الثلاثاء، 01 سبتمبر 2026

11:18 م

لماذا استقبلت مصر الرئيس الصيني بالرقص النوبي؟ رسالة تتجاوز البروتوكول إلى الاقتصاد والسياسة

الثلاثاء، 01 سبتمبر 2026 08:32 م

خلال مراسم استقبال الرئيس الصيني

خلال مراسم استقبال الرئيس الصيني

مي المرسي

حمل استقبال الرئيس الصيني شي جين بينج لدى وصوله إلى القاهرة طابعًا رسميًا وشعبيًا في آن واحد، فإلى جانب حرس الشرف والموسيقى العسكرية ورفع أعلام البلدين، حضرت فرق الفنون الشعبية بعروض نوبية وإيقاعات تراثية، في مشهد عكس حرص القاهرة على إضفاء بُعد ثقافي وشعبي على الزيارة، إلى جانب رسالتها السياسية والدبلوماسية.

وجاءت الفنون النوبية لتمنح الاستقبال طابعًا شعبيًا وثقافيًا إلى جانب الطابع الرسمي، خصوصًا مع مشاركة الرئيس عبد الفتاح السيسي وقرينته في استقبال الرئيس الصيني وقرينته. وبينما تعكس المراسم العسكرية احترام الدولة لمكانة الضيف، تحمل العروض الفنية رسالة مختلفة ترتبط بالهوية المصرية والتنوع الثقافي والامتداد الأفريقي لمصر.

الفلكلور النوبي.. رسالة عن العمق الأفريقي لمصر

اختيار الفلكلور النوبي تحديدًا في استقبال الرئيس الصيني يمكن قراءته باعتباره جزءًا من الصورة التي تقدمها مصر عن نفسها أمام واحدة من أهم القوى الاقتصادية في العالم. فالنوبة ترتبط جغرافيًا وثقافيًا بجنوب مصر وبامتدادها الأفريقي، كما تمثل أسوان وما حولها مساحة تلتقي فيها الهوية المصرية مع العمق الأفريقي.

ومن هذه الزاوية، فإن ظهور الفنون النوبية في مراسم استقبال رئيس الصين لا يقدم مجرد لوحة تراثية، وإنما يضع الهوية الأفريقية لمصر داخل مشهد دبلوماسي شديد الرمزية. فالقاهرة لا تقدم نفسها للصين باعتبارها دولة عربية وشرق أوسطية فقط، وإنما باعتبارها أيضًا بوابة تاريخية وجغرافية إلى القارة الأفريقية.

وتكتسب هذه الرسالة أهمية أكبر في ظل اتساع الحضور الصيني داخل أفريقيا، وتنامي العلاقات الاقتصادية بين بكين ودول القارة، إذ تسعى مصر إلى ترسيخ موقعها كحلقة وصل بين الاستثمارات الصينية والأسواق الأفريقية، مستفيدة من موقعها الجغرافي ومن قناة السويس ومشروعات المنطقة الاقتصادية لقناة السويس.

من البروتوكول إلى الدبلوماسية الناعمة

الاستقبال الرسمي عادة ما يعتمد على أدوات واضحة للتعبير عن الاحترام والمكانة، مثل حرس الشرف والسلام الوطني والسجادة الحمراء. لكن إدخال الفنون الشعبية ينقل المشهد من البروتوكول الصرف إلى مساحة ما يعرف بالدبلوماسية الناعمة، حيث تصبح الثقافة والتراث أدوات لبناء صورة إيجابية عن الدولة وتعزيز التقارب بين الشعوب.

وفي حالة استقبال الرئيس الصيني، يكتسب هذا البعد أهمية خاصة؛ فالصين نفسها تولي الثقافة والتراث والتنوع الحضاري أهمية كبيرة في خطابها الخارجي. ومن ثم، فإن تقديم أحد أوجه التراث المصري أمام الرئيس الصيني ينسجم مع فكرة التواصل بين الحضارات، وهي فكرة حاضرة بقوة في الخطاب الصيني تجاه الدول النامية ودول الجنوب العالمي.

الثقافة كمدخل للاقتصاد

ولا تنفصل هذه الصورة الثقافية عن الحسابات الاقتصادية للعلاقات المصرية الصينية. فالعلاقات بين البلدين تجاوزت منذ سنوات حدود التعاون السياسي إلى شراكة اقتصادية تشمل الصناعة والاستثمار والطاقة والنقل والبنية التحتية والمنطقة الاقتصادية لقناة السويس.

ومن هنا يمكن النظر إلى المشهد باعتباره جزءًا من صورة أكبر تسعى مصر من خلالها إلى تقديم نفسها كشريك مستقر ومفتوح أمام الاستثمارات الصينية، وكدولة تمتلك موقعًا استراتيجيًا يسمح للشركات الصينية بالوصول إلى أسواق متعددة، ليس في مصر وحدها، وإنما في المنطقة والقارة الأفريقية، فالصورة التي يلتقطها الإعلام للرئيس الصيني وهو يشاهد عروضًا فنية مصرية لا تحمل قيمة جمالية فقط، بل تساهم في بناء صورة ذهنية عن الدولة المضيفة باعتبارها دولة تمتلك تاريخًا وثقافة واستقرارًا وقدرة على الجمع بين الحداثة والتراث.

مصر.. بوابة الصين إلى أفريقيا

وتأتي أهمية هذه الرسالة من أن مصر تتحرك منذ سنوات لتعزيز دورها باعتبارها مركزًا إقليميًا للتجارة والاستثمار والخدمات اللوجستية، مستفيدة من موقعها بين آسيا وأفريقيا وأوروبا، ومن شبكة الموانئ وقناة السويس ومشروعات البنية التحتية، وبالتالي، فإن إبراز البعد الأفريقي في استقبال الرئيس الصيني يلتقي مع مصلحة اقتصادية وسياسية أوسع؛ التأكيد على أن مصر ليست مجرد سوق كبيرة أمام الاستثمارات الصينية، وإنما يمكن أن تكون منصة للانطلاق إلى الأسواق الأفريقية، وهنا يتحول الفلكلور النوبي من مجرد فقرة احتفالية إلى جزء من "الصورة الكبرى" للعلاقات المصرية الصينية؛ صورة تجمع بين السياسة والاقتصاد والثقافة.

Short Url

search