الأحد، 06 سبتمبر 2026

11:41 ص

شركة ألمانية تطلق أول صاروخ لها إلى الفضاء مع دخول أوروبا سباق الأقمار الصناعية

الأحد، 06 سبتمبر 2026 09:45 ص

إطلاق أقمار صناعية

إطلاق أقمار صناعية

محمد ممدوح

حققت شركة إيسار إيروسبيس (Isar Aerospace) الألمانية الناشئة إنجازاً مهماً في مساعي أوروبا لبناء قدرات مستقلة في مجال إطلاق الأقمار الصناعية، بعدما أطلقت صاروخها «سبكتروم» من قاعدة أندويا في شمال النرويج، في مهمة تمثل نقطة تحول للشركة وقطاع الإطلاق الفضائي الأوروبي.

ونجح «سبكتروم»، وهو صاروخ غير مأهول، في الوصول إلى المدار خلال رحلته الثانية، ليصبح أول صاروخ تجاري ينطلق من أوروبا القارية ويصل إلى المدار، وفقاً للشركة، التي وصفت المهمة بأنها «تاريخ أوروبي».

وحمل الصاروخ خلال الرحلة 5 أقمار صناعية صغيرة، إلى جانب تجربة تكنولوجية، في مهمة جمعت بين اختبار أداء المركبة وتأهيلها، وتنفيذ أول رحلة تجارية تحمل حمولة إلى الفضاء.

إنجاز يتجاوز حدود الشركة

لا تقتصر أهمية نجاح «سبكتروم» على إيسار إيروسبيس، إذ يأتي الإطلاق في وقت تسعى فيه الدول الأوروبية إلى تقليل اعتمادها على خدمات الإطلاق الأجنبية، وخصوصاً في ظل تزايد أهمية الأقمار الصناعية بالنسبة للاتصالات والمراقبة والاستشعار عن بعد والأمن والدفاع.

وقالت وزيرة الصناعة والتجارة النرويجية سيسيلي ميرسيث إن الإطلاق يمثل «طفرة» لصناعة إطلاق الأقمار الصناعية في أوروبا، مؤكدة أن القدرة على إطلاق الأقمار الصناعية من قاعدة أندويا تعزز الأمن النرويجي والأوروبي، خصوصاً في ظل التوترات الجيوسياسية الراهنة.

ويمثل وجود منصات إطلاق داخل الأراضي الأوروبية ميزة استراتيجية، لأنه يمنح الحكومات والشركات مزيداً من التحكم في توقيت عمليات الإطلاق ومواقعها، ويقلل من المخاطر المرتبطة بالاعتماد على منشآت وقدرات موجودة خارج القارة.

من الفشل إلى المدار خلال 18 شهراً

نجاح «سبكتروم» يكتسب أهمية إضافية بالنظر إلى أن هذه كانت المحاولة الثانية للشركة.

ففي مارس 2025، انفجر صاروخ إيسار الأول بعد وقت قصير من إقلاعه من الموقع نفسه، وسقط في البحر، ما أدى إلى فشل المهمة في الوصول إلى المدار.

لكن الشركة تعاملت مع الرحلة الأولى باعتبارها فرصة لجمع البيانات، إذ وفرت عملية الإطلاق كمية كبيرة من المعلومات المتعلقة بأداء الصاروخ وأنظمة الإطلاق، وهو ما ساعد المهندسين على تطوير التصميم وإجراء التحسينات اللازمة قبل المحاولة الثانية.

ويعكس الانتقال من الفشل في مارس 2025 إلى الوصول إلى المدار بعد نحو 18 شهراً طبيعة المنافسة في صناعة الإطلاق، حيث تمثل البيانات التي يتم جمعها من الاختبارات الفاشلة جزءاً أساسياً من عملية تطوير الصواريخ ورفع موثوقيتها.

أوروبا تبحث عن بدائل في سوق تهيمن عليه سبيس إكس

تدخل إيسار إيروسبيس سوقاً شديدة التنافس تهيمن عليه شركة سبيس إكس التابعة لإيلون ماسك، في وقت تحاول فيه أوروبا تعزيز حضورها في سوق الإطلاق التجاري.

وتواجه الشركة أيضاً منافسة من أريان جروب الفرنسية، وهي مشروع مشترك بين إيرباص وسافران، إلى جانب مبادرات أوروبية أخرى تستهدف تطوير مواقع إطلاق مستقلة.

وفي السويد، يجري العمل على تطوير قدرات الإطلاق من موقع إسرانج، بينما تسعى بريطانيا إلى تطوير عمليات إطلاق فضائية من ميناء ساكسافورد الفضائي في جزر شتلاند.

وتشير هذه التحركات إلى أن أوروبا لا تراهن على مشروع واحد فقط، بل تعمل على بناء منظومة أوسع تضم شركات إطلاق خاصة ومواقع إطلاق متعددة، بما قد يفتح الباب أمام منافسة أكبر على سوق إطلاق الأقمار الصناعية من الأراضي الأوروبية.

اهتمام ألماني متزايد بالقطاع الفضائي

ويحظى نجاح إيسار باهتمام سياسي متزايد في ألمانيا، التي تسعى بدورها إلى تعزيز موقعها في قطاع الفضاء الأوروبي.

وكان المستشار الألماني فريدريش ميرز قد زار موقع إطلاق إيسار في مارس/آذار، في خطوة عكست الاهتمام المتنامي في برلين بتطوير قدرات فضائية أوروبية أكثر استقلالاً.

ويأتي هذا الاهتمام في وقت لم يعد فيه الفضاء مجال للبحث العلمي، ولكن أصبح جزءاً من البنية التحتية الاستراتيجية للدول، مع تزايد الاعتماد على الأقمار الصناعية في الاتصالات والملاحة ومراقبة الأرض والأمن.

200 مليون يورو لتوسيع طموحات إيسار

ولا تعتمد خطط إيسار على نجاح «سبكتروم» وحده، إذ أعلنت الشركة الأسبوع الماضي حصولها على تمويل بقيمة 200 مليون يورو، بما يعادل 232 مليون دولار، من وكالة الفضاء الأوروبية.

ومن المقرر أن يوجه التمويل إلى تطوير صواريخ جديدة وتوسيع منشآت الاختبار والإطلاق، بما يدعم قدرة الشركة على زيادة عملياتها مستقبلاً والمنافسة في سوق الإطلاق التجاري العالمي.

كما تعمل إيسار على تطوير موقع إطلاق ثانٍ في كندا، في إطار استراتيجية تستهدف توسيع حضورها خارج أوروبا والوصول إلى أسواق إطلاق جديدة.

لماذا يمثل الإطلاق نقطة تحول؟

تكمن القيمة الحقيقية لنجاح إيسار في أنه يثبت أن الشركات الأوروبية الناشئة قادرة على الانتقال من مرحلة تطوير الصاروخ إلى تنفيذ رحلة مدارية ناجحة، وهو ما قد يساعد في جذب مزيد من الاستثمارات الخاصة والعقود الحكومية إلى قطاع الإطلاق الأوروبي.

وفي المقابل، لا يعني الوصول إلى المدار أن إيسار أصبحت منافساً مباشراً لسبيس إكس على نطاق واسع؛ فبناء شركة إطلاق قادرة على تنفيذ عمليات متكررة وموثوقة وبأسعار تنافسية يتطلب معدلات إطلاق مرتفعة وسلسلة إمداد قوية ومنشآت إنتاج واختبار واسعة.

لكن نجاح الرحلة الثانية يمثل خطوة مهمة في هذا الاتجاه، خصوصاً مع حصول الشركة على تمويل جديد وخططها لتطوير صواريخ إضافية وموقع إطلاق في كندا.

وبذلك، يمكن النظر إلى رحلة «سبكتروم» باعتبارها أكثر من نجاح تقني لصاروخ ألماني؛ فهي جزء من سباق أوروبي أوسع لبناء قدرة مستقلة ومرنة على الوصول إلى الفضاء، في سوق تتزايد أهميته الاقتصادية والاستراتيجية عاماً بعد عام.

Short Url

search