السبت، 24 أكتوبر 2026

07:05 م

زيادة الحد الأدنى للأجور.. هذا الدواء به سم قاتل

السبت، 24 أكتوبر 2026 05:34 م

الكاتب الصحفي محمد أحمد طنطاوي

الكاتب الصحفي محمد أحمد طنطاوي

بقلم محمد أحمد طنطاوي

"لا تصبح الأمة ثرية بالتراكم الطفولي للمعادن اللامعة، لكنها تصبح غنية بالازدهار الاقتصادي لشعبها"، آدم سميث، الاقتصادي الانجليزي الشهير، وفيلسوف المدرسة الكلاسيكية" 1723 – 1790 "، وهنا يشير إلى الفكرة الأساسية لفلسفته في كتاب " ثروة الأمم" أن المعادن أو النقود لا تصنع الثروة، بل الأساس في العمل والإنتاج، فالثروة لا تكمن في مجرد " المال "، بل ما يمكن أن يشتريه هذا المال. 

ومن عبارات سميث إلى تصريحات الدكتور مصطفى مدبولي عن الاقتصاد والحد الأدنى للأجور الذي تخطط الحكومة لرفعه إلى 15 ألف جنيه شهريًا، بدلًا من 8 آلاف، بحلول عام 2029، وما قد يترتب على هذا الإجراء من نتائج مباشرة على المجتمع والمواطن ومسار الاقتصاد المصري خلال السنوات المقبلة، لذلك سوف أحاول الوقوف بالشرح والتحليل لفكرة رفع الحد الأدنى للأجور وجدواها، وهل فعلًا نحتاج إليها أم أنها شكل من الإجراءات القديمة المستهلكة التي أنهكت الاقتصاد وغيبت الرفاهية عن المواطن.  

الدكتور مصطفى مدبولي
 

السؤال: هل مضاعفة الحد الأدنى للأجور خلال عامين أو أكثر مؤشر سلبي أم إيجابي ؟

من الناحية النظرية عندما يرتفع الأجر النقدي، تزيد قدرة الناس على الإنفاق بصورة أفضل، ولكن الأمر مرتبط دائمًا بنسبة هذا الارتفاع، وإن كان يتسق أو يتوازى مع الأجر الحقيقي أو القوة الشرائية للنقود أم لا.

الحقيقة التي يجب تصديقها دائمًا تكمن في أن القيمة الشرائية للعملة تنخفض تقريبًا بنفس النسبة التي يتم رفع الأجور على أساسها، ارتباطًا بفكرة أساسية تعرف في علم الاقتصاد بـ " التضخم الذاتي، أو الـ " Built-in Inflation " وهذا معناه ببساطة شديدة أن " السوق " سوف يرفع الأسعار حتى يستطيع أن يغطي تكاليف الإنتاج والأجور التي ستتضاعف أسعارها خلال عامين من أجل الوصول إلى راتب الحد الأدنى الجديد " 15 ألف جنيه"، وهنا بمجرد رفع الأسعار سندخل في الحلقة المفرغة التي لا تتوقف عن الدوران.

مثال عملي: لو أن شركة ملابس جاهزة تصنع بنطلون ثمنه 500 جنيه، ورواتب العمال فيها 8 آلاف جنيه، حد أدنى، سوف تتجه هذه الشركة إلى مضاعفة سعر المنتج إلى نحو 1000 جنيه، حتى تتمكن من تغطية نفقات الحد الأدنى للأجور الذي سيصل إلى 15 ألف جنيه.

بمعنى آخر، الفكرة ليست في عدد الأوراق النقدية التي تحصل عليها بنهاية كل شهر، بل بالقوة الشرائية الحقيقية لتلك الأوراق، فلو كنت تشترى كيلو اللحمة الآن بـ 500 جنيه، وأنت الآن تتقاضى 8 آلاف جنيه شهريًا، ثم زاد راتبك إلى 15 ألف جنيه، حينها سوف يصبح كيلو اللحمة بـ 1000 جنيه على الأقل، وللأسف عند حساب هذه المعادلة بدقة ستجد نفسك "خاسر"، لأن هذه الدوامة من زيادات الأسعار لن تتوقف عن النمو والتمدد.

هل المشكلة في مصر مرتبطة فقط بالتضخم الذاتي أو Built-in Inflation الذي ذكرناه في الفقرات السابقة، لكن الإجابة الصادمة أن مصر بها كل أنواع التضخم الموجودة في الكتب،  مثل التضخم الناتج عن ارتفاع تكلفة السلع، المعروف بـ " cost – push "، الذي يمكن أن نفهمه بالمثال التالي: طن الأسمدة الذي كان سعره 20 ألف جنيه قبل الحرب الإيرانية الأمريكية، أصبح الآن بـ 25 ألف، نتيحة أزمات الطاقة والظروف الإقليمية وارتفاع أسعار المواد البترولية، فقد أحدث كل ما سبق ارتفاع في تكلفة الوحدة الإنتاجية بصورة معتبرة، وهذا موجود حاليًا في مصر.

بل إن هناك أنواع أخرى من التضخم في مصر، بخلاف النموذجين السابقين، فهناك الشكل التقليدي القديم، وهو التضخم الناتج عن الطلب " demand – pull "، بمعنى أن هناك طلب على سلع معينة أكبر من حجم إنتاجها، وهذا يحدث دائمًا في بعض المنتجات دون غيرها، لكن يمكن فهمه جيدًا عن طريق سلعة "الطماطم" فعندما يكون الاستهلاك أكبر من حجم الإنتاج في أوقات معينة من السنة، يتضاعف سعرها مرتين أو ثلاثة.

ما يزيد الطين بلة في هذا الملف أن هناك نوع معتبر من التضخم، موجود في عدد من الدول التي مازالت تقدم الدعم لعدد من السلع والخدمات – مصر بينهم -  مثل دعم الوقود والطاقة، والخبز والمواد التموينية، كجزء من ميراث الاشتراكية العالمية، التي سقطت من العالم قبل نحو 4 عقود.

الحقيقة التي لا تقبل الشك أن غنى الناس أو فقرهم غير مرتبط  بالأجر النقدي "الورق"، بل  "الأجر الحقيقي"، أو القوة الشرائية للأموال التي يحصلون عليها، لذلك لا يمكن أن تحقق زيادة الأجر النقدي رفاهية إلا إذا كانت تتحرك فعليًا بالتوازي مع الأجر الحقيقي، وهذه الصورة المثالية، بما يعني أن زيادة الإنتاج والعمل تتم ترجمتها إلى نمو حقيقي، ينعكس على قيمة العملة، وبالتالي تزيد أجور الناس، وتزيد معه القوة الشرائية.
 

النماذج التي تحدثت عنها في الفقرات السابقة للتضخم تقودنا دائمًا إلى نموذج أكثر شراسة يعرف باسم ، التضخم المركب أو " Compound Inflation "، بما يعني أن التضخم لا يتم علاجه، فالأسعار تزيد بصورة مستمرة، "تضخم قديم + تضخم جديد = كومبو"، أي استمرار في وتيرة زيادة الأسعار، دون أن تعود لصورتها القديمة، على سبيل المثال، اللحمة كان سعر الكيلو جرام بـ 100 جنيه في مطلع 2020، ثم استمرت في الزيادة حتى 2026 لتصبح بـ 500 جنيه، فكل زيادة جديدة تضاف على القديمة، دون تراجع حقيقي في الأسعار، وهذا ما سيحدث حال تطبيق حد أدني جديد بقيمة 15 ألف جنيه، ليصبح عندها نفس كيلو اللحمة بـ 1000 جنيه في أكثر السيناريوهات تفاؤلًا. 

التضخم السعودي


ما الحلول التي يمكن اقتراحها لتجاوز الأزمة ؟ 

من وجهة نظري لا أتصور أبدًا أن رفع الأجر النقدي أو مضاعفة الحد الأدنى للأجور قد يحل المشكلة، بل بالعكس هذا مؤشر يشي بالمزيد من ارتفاع الأسعار بمعدلات ونسب كبيرة، بالإضافة إلى انخفاض قيمة العملة المحلية، مقابل العملات الأجنبية، فالارتفاع الورقي للأجور بالطبع سيكون خصمًا من العملة الوطنية أمام سلة العملات الأخرى، بمعنى آخر سوف ترتفع العملات الأجنبية أمام الدولار بنفس معدلات الزيادة المتوقعة في الأجور.


الحلول يجب أن تبدأ دائمًا من العمل والإنتاج، والتوقف عن زيادات الأجور ورقيًا لعدة سنوات من أجل ضمان التخلص من تضخم "السنوات السابقة"، واختفاء تأثير التضخم المركب، والتضخم الذاتي، ثم بعد انقضاء هذه المرحلة نبدأ في رفع الأجور بنسب محدودة تتواكب مع معدلات وحجم النمو الحقيقي في الاقتصاد، بمعدل لا يقل عن 5%.

Short Url

search