من استنساخ الأصوات إلى انتحال القيادات.. الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل أساليب الاحتيال المالي
الخميس، 01 أكتوبر 2026 10:49 ص
تقنيات الذكاء الاصطناعي
لم تعد عمليات الاحتيال الإلكتروني تعتمد فقط على اختراق الحسابات أو سرقة كلمات المرور، إذ دخل الذكاء الاصطناعي إلى المشهد ليمنح المحتالين أدوات أكثر تطورًا لانتحال هوية الأشخاص وصناعة رسائل ومكالمات يصعب اكتشاف زيفها، وهو ما ظهر في واقعة استهداف بنك «فيديرام» الإيطالي، التي تضمنت استخدام تقنية استنساخ الصوت إلى جانب رسائل مزيفة عبر تطبيق «واتساب».
وبحسب المعلومات الواردة في الواقعة، تمكن المحتالون من انتحال هوية مسؤولين بارزين، وإقناع رئيس مجلس إدارة البنك بتنفيذ سلسلة من التحويلات المالية بلغت قيمتها نحو 95 مليون يورو إلى حسابات خارجية.
رسالة عبر واتساب ومكالمة بصوت مستنسخ
بدأت الواقعة في فبراير الماضي، عندما تلقى باولو موليسيني، الذي كان يشغل منصب رئيس مجلس إدارة «فيديرام» في ذلك الوقت، رسالة عبر «واتساب» بدت وكأنها واردة من كارلو ميسينا، الرئيس التنفيذي لمجموعة «إنتيسا سان باولو»، وتضمنت الرسالة طلبًا عاجلًا للمساعدة في تنفيذ معاملة مالية خارجية، قبل أن يتلقى موليسيني اتصالًا هاتفيًا من شخص انتحل شخصية شريك بارز في إحدى شركات المحاماة.
ولم يكتف المحتالون بانتحال الشخصية، بل استعانوا بتقنية استنساخ الصوت بالذكاء الاصطناعي لتقليد صوت المحامي، في محاولة لإضفاء مزيد من المصداقية على الطلب ودفع المسؤول إلى التعامل معه باعتباره اتصالًا حقيقيًا، وبناءً على اعتقاده بأن الطلب صادر بالفعل عن الجهات التي تم انتحال شخصياتها، جرى ترتيب تحويلات مالية إلى حسابات خارجية، تركز معظمها في الصين وهونج كونج.

استرداد جزء من الأموال
اكتشف البنك لاحقًا وجود تحويلات مالية غير اعتيادية، ليبدأ في إخطار البنوك والسلطات المعنية في عدد من الدول، وساهم التعاون بين السلطات في إيطاليا والصين والبرتغال في استرداد نحو 53 مليون يورو من الأموال المحولة، بينما ظل نحو 36 مليون يورو غير متتبع، بعد انتقال جزء من الأموال عبر شبكة من الحسابات الخارجية وتحويل جزء آخر إلى عملات مشفرة.
وتخضع الواقعة لتحقيقات في مدينة ميلانو، فيما وُضع شخص أجنبي يقيم خارج أوروبا قيد التحقيق للاشتباه في ارتكابه جريمة احتيال إلكتروني، وفقًا للمعلومات الواردة في تفاصيل الواقعة، وفي مارس 2026، استقال موليسيني من رئاسة مجلس إدارة «فيديرام»، موضحًا في ذلك الوقت أن الاستقالة جاءت لأسباب شخصية.
كيف يستغل المحتالون الذكاء الاصطناعي؟
تُظهر هذه الواقعة تحولًا مهمًا في طبيعة الاحتيال الإلكتروني؛ فالمحتال لم يعد بحاجة إلى اختراق نظام مصرفي بشكل مباشر، وإنما يمكنه استهداف العنصر البشري من خلال التلاعب بالهوية والثقة.
ومن أبرز التقنيات التي يمكن أن تُستخدم في هذا النوع من الاحتيال:
استنساخ الصوت
تتيح تقنيات الذكاء الاصطناعي إنشاء نسخة اصطناعية من صوت شخص حقيقي اعتمادًا على عينات صوتية متاحة، ثم استخدامها لإنتاج كلام يبدو صادرًا عن الشخص نفسه، وتكمن الخطورة في أن الضحية قد تعتمد على الصوت باعتباره وسيلة للتأكد من هوية المتصل، رغم أن الصوت وحده لم يعد وسيلة كافية للتحقق، خصوصًا عند طلب تحويلات مالية كبيرة.
انتحال الهوية عبر الرسائل
يمكن للمحتالين استخدام المعلومات المتاحة عن الأشخاص والمؤسسات لصياغة رسائل تبدو مشابهة لطريقة تواصل المسؤول الحقيقي، سواء عبر تطبيقات المراسلة أو البريد الإلكتروني، وفي حالة «فيديرام»، جاءت رسالة «واتساب» في إطار عملية انتحال متكاملة، ثم جرى دعمها بمكالمة هاتفية لإقناع الضحية بصحة الطلب.
التزييف الصوتي والمرئي
لا يقتصر استخدام الذكاء الاصطناعي على الصوت، إذ يمكن استخدام تقنيات التزييف العميق Deepfake لإنشاء أو تعديل محتوى مرئي يحاكي أشخاصًا حقيقيين، الأمر الذي يفتح المجال أمام عمليات انتحال أكثر تعقيدًا، وقد يستغل المحتال هذه التقنيات لإيهام الضحية بأن الشخص الذي يتحدث معه أو يظهر أمامه في تسجيل أو اتصال هو بالفعل الشخص الذي يدعي أنه هو.
إنشاء محتوى احتيالي أكثر إقناعًا
يمكن لأدوات الذكاء الاصطناعي إنتاج نصوص ورسائل وصياغات لغوية تبدو أكثر احترافية وأقل عرضة للأخطاء، ما يساعد المحتال على إعداد رسائل تنتحل صفة مسؤول تنفيذي أو موظف بنك أو محامٍ، وهنا يصبح اكتشاف الاحتيال من خلال الأخطاء اللغوية أو الصياغة الركيكة أكثر صعوبة مما كان عليه في بعض الأساليب التقليدية.
لماذا تمثل هذه الأساليب خطرًا على القطاع المالي؟
تكمن خطورة الاحتيال المدعوم بالذكاء الاصطناعي في أنه لا يستهدف التكنولوجيا فقط، وإنما يستهدف آلية اتخاذ القرار نفسها، والمحتال قد لا يحتاج إلى اختراق حساب المسؤول أو الدخول إلى النظام المصرفي؛ بل يكفي أن يقنع الشخص المخول بتنفيذ العملية بأن الطلب صادر عن مسؤول موثوق، وفي التحويلات المالية الكبيرة، يمكن أن يؤدي الجمع بين رسالة مزيفة ومكالمة صوتية منتحلة، إلى خلق سلسلة من المؤشرات الزائفة التي تدفع الضحية إلى الاعتقاد بأن الطلب حقيقي.

واقعة مماثلة استهدفت رجل أعمال إيطاليًا
وتشير المعلومات الواردة إلى أن إيطاليا شهدت واقعة مشابهة في العام الماضي، عندما استخدم محتالون تقنيات الذكاء الاصطناعي لتقليد صوت وزير إيطالي، وإقناع رجل الأعمال ماسيمو موراتي بتحويل نحو مليون يورو إلى حساب خارجي، وتمكنت السلطات من استرداد الأموال في تلك الواقعة، التي سلطت الضوء بدورها على استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في انتحال الشخصيات واستهداف رجال الأعمال والمسؤولين التنفيذيين.
من اختراق الأنظمة إلى اختراق الثقة
تكشف هذه الوقائع عن تغير في مفهوم الاحتيال الإلكتروني؛ فالمعركة لم تعد تدور فقط حول حماية الأنظمة والحسابات، وإنما أصبحت تشمل التحقق من هوية الشخص الذي يصدر التعليمات، ومع تطور استنساخ الأصوات والتزييف العميق وقدرات الذكاء الاصطناعي على إنتاج رسائل ومحتوى مقنع، أصبحت إجراءات التحقق التقليدية، مثل الاعتماد على صوت المتصل أو رسالة واحدة، أقل موثوقية عند التعامل مع التحويلات المالية الحساسة.
ولهذا تتجه المؤسسات المالية إلى تعزيز إجراءات التحقق متعددة المراحل، خصوصًا في المعاملات ذات القيمة المرتفعة، بحيث لا يكون تنفيذ التحويل معتمدًا على رسالة أو مكالمة هاتفية واحدة، مهما بدت مقنعة.
اقرأ أيضًا:
إيقاف الذكاء الاصطناعي يثير جدلًا عالميًا مع تصاعد قدرات الوكلاء المستقلين
Short Url
إيقاف الذكاء الاصطناعي يثير جدلًا عالميًا مع تصاعد قدرات الوكلاء المستقلين
01 أكتوبر 2026 08:46 ص
إعداد مخفي في أندرويد يجعل هاتفك أسرع دون تثبيت تطبيقات
01 أكتوبر 2026 07:13 ص
«TSMC» تدرس استثمارًا جديدًا في تكساس لتوسيع صناعة الرقائق بأميركا
01 أكتوبر 2026 01:23 ص
أكثر الكلمات انتشاراً