تعافي النفط يخفي أزمة أعمق.. الغاز والأسمدة والهيليوم تحت حصار هرمز
الثلاثاء، 06 أكتوبر 2026 02:20 م
مضيق هرمز
إيمان البصيلي
على الرغم من استعادة صادرات الخام من دول الخليج جزء كبير من مستوياتها السابقة للحرب، حتى في ظل استمرار الهجمات على السفن في مضيق هرمز، إلا أن هناك سلعا أخرى مهمة يعتمد عليها الاقتصاد العالمي، لم يطلها التعافي بصورة كبيرة، مثل الغاز و الأسمدة والكبريت والألمنيوم، التى تبدو أبطأ تعافيًا من صادرات الخام بنسبة كبيرة.
فبحسب بيانات شركة "كبلر"، بلغت صادرات الخام من الشرق الأوسط 16.3 مليون برميل يوميًا في سبتمبر، مقابل 19.5 مليون في فبراير، أي قبل اندلاع الحرب، وذلك مع تأمين ممر ملاحي قرب الساحل العُماني بحماية القوات الأمريكية.
وقادت السعودية معظم هذا التعافي، إذ تجاوزت صادراتها 6 ملايين برميل يوميًا خلال الشهر الماضي، ما يعادل متوسطها الشهري في 2025. وتحقّق ذلك على الرغم من توقف خط أنابيب "شرق-غرب" الذي يلتف على المضيق لنحو 12 يومًا، إثر هجوم بطائرات مسيّرة انطلقت من العراق.

الغاز القطري يتعثر عبر هرمز.. والأسمدة النيتروجينية تعاني نقص الإمدادات وارتفاع الأسعار
في المقابل، لا تزال حركة الغاز المسال عبر المضيق أدنى بنحو 80% من مستوياتها في فبراير، رغم ارتفاعها في سبتمبر إلى أعلى مستوى منذ بدء الحرب، بحسب "كبلر".
وأدت الضربات الإيرانية على منشآت رأس لفان القطرية لتسييل وتصدير الغاز في مارس إلى خفض طاقتها الإنتاجية بنحو 17%. وتبلغ الأسعار الفورية للغاز ضعف مستوياتها قبل عام، فيما جاء ارتفاع الخام أقل حدة، إذ يتداول "برنت" عند نحو 100 دولار للبرميل مقابل نحو 72 دولارًا قبل الحرب.
وقال يوكيو كاني، رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي لشركة "جيرا" اليابانية، أكبر مشترٍ للغاز المسال في العالم، إنه لا يتوقع عودة الإمدادات القطرية قريبًا، مرجّحًا مزيدًا من ارتفاع الأسعار مع تراجع المخزونات الأوروبية وبدء الحظر الأوروبي على الغاز الروسي المسال في يناير.
وتمتد تداعيات نقص الغاز إلى الأسمدة النيتروجينية كالأمونيا واليوريا، التي تحتاج الوقود كلقيم، والتي تُعدّ دول الخليج من كبار مصدّريها، حيث كانت تعبر هرمز نحو ثلث تجارة الأسمدة المنقولة بحرًا. كذلك تأثرت الهند وبنجلادش، التي خفّضت إنتاجها بسبب تدني إمدادات الغاز المستورد، وفق تقرير نشرته “الشرق بلومبرج”.

اقتصاديات الشحن والتأمين تعرقل تعافي الغاز والأسمدة.. ارتفاع الأسعار لا يكفي لتعويض مخاطر العبور
ترى تاتيانا ميتروفا، الزميلة في مركز سياسات الطاقة العالمية بجامعة كولومبيا، أن الفارق يعود إلى اقتصاديات الشحن، ومدى الاستعداد لتحمّل المخاطر.
وقالت ميتروفا إن المسار قد يصبح سالكًا، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أنه مجد تجاريًا لجميع أنواع الشحن، فنقل الغاز المسال أكثر كلفة من النفط لأنه يتطلب سفنًا متخصصة أغلى، في وقت قد يواجه مالكوها خسائر أكبر في حال تعرضت لحوادث وتعطّل لفترات طويلة"، مضيفة أن ارتفاع أسعار الغاز لا يجعل هذه المخاطر مقبولة تلقائيًا، فالمسألة لا تتعلق بعدد الناقلات المتوفرة بشكل عام، بل بعدد السفن المستعدة للقيام بالرحلة بتغطية تأمين كافية، فشحنات الخام تتعافى بشكل أسرع لأن الأرباح الاستثنائية للناقلات تغطي كلفة التأمين الإضافية.
وأشارت ميتروفا في تصريحات لتلفزيون “بلومبرج” إلى أن المنطق نفسه ينطبق على صادرات الأسمدة، إذ "يقوّض ارتفاع كلفة الشحن والتأمين والتأخير جدوى الشحنات أو يجعلها فوق قدرة المشترين، حتى حين يكون المنتج متوفرًا".

الأسمدة تحت الحصار.. السعودية والإمارات تبحثان عن مسارات بديلة وقطر والبحرين تخفضان الإنتاج
بحسب نشرة "آرغوس ميديا" المتخصصة في السلع و الطاقة، لم تغادر مياه الخليج في سبتمبر سوى ثماني سفن محمّلة باليوريا، مقابل سفينتين في أغسطس. أما تدفقات الأمونيا عبر المضيق فتوقفت فعليًا.
ورغم عودة أسعار الأسمدة في نهاية الربع الثاني إلى مستويات ما قبل الحرب، تشير مؤشرات "آرغوس" إلى أنها لا تزال مرتفعة قياسًا بأسعار المحاصيل، أي أن كلفتها تستحوذ على حصة أكبر من إيرادات المزارعين. و حذرت الشركة من أن "ارتفاع الأسعار قد يدفع المزارعين إلى الإحجام عن الشراء، مما قد يحدّ نظريًا من الإنتاج الزراعي".
تمكنت الرياض وأبوظبي من متابعة التصدير جزئيًا عبر مسارات بديلة، إذ تنقل السعودية اليوريا بالشاحنات إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر منذ مايو، فيما حوّل المنتجون الإماراتيون صادراتهم إلى ميناء الفجيرة، حيث يتم تجميعها وشحنها مع شحنات عُمانية. في المقابل، خفّضت قطر والبحرين الإنتاج بعد ضربات طالت منشآتهما أو البنية التحتية للغاز التي تغذيها، بينما لا يتيح موقعهما الجغرافي بديلًا مماثلًا.
وتواجه أسواق الأسمدة الفوسفاتية وضعًا مشابهًا، فشركة "معادن" السعودية من أكبر مصدريها، وكذلك سوق الكبريت، حيث تستحوذ دول الخليج العربية وإيران على نحو 45% من صادراته العالمية لكونه منتجًا ثانويًا لتكرير النفط، وقد تأثرت عدة دول، من بينها المغرب التي تعد من أكبر الدول المنتجة للأسمدة، بارتفاع أسعاره.

الألمنيوم تحت ضغط الغاز والحرب.. 6 ملايين طن سنويًا مهددة بتعطل الإمدادات والمنشآت
الألمنيوم كما الأسمدة، من أبرز ركائز مساعي دول الخليج لتنويع اقتصاداتها بعيدًا عن النفط الخام. حيث يعد صهر الألمنيوم من أكثر الصناعات استهلاكًا للكهرباء، ولذلك ارتبط توسع مصاهر الخليج بوفرة الغاز الرخيص لتوليد الطاقة، وبات تشغيلها رهنًا باستمرار إمداداته.
وتساهم دول الخليج بنحو 9% من الإنتاج العالمي لهذا المعدن بطاقة إنتاجية تتجاوز 6 ملايين طن سنويًا موزعة على السعودية، والإمارات، والبحرين، وقطر، وعُمان. توقف جزء من إنتاج المنطقة بسبب ضربات استهدفت مصاهر أو منشآت متصلة في أبوظبي وجنوب المنامة، أو بتوقف إمدادات الغاز، كما هو الحال في قطر.

اختناق صامت لصناعة الرقائق.. وآسيا تبحث عن بدائل
تنتج قطر نحو ثلث إمدادات الهيليوم العالمية، الذي يُستخرج معظمه كمنتج ثانوي من معالجة الغاز في رأس لفان، ولا يوجد أي منفذ لتصديره سوى هرمز. وتوقف الإنتاج مع إعلان "قطر للطاقة" القوة القاهرة مطلع مارس، ثم أدت الضربات الإيرانية على رأس لفان إلى خسارة نحو 14% من صادرات قطر من الهيليوم، وفق الشركة.
يُستخدم الهيليوم في مصانع أشباه الموصلات لتبريد رقائق السيليكون أثناء التصنيع، وتوفير بيئة خاملة تمنع التلوث، وكشف التسربات في المعدات الدقيقة، ولا يتوفر له بديل عملي في معظم هذه الاستخدامات.
وتنكشف آسيا أكثر من غيرها على هذه الصدمة، إذ استوردت كوريا الجنوبية، موطن "سامسونج" و"إس كيه هاينكس" للرقائق، 56% من حاجتها من الهيليوم من قطر في 2025.
كما استوردت تايوان، موطن "تي إس إم سي" (TSMC)، نحو 88% من حاجتها من الهيليوم والغازات النبيلة أو الخاملة من قطر في 2025، قبل أن تتراجع الحصة القطرية إلى نحو 30% في النصف الأول من 2026، مع تحوّل البلاد إلى الإمدادات الأمريكية.
اقرأ أيضًا:
اليابان تقود تحركًا آسيويًا لتعزيز مخزونات النفط ومواجهة اضطرابات الإمدادات
عودة شحنات الغاز القطري عبر مضيق هرمز.. 4 ناقلات تظهر خارج الممر المائي
Short Url
العملات المشفرة من المضاربة إلى الاستخدام اليومي.. كيف تعيد تشكيل الاقتصاد الرقمي عالميًا؟
05 أكتوبر 2026 11:50 ص
من النفط الخام إلى أزمة الديزل.. لماذا أصبحت المصافي مفتاح أمن الطاقة العالمي؟
04 أكتوبر 2026 04:30 م
طفرة في الطلب على المعادن الحيوية.. الليثيوم يتصدر النمو والنحاس يضيف 7 ملايين طن
04 أكتوبر 2026 01:16 م
أكثر الكلمات انتشاراً