الجمعة، 04 سبتمبر 2026

04:30 م

من صدمة كهربائية لابنته إلى 300 ابتكار عالمي.. قصة المهندس محمد علي ومصانع «iLock»

الجمعة، 04 سبتمبر 2026 02:30 م

ilock

ilock

مي المرسي

لم يكن إنشاء مصنع أو تأسيس شركة هو الحلم الأول للمهندس محمد علي، مهندس الطيران والفضاء، مؤسس شركة «iLock» المتخصصة في المنتجات الكهربائية المبتكرة.

البداية كانت داخل منزله، عندما تعرضت ابنته «ماريا» لصدمة كهربائية أثناء محاولتها نزع فيشة من الحائط. حادثة عائلية دفعت والدها للبحث عن حل يحمي الأطفال من هذا النوع من الحوادث، لكن رحلة البحث في الأسواق المصرية والأوروبية والأمريكية لم توصله إلى المنتج الذي كان يبحث عنه.

فيشة يمكن قفلها داخل البريزة ولا يستطيع الطفل نزعها، بدلًا من الاكتفاء بالبحث، قرر المهندس محمد علي أن يصنع الحل بنفسه.

طابعة ثلاثية الأبعاد.. وبداية أول اختراع

في منزله، وباستخدام طابعة ثلاثية الأبعاد، صمم أول نموذج للفيشة التي يمكن «قفلها» داخل البريزة، وكان الهدف في البداية حماية ابنته فقط.

لكن زوجته شجعته على طرح الفكرة خارج المنزل، ليبدأ البحث عن كيفية تحويل الاختراع إلى منتج تجاري.

وخلال هذه المرحلة، كان كتاب «One Simple Idea» نقطة تحول في مسيرته؛ إذ تعرف من خلاله على نموذج «الترخيص»، الذي يقوم على تسجيل الاختراع ومنح شركات كبرى حق تصنيعه وتسويقه مقابل الحصول على نسبة من المبيعات.

وهنا انتقلت الفكرة من اختراع منزلي إلى مشروع يمكن أن يصل إلى الأسواق العالمية.

50 دولارًا كانت كافية لبدء الرحلة

سجل محمد علي أول براءة اختراع له في الولايات المتحدة بتكلفة بلغت نحو 50 دولارًا، وهو ما فتح أمامه الباب لمراسلة الشركات العالمية وعرض ابتكاره عليها.

ومن بين الشركات التي تلقّت المنتج شركة «ABB» الألمانية، إحدى كبرى الشركات العالمية في مجال المنتجات الكهربائية.

الرد الذي تلقاه من الشركة كان نقطة فارقة في الرحلة، بعدما لفت المنتج انتباهها باعتباره ابتكارًا غير تقليدي.

لم يتوقف الأمر عند الإعجاب بالمنتج، فمع مرور الوقت بدأت شركات عالمية في تصنيع منتجات «iLock» بموافقته وفي إطار حقوق الملكية الفكرية الخاصة بها.

وبحسب ما يرويه مؤسس الشركة، يتم تصنيع منتجاته في دول من بينها فرنسا وإيطاليا وألمانيا وروسيا والصين واليابان، بموجب اتفاقات تحمي حقوقه في الابتكارات.

الابتكار المصري يعبر الحدود

اليوم، تمتلك «iLock» نحو 300 منتج مسجل ببراءات اختراع عالمية، فيما توسعت الشركة إلى التعاون مع شركات ومنصات دولية.

وهنا تحولت فكرة المهندس محمد علي من منتج يحمي طفلة من خطر كهربائي إلى نموذج أعمال قائم على الابتكار والملكية الفكرية والترخيص الدولي.

فالشركة لا تبيع فقط منتجًا مصنعًا، وإنما تمتلك حقوق ابتكارات يمكن لشركات أخرى تصنيعها في أسواق مختلفة مقابل رسوم أو عوائد.

عندما لم تجد الفكرة طريقها في مصر.. بدأ التصنيع

لكن تطبيق نموذج الترخيص داخل السوق المصرية لم يكن بالسهولة نفسها.

وبحسب مؤسس «iLock»، عندما حاول تقديم نموذج الترخيص للشركات المحلية لم يجد الاستجابة التي كان يبحث عنها، فاتخذ قرارًا أكثر صعوبة:

أن يصنع منتجاته بنفسه.

وخلال نحو خمس سنوات، أسس الشركة 6 مصانع في المنطقة الاستثمارية بميت غمر في محافظة الدقهلية، لتتحول الشركة من صاحب اختراع إلى كيان صناعي متكامل.

من الكابل إلى الفيشة.. توطين مكونات الإنتاج

أحد هذه المصانع متخصص في إنتاج الكابلات، حيث تبدأ العملية من النحاس والخامات المستخدمة في تصنيع الكابل، مرورًا بالسحب والتبريد واللف والتقطيع، وصولًا إلى المنتج النهائي.

وتعتمد الشركة في جزء من احتياجاتها على خامات محلية، من بينها خامات الـPVC من شركة السويدي، في إطار توجه لزيادة المكون المحلي.

كما بدأت الشركة تصنيع مكونات أخرى كانت تستوردها، بينها الفيش المستخدمة في المنتجات الكهربائية.

الفكرة هنا لم تعد مجرد تصنيع منتج مصري، وإنما بناء سلسلة إنتاج محلية حول الابتكار نفسه.

650 عاملًا.. والهدف 3000 في 2030

تضم مصانع الشركة حاليًا نحو 650 فنيًا ومهندسًا وعاملًا، فيما تستهدف الوصول إلى 3000 عامل بحلول عام 2030.

ويقول مؤسس الشركة إن جزءًا من العمالة بدأ العمل دون خبرة سابقة، قبل أن يحصل على التدريب والخبرة التي أهلته للعمل في خطوط الإنتاج والوصول إلى مواقع إشرافية.

أما في قطاع البحث والتطوير، فتضم الشركة فريقًا من الشباب، يبلغ متوسط أعمارهم أقل من 28 عامًا، يعمل على تطوير المنتجات والأفكار الجديدة.

البحث والتطوير.. عندما لا تجد الماكينة التي تحتاجها

بعض المنتجات التي تطورها الشركة لا توجد لها خطوط إنتاج جاهزة في الأسواق، ولذلك تضطر فرق البحث والتطوير إلى تصميم وتصنيع الماكينات التي تنتج هذه المنتجات وتغلفها داخل المصنع.

وهكذا أصبح الابتكار يمتد إلى المنتج نفسه، وطريقة إنتاجه، والآلة التي تصنعه.

وتوضح هذه النقطة طبيعة النموذج الذي تحاول الشركة بناءه: البحث عن حلول جديدة لا تقتصر على المنتج النهائي، وإنما تشمل العملية الصناعية بأكملها.

24 ساعة تشغيل.. والطاقة لا تكفي السوق

ورغم تشغيل المصانع على مدار 24 ساعة يوميًا طوال أيام الأسبوع، فإن الطاقة الإنتاجية الحالية لا تزال غير كافية لتغطية احتياجات السوق المحلية بالكامل، بحسب مؤسس الشركة.

ويقدر احتياج الشركة إلى زيادة استثماراتها بنحو 3 أضعاف لتغطية الطلب المحلي فقط، قبل إضافة احتياجات التصدير.

ويعكس ذلك انتقال التحدي من إثبات قدرة المنتج المصري على المنافسة إلى القدرة على زيادة الإنتاج لمواكبة الطلب والتوسع خارجيًا.

من «فيشة» لحماية طفلة إلى صناعة قائمة على الابتكار

قصة محمد علي بدأت بحادثة داخل المنزل، لكنها لم تنته عند اختراع فيشة أكثر أمانًا.

فكرة صغيرة قادته إلى براءة اختراع، وبراءة الاختراع قادته إلى شركات عالمية، ثم دفعه ضعف الاستجابة لنموذج الترخيص محليًا إلى إنشاء مصانع في مصر، لتنشأ منظومة تجمع بين التصنيع والبحث والتطوير والملكية الفكرية والتصدير.

واليوم، بعد الوصول إلى نحو 300 منتج مبتكر، تبدو التجربة أكبر من قصة رجل اخترع منتجًا ناجحًا.

إنها تجربة بدأت بسؤال؛ كيف أحمي ابنتي؟، وانتهت بسؤال مختلف تمامًا مفاده كيف يمكن أن يتحول الابتكار المصري إلى صناعة تنافس في الأسواق العالمية؟

Short Url

search