الأربعاء، 16 سبتمبر 2026

10:28 م

«العدوى الاجتماعية».. تأثير صامت يعيد تشكيل أفكارنا وسلوكياتنا

الأربعاء، 16 سبتمبر 2026 09:21 م

محمد ممدوح

هل لاحظت من قبل أنك بعد قضاء فترة طويلة مع مجموعة من الأشخاص تبدأ في التحدث بالطريقة نفسها التي يتحدثون بها، والضحك على الأشياء نفسها، وحتى الشكوى من الأمور ذاتها؟، هذا التأثير الذي يحدث أحيانًا دون وعي يُعرف بـ«العدوى الاجتماعية»، وهي ظاهرة لا تقتصر على تقليد السلوك، بل يمكن أن تمتد إلى طريقة التفكير والمعايير التي نقيس بها نجاحنا وحياتنا.

تأثير المحيط الاجتماعي ينتقل بالاحتكاك اليومي

وأوضح الدكتور محمد عثمان، خلال حلقة جديدة من برنامج «ميتينج»، أن تأثير المحيط الاجتماعي لا يحدث دائمًا من خلال النصائح أو التوجيه المباشر، وإنما قد ينتقل بصورة غير ملحوظة نتيجة الاحتكاك اليومي بالأشخاص والعيش داخل البيئة نفسها.

وأشار إلى أن الإنسان قد يبدأ في اعتبار طريقة حياة المحيطين به أمرًا طبيعيًا، فوجود أشخاص دائمين الشكوى قد يجعل الشكوى تبدو سلوكًا طبيعيًا، بينما قد يؤدي انتشار النظرة التشاؤمية إلى جعل الأمل والطموح يبدوان أمرًا غير واقعي.

وأكد «عثمان»، أن العدوى الاجتماعية قد تصل إلى تغيير المعايير الشخصية للفرد، موضحًا أن الشخص قد يجد نفسه بعد سنوات يقيس نجاحه بالمال أو بمقاييس أخرى لم يخترها بنفسه، وإنما تبناها تدريجيًا من البيئة المحيطة به.

وضرب مثالًا بالحلم والطموح، موضحًا أن الشخص قد يبدأ بحماس تجاه هدف معين، لكنه مع تكرار سماع عبارات مثل «خليك واقعي» و«الدنيا مش سهلة»، قد يبدأ في تقليل حديثه عن حلمه، ثم الشك فيه، وصولًا إلى التخلي عنه أو حتى السخرية ممن يحاول تحقيق حلم مشابه.

التأثير الإيجابي للعدوى الاجتماعية

وفي المقابل، يمكن للعدوى الاجتماعية أن يكون لها تأثير إيجابي، بحسب عثمان، إذ إن الاحتكاك بأشخاص منظمين قد يدفع الفرد إلى تنظيم وقته، بينما يمكن للوجود وسط أشخاص يتعلمون باستمرار أن يشجع على التعلم وطرح الأسئلة، كما أن القرب من أشخاص يمتلكون الطموح والشجاعة قد يجعل أهدافًا كانت تبدو بعيدة أكثر قابلية للتحقيق.

وشدد على أن القضية لا تتعلق بتصنيف الأشخاص إلى «إيجابيين» و«سلبيين»، أو الدعوة إلى الابتعاد عن كل شخص يمر بظروف أو يمتلك أفكارًا مختلفة، مؤكدًا أن الإنسان قد يحب شخصًا ويحترمه ويقدّر دعمه، ومع ذلك قد لا يكون تأثيره مناسبًا لمرحلة معينة من حياته.

وأوضح أن السؤال الأهم ليس فقط «من هم الأشخاص الموجودون حولي؟»، وإنما «من أكون عندما أكون معهم؟»، داعيًا إلى ملاحظة الحالة النفسية والطاقة والطموح والأفكار التي يشعر بها الشخص بعد الجلوس مع الآخرين.

فقدان الإحساس بالأخطاء

وتطرق «عثمان»، إلى صورة أخرى من العدوى الاجتماعية وصفها بأنها أكثر خطورة، وهي «تطبيع الخطأ»، موضحًا أن وجود الإنسان باستمرار وسط أشخاص يعتبرون الكذب أو النميمة أو تقديم الأعذار سلوكيات عادية قد يؤدي مع الوقت إلى فقدان الإحساس بكونها أخطاء من الأساس.

وأكد أن أخطر مراحل التأثير الاجتماعي تحدث عندما لا يعود الشخص بحاجة إلى من يطلب منه القيام بسلوك معين، لأنه أصبح مقتنعًا بأن هذا السلوك طبيعي.

ودعا إلى مراجعة السلوكيات والعادات الشخصية من خلال طرح عدد من الأسئلة، من بينها: ما الأشياء التي بدأ الشخص في فعلها بعدما دخل دائرة اجتماعية معينة؟ وما الأشياء التي توقف عن فعلها لأن المحيطين به يرون أنها غير مهمة؟ وهل توقف عن الحلم أو التعلم أو المحاولة، وبدأ بدلًا من ذلك في السخرية من الأشخاص الذين يسعون إلى تحقيق أهدافهم؟

استخدام التأثير الاجتماعي بصورة إيجابية

وفي المقابل، أشار إلى إمكانية استخدام التأثير الاجتماعي بصورة إيجابية، من خلال اختيار بيئة تساعد على بناء العادات والأفكار المرغوبة، مثل الاقتراب من أشخاص يتعلمون باستمرار، أو من يواجهون مخاوفهم بدلًا من الهروب منها، أو من يستطيعون الاختلاف مع الآخرين دون تحويل كل اختلاف إلى صراع.

واختتم الدكتور محمد عثمان حديثه بالتأكيد على أن البيئة المحيطة بالإنسان تساهم في تشكيل شخصيته وسلوكياته، وأن عدم اختيار البيئة والمعايير الشخصية بوعي قد يؤدي إلى تبني معايير الآخرين دون إدراك.

وأوضح أن الإنسان قد يعيش سنوات تحت سقف وضعه له المحيطون به، بينما يعتقد أن هذا السقف هو الحد الذي اختاره لنفسه.

Short Url

search