لها الحق في اختيار مسار حياتها، وأن تقوم العلاقات على الاحترام وتقاسم المسؤوليات بعدالة. فالمرأة المتعلمة والقادرة على العمل والإبداع لا تصنع مستقبلها وحدها، بل تسهم في بناء مجتمع أكثر وعيًا وعدالة، وتمنح الأجيال القادمة فرصًا أوسع لتحقيق أحلامها.

ولعل هذا هو المعنى الأعمق الذي استلهمته من مسلسل «هي والمستحيل»: أن ما يبدو مستحيلًا قد يكون نتيجة أبواب أُغلقت، وفرص لم تُمنح، وأفكار تحتاج إلى مراجعة. فالمرأة لا تحتاج إلى الشفقة، بل إلى الاعتراف بحقوقها، والثقة بقدراتها، وإتاحة الفرصة لها لتصنع حياتها بإرادتها.

لقد تحولت الحكاية في نظري من عمل درامي أثار فضولي إلى مصدر للإلهام والتأمل والكتابة، وأدركت من خلالها أن المستقبل لا تصنعه الشعارات وحدها، بل تصنعه الحقوق المصانة والفرص الحقيقية والوعي الذي يرفض الظلم.

«هي من صنعت المستقبل»؛ لأنها لم تنتظر أن يصبح الطريق سهلًا كي تسير فيه، بل واجهت العقبات وتمسكت بأحلامها، وأثبتت أن الإرادة قادرة على تغيير الواقع. وبين امرأة عام 1979 وامرأة اليوم، تتواصل الحكاية وتتغير الظروف، لكن يظل السؤال قائمًا: كم من مستقبل يمكن أن نصنعه إذا أتحنا لكل فتاة فرصة عادلة لتتعلم وتحلم وتنجح؟

فالمرأة المصرية لم تكن يومًا على هامش الحكاية، بل كانت إحدى من يكتبون فصولها. وحين تمتلك صوتها وحقها في الاختيار، فإنها لا تصنع مستقبلها وحدها، بل تسهم في صناعة مستقبل مجتمع بأكمله.

Short Url

search