الجمعة، 25 سبتمبر 2026

03:21 م

الصين تراهن على الذكاء الاصطناعي لتحويل البحث والابتكار إلى صناعة سينمائية

الجمعة، 25 سبتمبر 2026 01:51 م

الصين _ صورة أرشيفية

الصين _ صورة أرشيفية

محمد ممدوح

تسعى الصين إلى نقل إنتاج الفيديوهات والأفلام بالذكاء الاصطناعي من مرحلة التجارب التقنية الناشئة إلى صناعة متكاملة، ضمن توجه أوسع لدمج تقنيات الذكاء الاصطناعي في مختلف قطاعات الاقتصاد.

وتتنافس المدن والمناطق الصناعية الصينية على استقطاب شركات ومبدعي أفلام الذكاء الاصطناعي، من خلال حزمة من الحوافز تتضمن الدعم التقني، وتوفير القدرات الحوسبية، وخفض تكاليف الإيجارات، إلى جانب المنح والإعانات المالية.

وتندرج هذه السياسة ضمن نهج صناعي سبق أن اتبعته الصين في تطوير قطاعات مثل السيارات الكهربائية والطاقة الشمسية والروبوتات، بهدف إنشاء منظومات إنتاج قادرة على المنافسة في الأسواق العالمية.

سباق بين المدن لجذب صناع أفلام الذكاء الاصطناعي

قال صانع أفلام الذكاء الاصطناعي تشو تشيلي إنه تلقى خلال العام الحالي اتصالات متكررة من مسؤولين في مدن ومجمعات صناعية صينية، عرضوا عليه نقل نشاطه أو تأسيس شركات ومشروعات تقنية جديدة في مناطقهم.

وكانت شنتشن الخيار الأبرز قبل عامين، عندما كان يبحث عن مقر لاستوديو متخصص في إنتاج الأفلام بالذكاء الاصطناعي، مستفيدًا من البنية التكنولوجية المتطورة التي تتمتع بها المدينة.

لكن المنافسة توسعت خلال الفترة الأخيرة، مع دخول مدن ومناطق صناعية أخرى إلى سباق استقطاب المواهب والشركات العاملة في هذا القطاع، من خلال توفير مساحات عمل مدعومة، ومساعدات معيشية، وقدرات حوسبية منخفضة التكلفة.

انخفاض كبير في تكاليف الإنتاج

يمثل انخفاض تكاليف الإنتاج أحد أبرز العوامل التي تدفع صناع المحتوى إلى تبني الذكاء الاصطناعي في أعمالهم.

ووفقًا للتلفزيون الرسمي الصيني، تراجعت تكلفة إنتاج الدراما القصيرة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي خلال النصف الأول من 2026، من نحو 5 آلاف يوان للدقيقة إلى بضع مئات من اليوانات فقط.

وقال طالب دراسات عليا في الإخراج السينمائي من مقاطعة هاينان إن تصوير مشهد زفاف بالأساليب التقليدية كان يمكن أن تصل تكلفته إلى نحو 60 ألف يوان، بينما انخفضت تكلفة إنتاج المشهد نفسه باستخدام الذكاء الاصطناعي إلى نحو 1400 يوان.

وساهمت الإعانات الحكومية وإعفاءات الإيجار أيضًا في خفض تكاليف الحوسبة التي يتحملها بعض صناع المحتوى.

بكين وشنجهاي وشنتشن تدخل المنافسة

لم تقتصر الحوافز الحكومية على مدينة واحدة، إذ أطلقت شنجهاي في مايو إجراءات لتسريع إنتاج الأعمال الدرامية القصيرة المدعومة بالذكاء الاصطناعي، تضمنت توفير القدرات الحوسبية ونماذج الذكاء الاصطناعي السحابية، إلى جانب دعم توزيع المحتوى في الخارج.

وفي بكين، يوجد صندوق بقيمة 260 مليون يوان لدعم تكنولوجيا الوسائط السمعية والبصرية، بينما توفر منطقة هوايرو، التي تعد أحد مراكز صناعة السينما الصينية، قسائم لمنتجي الدراما القصيرة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي للمساعدة في خفض تكاليف الحوسبة.

وتعمل شنتشن بدورها على استقطاب المواهب المتخصصة من خلال تقديم الدعم الفني في مجالات إنتاج الفيديو والمؤثرات البصرية وتوليد المحتوى، إلى جانب توفير إيجارات مدعومة.

كما تراهن منصة آي تشي يي (iQIYI) على هذا الاتجاه، إذ أعلن رئيسها التنفيذي غونغ يو في أغسطس أن الشركة تتوسع بقوة في مجال الذكاء الاصطناعي، مع تقديم الدعم لبعض صناع المحتوى لإنتاج أعمال تعتمد على هذه التكنولوجيا.

221.9 ألف عمل بالذكاء الاصطناعي خلال 6 أشهر

لكن النمو السريع في الإنتاج يثير مخاوف من حدوث تخمة في المحتوى، قبل أن يتمكن السوق من استيعاب هذه الكميات المتزايدة.

وبحسب بيانات شركة داتا آي، جرى إطلاق نحو 221.9 ألف عمل جديد بالذكاء الاصطناعي على منصة دوين، النسخة الصينية من تيك توك، خلال النصف الأول من 2026.

وفي المقابل، لم يتجاوز عدد الأعمال التي تخطت مشاهداتها 100 مليون مشاهدة سوى 1055 عملًا، وهو مستوى يستخدم عادة مؤشرًا على نجاح الأعمال واسعة الانتشار.

وتعكس هذه الفجوة تحديًا رئيسيًا أمام الصناعة؛ فبينما يؤدي انخفاض تكلفة الإنتاج إلى زيادة هائلة في حجم المعروض، يظل جذب انتباه الجمهور والوصول إلى معدلات مشاهدة واسعة أكثر صعوبة.

أول فيلم بالذكاء الاصطناعي يحصل على ترخيص للعرض السينمائي

ولا تقتصر صناعة المحتوى المعتمد على الذكاء الاصطناعي في الصين على فيديوهات الإنترنت والدراما القصيرة، إذ بدأت تمتد إلى الأفلام الطويلة.

ومنحت إدارة السينما الوطنية الصينية ترخيصًا للعرض العام لفيلم الخيال العلمي «سانشينغدوي: ذكريات المستقبل»، الذي تبلغ مدته 90 دقيقة، ليصبح أول فيلم يعتمد على الذكاء الاصطناعي من إنتاج استوديو صيني كبير يحصل على موافقة للعرض السينمائي في البلاد.

وقالت شركة بونا فيلم غروب، المنتجة للعمل، إنه من المقرر طرح الفيلم في دور السينما الصينية خلال العام الحالي.

مخاوف بشأن الوظائف وحقوق الملكية الفكرية

ورغم الانتشار المتزايد للمحتوى المنتج بالذكاء الاصطناعي، تواجه الصناعة اعتراضات ومخاوف تتعلق باستخدام صور وأصوات الممثلين، واحتمالات تأثير التكنولوجيا في وظائف العاملين بمجال التعليق الصوتي، إلى جانب قضايا حقوق الملكية الفكرية.

كما يشكو بعض المستهلكين من استخدام شخصيات أو مقاطع أصلية لأشخاص آخرين داخل أعمال مولدة بالذكاء الاصطناعي دون نسبها إلى أصحابها.

وتفرض الصين بالفعل وضع علامات واضحة على المحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي، لكنها لم تضع حتى الآن إطارًا واضحًا وشاملًا ينظم حقوق الملكية الفكرية المرتبطة بهذا النوع من المحتوى.

من الإنتاج منخفض التكلفة إلى صناعة عالمية

وبينما تراهن الصين على الدعم الحكومي وانخفاض تكاليف الإنتاج لبناء صناعة جديدة، يتمثل التحدي الأساسي في تحويل وفرة المحتوى إلى أعمال قادرة على جذب الجمهور وتحقيق عوائد تجارية مستدامة.

وبدأ صناع الأفلام الصينيون بالفعل في عرض أعمالهم خارج البلاد، إذ قدمت المخرجة تساو يي ون فيلمًا رسومياً بالذكاء الاصطناعي خلال مهرجان عالمي لأفلام الذكاء الاصطناعي في كان عام 2026.

ويشير توسع الدعم الحكومي، وتراجع تكاليف الإنتاج، ودخول منصات البث وصناعة الأفلام الطويلة إلى هذا المجال، إلى انتقال الذكاء الاصطناعي في قطاع السينما الصيني من مرحلة التجارب الفردية إلى محاولة بناء منظومة صناعية متكاملة، مع استمرار تحديات الطلب وحقوق الملكية وأصالة المحتوى.

وتأتي هذه الطفرة ضمن استراتيجية صينية أوسع لتوسيع استخدام الذكاء الاصطناعي في الاقتصاد، في وقت تعمل فيه البلاد على تطوير صناعات تقنية جديدة والاستفادة من بنيتها التحتية الرقمية وقدراتها الحوسبية المحلية.

ويشبه النهج المتبع في صناعة المحتوى بالذكاء الاصطناعي سياسات صناعية استخدمتها الصين في قطاعات أخرى، إذ تتنافس الحكومات المحلية على جذب الشركات والمواهب من خلال الحوافز والاستثمارات وتوفير البنية التحتية اللازمة.

لكن تجارب قطاعات أخرى تظهر أيضًا أن زيادة الطاقة الإنتاجية بوتيرة سريعة قد تؤدي إلى فجوة بين حجم المعروض والطلب المحلي، وهو ما بدأ يظهر في سوق فيديوهات الذكاء الاصطناعي، من خلال العدد الكبير من الأعمال الجديدة مقارنة بعدد محدود نسبيًا من الأعمال التي تنجح في تحقيق انتشار واسع.

Short Url

search