الأربعاء، 16 سبتمبر 2026

04:44 ص

اقتصاد الذكاء الاصطناعي يتغير.. دعم الشركات المستخدمة أهم من صناعة النماذج

الأربعاء، 16 سبتمبر 2026 03:01 ص

الذكاء الاصطناعي

الذكاء الاصطناعي

لم يعد الحديث عن اقتصاد الذكاء الاصطناعي مرتبطًا فقط بالشركات، التي تطور النماذج والمنصات والتقنيات المتقدمة، بل بدأ يتحول إلى سؤال اقتصادي أوسع يتعلق بكيفية استفادة مختلف القطاعات من هذه التكنولوجيا في رفع الإنتاجية وخفض التكاليف وتحسين جودة الخدمات.

ومع توسع الحكومات في إطلاق صناديق التمويل، وحاضنات الأعمال، ومسرعات الشركات المتخصصة في الذكاء الاصطناعي، تبرز معادلة جديدة أمام صناع السياسات: هل يجب أن تتركز الحوافز على تأسيس شركات جديدة تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي، أم توجيه جزء أكبر من الدعم إلى الشركات القائمة حتى تتمكن من دمج هذه التقنيات في عملياتها اليومية؟

من صناعة الذكاء الاصطناعي إلى استخدامه

تطوير نموذج للذكاء الاصطناعي، أو منصة متخصصة يمثل أحد جوانب الاقتصاد الجديد، لكنه ليس الصورة الكاملة، والقيمة الاقتصادية لا تتوقف عند الشركات التي تبني التكنولوجيا، وإنما تمتد إلى المؤسسات التي تستخدمها لتحسين طريقة عملها.

فالبنوك، يمكنها توظيف الذكاء الاصطناعي في تحليل المخاطر واكتشاف الاحتيال، والمصانع تستطيع استخدامه للتنبؤ بالأعطال وتقليل فترات توقف خطوط الإنتاج، بينما يمكن للمستشفيات الاستفادة منه في تقليل الأعمال الإدارية وتحليل البيانات.

ويمتد الأمر إلى الجامعات وشركات الاتصالات والمتاجر وشركات النقل والخدمات اللوجستية، التي يمكنها استخدام الذكاء الاصطناعي لتحسين عملياتها، وإدارة المخزون، وتحسين خدمة العملاء، وتطوير مسارات التوصيل، وغيرها من الاستخدامات التي لا تتطلب بالضرورة أن تتحول هذه المؤسسات إلى شركات تكنولوجية.

ومن هنا، يتغير معيار تقييم أثر السياسات الحكومية، فبدلًا من التركيز فقط على عدد شركات الذكاء الاصطناعي التي تم تأسيسها، يمكن قياس النجاح بعدد الشركات التي نجحت في استخدام التكنولوجيا لتحقيق زيادة فعلية في الإنتاجية أو خفض التكاليف أو تحسين الجودة.

تجربة الإنترنت تقدم نموذجًا واضحًا

ويشبه التحول الحالي في الذكاء الاصطناعي، إلى حد كبير، ما حدث مع الإنترنت خلال العقود الماضية، وفي بدايات الاقتصاد الرقمي، كان التركيز على تأسيس «شركات إنترنت»، قبل أن يتحول الإنترنت تدريجيًا إلى مكون أساسي داخل جميع القطاعات الاقتصادية.

فالبنك لم يعد مجرد مؤسسة مالية تستخدم الإنترنت كأداة إضافية، وشركات الطيران والجامعات والمتاجر والمصانع أصبحت جميعها تعتمد على البنية الرقمية في جانب كبير من عملياتها.

تقنيات الذكاء الاصطناعي

وقد يسير الذكاء الاصطناعي في الاتجاه نفسه، بحيث يصبح استخدامه خلال السنوات المقبلة جزءًا طبيعيًا من بيئة العمل، مثل الحوسبة السحابية والهواتف الذكية والإنترنت.

وبالتالي، قد لا يكون السؤال الأكثر أهمية هو عدد الشركات التي تحمل وصف «شركة ذكاء اصطناعي»، وإنما مدى انتشار استخدام التكنولوجيا داخل الاقتصاد وقدرتها على تحويل طريقة الإنتاج وتقديم الخدمات.

سباق النماذج العملاقة ليس مناسبًا للجميع

وتواجه الدول العربية، معادلة أكثر تعقيدًا عند وضع استراتيجياتها للذكاء الاصطناعي، خاصة أن الدخول في سباق تطوير النماذج الأساسية العملاقة يتطلب استثمارات ضخمة في مراكز البيانات والقدرات الحوسبية والبيانات والمواهب المتخصصة.

ومنافسة شركات عالمية كبرى، تمتلك مليارات الدولارات من الاستثمارات وقدرات حوسبية هائلة ليست بالضرورة الخيار الاقتصادي الأكثر كفاءة بالنسبة إلى جميع الدول.

في المقابل، تمتلك اقتصادات المنطقة فرصة كبيرة في مجال أكثر ارتباطًا بالاحتياجات المحلية، من خلال تطوير حلول الذكاء الاصطناعي للقطاعات الإنتاجية والخدمية، وتحسين استخدامه داخل الشركات الصغيرة والمتوسطة، وتطوير تطبيقات باللغة العربية تراعي طبيعة الأسواق والمجتمعات المحلية.

وهنا تتحول المنافسة من محاولة امتلاك أكبر نموذج للذكاء الاصطناعي إلى القدرة على تحويل التكنولوجيا إلى قيمة اقتصادية حقيقية.

التمويل وحده لا يكفي

فإتاحة أدوات الذكاء الاصطناعي أمام الشركات، لا تضمن تلقائيًا قدرتها على تحقيق نتائج اقتصادية منها، لأن الاستفادة الفعلية تحتاج إلى كوادر قادرة على فهم إمكانات التكنولوجيا وحدودها.

وتحتاج المؤسسات إلى موظفين يعرفون كيفية استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، وكتابة التعليمات المناسبة، ومراجعة النتائج، واكتشاف الأخطاء والتحيزات، وحماية البيانات والمعلومات الحساسة، وتحديد الحالات التي يجب فيها عدم الاعتماد على مخرجات النظام.

لذلك ترتبط استراتيجية الذكاء الاصطناعي ارتباطًا مباشرًا بتطوير رأس المال البشري، فالسوق لا يحتاج فقط إلى مهندسين ومبرمجين قادرين على بناء النماذج، وإنما يحتاج أيضًا إلى أطباء ومحاسبين ومدرسين ومهندسين ومديرين وموظفين قادرين على دمج الذكاء الاصطناعي في أعمالهم اليومية.

مساران لدعم اقتصاد الذكاء الاصطناعي

ويمكن للحكومات والمؤسسات الاقتصادية، بناء سياسات دعم تقوم على مسارين متوازيين، الأول يستهدف الشركات التي تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي، سواء كانت نماذج أو منصات أو تطبيقات وحلول متخصصة.

أما المسار الثاني، يركز على الشركات والمؤسسات القائمة التي تعمل في قطاعات مختلفة، ويساعدها على إدخال الذكاء الاصطناعي في عملياتها بصورة عملية وآمنة وقابلة للقياس.

وبهذه الرؤية، يمكن أن تصبح شركة زراعية تستخدم الذكاء الاصطناعي لتقليل استهلاك المياه، أو مصنع يوظفه لخفض الهدر، أو شركة صغيرة تستفيد منه للوصول إلى أسواق جديدة، أو جامعة تعيد تطوير أساليب التعليم والتقييم باستخدام التكنولوجيا، جزءًا من منظومة اقتصاد الذكاء الاصطناعي حتى لو لم تكن شركة تكنولوجية بالأساس.

نماذج الذكاء الاصطناعي

القيمة الحقيقية تظهر عند المستخدم النهائي

توسيع قاعدة الشركات المستخدمة للذكاء الاصطناعي قد يكون أكثر تأثيرًا اقتصاديًا من التركيز على زيادة عدد الشركات التي تطور التكنولوجيا وحدها، لأن الإنتاجية في النهاية تتحسن عندما تنتقل أدوات الذكاء الاصطناعي من معامل التطوير إلى خطوط الإنتاج والمكاتب والمستشفيات والجامعات والمتاجر.

وهذا يعني أن نجاح سياسات الذكاء الاصطناعي لا ينبغي أن يقاس فقط بحجم التمويل الموجه إلى الشركات الناشئة أو عدد النماذج والمنصات الجديدة، بل بمدى قدرة التكنولوجيا على إحداث تغيير ملموس في الاقتصاد الحقيقي.

ومن هنا يصبح السؤال الأهم أمام صناع القرار: كم شركة ومؤسسة أصبحت أكثر إنتاجية وقدرة على المنافسة بفضل الذكاء الاصطناعي؟

وتمثل الشركات، التي تصنع التكنولوجيا جانبًا مهمًا من اقتصاد الذكاء الاصطناعي، لكن الشركات التي تعرف كيف تستخدمها بكفاءة قد تكون صاحبة النصيب الأكبر من القيمة الاقتصادية التي ستنتجها هذه الثورة خلال السنوات المقبلة.

اقرأ أيضًا:

مايكروسوفت تضع 7 قواعد للذكاء الاصطناعي.. لا مقاومة للإيقاف ولا حقوق قانونية للنماذج

Short Url

search