الخميس، 17 سبتمبر 2026

12:24 م

الأسواق الزراعية في مواجهة صعبة.. الأسمدة وتقلبات النينيو تضغطان على الغذاء

الخميس، 17 سبتمبر 2026 11:34 ص

أزمات الزراعة- تعبيرية

أزمات الزراعة- تعبيرية

مي المرسي

يستعد الموسم الزراعي العالمي في خريف وشتاء 2026 لمواجهة واحدة من أكثر البيئات تعقيدًا في السنوات الأخيرة، مع تزامن أزمة إمدادات الأسمدة الناتجة عن اضطرابات الشرق الأوسط ومخاطر الطقس المرتبطة بظاهرة النينيو، في وقت تشير فيه التوقعات إلى امتداد بعض تداعيات هذه الضغوط إلى 2027.

المشكلة هذه المرة لا تتعلق بعامل واحد يمكن احتواؤه بسهولة، فالمزارع يواجه في الوقت نفسه ارتفاع تكلفة أحد أهم مدخلات الإنتاج، واحتمالات تغير درجات الحرارة وهطول الأمطار، فضلًا عن اضطرابات النقل والشحن التي يمكن أن تؤخر وصول الأسمدة إلى الأسواق الزراعية في توقيت حاسم.

وتشير تحليلات ستاندرد آند بورز كوميدتي إنسايتس إلى أن النينيو قد يؤدي إلى تقلبات إقليمية في درجات الحرارة والأمطار، بما يرفع مخاطر الجفاف والفيضانات والإجهاد الحراري، مع اختلاف التأثير من منطقة إلى أخرى ومن محصول إلى آخر. 

أزمة الأسمدة تبدأ من هرمز وتصل إلى الحقل

قبل أن تبدأ ظاهرة النينيو في التأثير على الموسم الزراعي، كان المزارعون يواجهون بالفعل أزمة في الأسمدة نتيجة اضطرابات الإمدادات المرتبطة بالحرب في الشرق الأوسط وتعطل حركة التجارة عبر المنطقة.

وهنا تظهر أهمية مضيق هرمز بالنسبة إلى القطاع الزراعي، فالممر البحري لا يرتبط فقط بتجارة النفط والغاز، وإنما يمثل أيضًا طريقًا مهمًا لتجارة بعض مكونات الأسمدة، خصوصًا اليوريا والأمونيا والكبريت.

وبحسب بيانات ستاندرد آند بورز كوميدتي، فإن أي اضطراب في حركة الملاحة عبر هرمز يؤثر بصورة مباشرة في نحو 29% من تجارة اليوريا العالمية و21% من تجارة الأمونيا، ما يجعل أي تأخير في الإمدادات عاملًا مؤثرًا في أسواق الأسمدة.

لماذا لا تستطيع مخزونات الأسمدة حل الأزمة؟

في أسواق النفط، يمكن للحكومات وشركات الطاقة اللجوء إلى المخزونات الاستراتيجية والاحتياطيات لتخفيف أثر انقطاع الإمدادات لفترة معينة، لكن سوق الأسمدة أكثر تعقيدًا، لأن كثيرًا من الدول لا تمتلك مخزونات استراتيجية ضخمة تكفي لتعويض اضطراب طويل في الإمدادات، ما يعني أن تأخر الشحنات قد يتحول سريعًا إلى مشكلة زراعية.

وهنا تكمن نقطة شديدة الأهمية في دورة الإنتاج: الأسمدة ليست سلعة يمكن تعويض استخدامها بسهولة بعد انتهاء موسم الزراعة، فإذا وصل السماد إلى المزارع بعد انتهاء الفترة التي يحتاج فيها المحصول إلى العناصر الغذائية، فقد تكون قيمته الإنتاجية أقل بكثير، حتى لو عادت الأسعار إلى مستوياتها الطبيعية لاحقًا، وبالتالي، فإن الأزمة لا تتمثل فقط في ارتفاع سعر طن السماد، وإنما في توقيت وصوله إلى المزرعة، وهذا يفسر لماذا يمكن لاضطراب في ميناء أو مضيق بحري أن يتحول بعد أسابيع أو أشهر إلى مشكلة في إنتاج الحبوب والزيوت والمحاصيل الغذائية.

ارتفاع تكلفة الأسمدة يغير قرار المزارع

عندما ترتفع أسعار الأسمدة، لا يكون أمام المزارع خيار واحد، وقد يتحمل التكلفة ويحافظ على معدلات الاستخدام المعتادة، وهو ما يضغط على هامش الربح، أو يقلل كميات السماد المستخدمة، أو يغير المحصول الذي يزرعه إلى محصول أقل احتياجًا للمدخلات مرتفعة التكلفة.

وهنا تنتقل الأزمة من سوق الأسمدة إلى سوق المحاصيل، وتشير تحليلات ستاندرد آند بورز إلى أن ارتفاع تكلفة الأسمدة قد لا ينعكس فورًا على أسعار المحاصيل، لأن هناك فارقًا زمنيًا بين ارتفاع تكلفة المدخلات وبين ظهور أثرها على الإنتاج، لكن استمرار هذا الفارق يمكن أن يؤدي في النهاية إلى تضييق الفوائض القابلة للتصدير، وبالتالي زيادة الضغوط على أسعار الغذاء. وتظهر هذه العلاقة بالفعل في تحليلات السوق الآسيوية، حيث أدى ارتفاع أسعار الأسمدة إلى زيادة المخاطر على ربحية المزارعين وقرارات الزراعة. 

الأسمدة الزراعية: أنواعها وفوائدها وأهميتها للمحاصيل :: Blog - أجري مصر |  السوق الزراعي

النينيو يدخل على خط الأزمة

بينما يحاول القطاع الزراعي التعامل مع ارتفاع تكلفة المدخلات واضطرابات الإمدادات، يأتي النينيو ليضيف عاملًا آخر يصعب التحكم فيه.

والنينيو ظاهرة مناخية مرتبطة بارتفاع درجات حرارة سطح البحر في الأجزاء الوسطى والشرقية من المحيط الهادئ، ويمكن أن تستمر لعدة أشهر، لكنها لا تؤثر بالطريقة نفسها على جميع مناطق العالم، وتشير التوقعات إلى استمرار الظاهرة خلال موسم 2026-2027، مع احتمال اشتدادها خلال الفترة من أكتوبر إلى ديسمبر واستمرار تأثيرها حتى أوائل 2027. 

والأهم أن النينيو لا يعني ببساطة «طقسًا أكثر حرارة» في كل مكان، وإنما يعيد توزيع أنماط الأمطار ودرجات الحرارة، وهو ما يجعل تأثيره على الزراعة شديد الاختلاف بحسب الموقع الجغرافي.

من الرطوبة الزائدة إلى الجفاف.. النينيو لا يضرب الجميع بالطريقة نفسها

في بعض المناطق، قد يؤدي النينيو إلى زيادة خطر الجفاف ونقص الأمطار، بينما قد تواجه مناطق أخرى أمطارًا أعلى من المعتاد أو فيضانات، وتضع هذه الاختلافات الأسواق الزراعية أمام سيناريو أكثر تعقيدًا؛ فالمحصول نفسه قد يتعرض لضغوط في دولة منتجة، بينما يستفيد منتجون في منطقة أخرى من ظروف جوية أفضل

وتشير تقديرات ستاندرد آند بورز إلى مخاطر أكبر للجفاف في شمال البرازيل وأجزاء من جنوب وجنوب شرق آسيا، بينما قد تشهد أجزاء من جنوب الولايات المتحدة وجنوب أميركا الجنوبية معدلات أمطار أعلى من المعتاد، وهذا يعني أن التأثير الحقيقي للنينيو على أسعار الغذاء لن يتحدد فقط بحجم الانخفاض في الإنتاج العالمي، وإنما أيضًا بمكان حدوث الانخفاض، وما إذا كانت الدول الأخرى قادرة على تعويض النقص.

القمح وفول الصويا والذرة في دائرة الخطر

تتركز المخاوف بصورة خاصة حول عدد من المحاصيل التي تمثل مكونات رئيسية في تجارة الغذاء العالمية، وتشير تحليلات السوق إلى احتمال تراجع إنتاج القمح في أستراليا والولايات المتحدة، بينما قد يتعرض إنتاج فول الصويا في البرازيل والأرجنتين لضغوط نتيجة الظروف المناخية المرتبطة بالنينيو. كما قد يتأثر إنتاج الذرة في بعض المناطق، في حين يمكن أن تستفيد مناطق أخرى من ظروف جوية أكثر ملاءمة. 

وتبرز البرازيل بصورة خاصة في هذه المعادلة، باعتبارها لاعبًا رئيسيًا في أسواق الحبوب وفول الصويا، وأي تأخر في زراعة فول الصويا أو تغير في مواعيد زراعة الذرة يمكن أن ينعكس على أحجام المحاصيل، ثم على حركة الصادرات العالمية، كما تواجه أستراليا مخاطر مرتبطة بتراجع الأمطار، ما قد يضغط على إنتاج القمح والشعير ويؤثر في صادراتهما. 

الأزمة الحقيقية ليست في النينيو وحده

قد يبدو للوهلة الأولى أن النينيو هو الخطر الأكبر على الموسم الزراعي، لكن الصورة أكثر تعقيدًا، فالأسواق الزراعية تدخل الموسم أصلًا وهي تواجه تكلفة مرتفعة للمدخلات واضطرابات في سلاسل التوريد، وبالتالي فإن أي صدمة مناخية جديدة ستضاف إلى منظومة ضغوط قائمة بالفعل.

بمعنى آخر، لو دخل المزارع الموسم في ظروف طبيعية وهو يواجه ارتفاعًا في سعر السماد، فقد يستطيع تعديل خطته الزراعية أو تحمل جزء من التكلفة. لكن إذا تزامن ذلك مع نقص في السماد، ثم جاء جفاف أو إجهاد حراري في مرحلة حساسة من نمو المحصول، فإن قدرة المزارع على امتصاص الصدمة تصبح أقل، وهنا تتحول المخاطر من ارتفاع تكلفة الإنتاج إلى احتمال انخفاض الإنتاج نفسه.

المنظمة العالمية للأرصاد الجوية | ظاهرة النينيو في طريقها لتصبح شديدة  القوة، مما يزيد من مخاطر الظواهر الجوية المتطرفة حتى عام 2027

كيف تنتقل الأزمة من السماد إلى أسعار الغذاء؟

يمكن تتبع سلسلة التأثير في عدة مراحل، إذ تبدأ الأزمة باضطراب في الشحن أو الإنتاج، ما يؤدي إلى ارتفاع تكلفة الأسمدة أو تأخر وصولها. ثم يضطر بعض المزارعين إلى خفض الاستخدام أو تعديل خطط الزراعة، بعد ذلك، يأتي العامل المناخي ليؤثر في الإنتاجية، فتتراجع بعض المحاصيل في مناطق معينة، وإذا تزامن ذلك مع ضعف الإمدادات من مناطق أخرى، تنخفض الكميات المتاحة للتجارة العالمية.

في هذه المرحلة تبدأ الأسعار في التحرك، ليس بالضرورة لأن الطلب العالمي ارتفع، وإنما لأن العرض أصبح أكثر هشاشة، وهذا فارق مهم؛ فأسعار الأسمدة تتأثر بدرجة كبيرة بعوامل العرض، مثل أسعار الطاقة واضطرابات الشحن وسياسات التصدير والأحداث الجيوسياسية، أكثر من تأثرها المباشر بالتغير في الطلب الزراعي الناتج عن النينيو.

هل يعني النينيو انخفاض الطلب على الأسمدة؟

ليس بالضرورة؛ حيث تشير تحليلات ستاندرد آند بورز إلى عدم وجود علاقة واضحة بين النينيو وانخفاض إجمالي الطلب العالمي على الأسمدة، لأن المزارعين والأسواق يمكنهم التكيف بطرق مختلفة، من بينها تحسين كفاءة الري وتعديل مواعيد الزراعة وتغيير أنماط شراء الأسمدة واستخدام منتجات أكثر كفاءة في إدارة المغذيات والمياه.

لكن المشكلة أن هذا التكيف يحتاج إلى وقت واستثمارات، فالمزارع الذي يواجه أزمة سماد في موسم واحد لا يستطيع بالضرورة أن يغير نظام الري بالكامل أو يعيد تصميم دورة إنتاجه خلال أسابيع.

لماذا تختلف تداعيات الأزمة من محصول إلى آخر؟

ليست كل المحاصيل متساوية في احتياجاتها من الأسمدة أو حساسيتها للطقس، فبعض المحاصيل تحتاج إلى كميات أكبر من النيتروجين خلال مراحل محددة من النمو، بينما تعتمد محاصيل أخرى بصورة أكبر على الفوسفور أو البوتاسيوم.

كذلك، تختلف حساسية المحاصيل للجفاف والحرارة والرطوبة، كما يختلف توقيت الزراعة والحصاد من منطقة إلى أخرى، ولهذا السبب لا يمكن اختزال تأثير الأزمة في توقع واحد من نوع «انخفاض الإنتاج العالمي»، بل يجب النظر إلى كل محصول وكل منطقة على حدة.

وهذا ما يجعل الأسواق الزراعية أكثر تقلبًا خلال موسم 2026-2027، إذ يمكن أن تتحرك أسعار محصول معين بسبب مخاوف الإنتاج في دولة واحدة رئيسية، حتى إذا ظل الإنتاج في بقية العالم مستقرًا.

من الزراعة إلى الشركات والأسواق والائتمان

تداعيات الأزمة لا تتوقف عند المزارع أو المستهلك، فتراجع إنتاج المحاصيل يمكن أن يؤثر في شركات تجارة الحبوب، وشركات الأغذية، ومصنعي الزيوت، ومربي الثروة الحيوانية الذين يعتمدون على الذرة وفول الصويا في الأعلاف.

كما يمكن أن تتأثر شركات الأسمدة نفسها، لكن التأثير لن يكون موحدًا؛ فارتفاع الأسعار قد يدعم إيرادات المنتجين القادرين على تأمين الإمدادات، بينما يضغط على المزارعين ومصنعي الأغذية.

وتشير ستاندرد آند بورز إلى أن انتقال مخاطر النينيو يبدأ من اضطرابات الإنتاج، ثم يمتد إلى التجارة وأسعار السلع، قبل أن يصل إلى إيرادات الشركات ومخاطر الائتمان والتقييمات، وهكذا تتحول الظاهرة المناخية من مشكلة زراعية إلى عامل اقتصادي واسع التأثير.

وكالة الأنباء الليبية - الأرصاد العالمية تحذّر من عودة ظاهرة إلنينيو  وتأثيراتها المناخية الواسعة

هل يمكن احتواء الأزمة؟

الأسواق والحكومات لديها عدد من الأدوات لتخفيف التأثير، لكنها لا تستطيع إلغاء المخاطر بالكامل، ومن بين الحلول المطروحة زيادة المخزونات الاستراتيجية من الأسمدة، وتنويع مصادر الاستيراد، وتوسيع البنية التحتية للري، وتحسين كفاءة استخدام المياه والمغذيات، إلى جانب الاعتماد بصورة أكبر على الأسمدة القابلة للذوبان في الماء والمنتجات التي تسمح بإدارة أكثر دقة للعناصر الغذائية.

2027 قد يكون عام اختبار مرونة الزراعة

الخطر الأكبر لا يتمثل بالضرورة في صدمة واحدة، وإنما في تراكم الصدمات، فإذا عادت حركة الملاحة إلى طبيعتها، لكن ظلت أسعار الأسمدة مرتفعة، فإن المزارعين سيدخلون الموسم التالي بتكاليف أعلى. وإذا تحسن توفر الأسمدة، لكن استمرت الظروف المناخية غير المواتية في بعض مناطق الإنتاج، فسيظل خطر نقص المحاصيل قائمًا.

أما السيناريو الأكثر تعقيدًا فهو استمرار اضطرابات الإمدادات بالتزامن مع ظروف مناخية غير مواتية في أكثر من منطقة إنتاج رئيسية، وهنا تصبح مرونة النظام الغذائي العالمي هي العامل الحاسم: هل توجد مصادر بديلة للأسمدة؟ هل توجد مخزونات كافية؟ هل يستطيع المنتجون تعويض نقص محصول في دولة بإنتاج أعلى في دولة أخرى؟ وهل تستطيع البنية التحتية للنقل والتجارة استيعاب إعادة توجيه التدفقات؟.

اقرأ أيضًا:

مشتريات الصين من الذهب ترتفع إلى 20.2 طن في أغسطس 2026

Short Url

search