الثلاثاء، 01 سبتمبر 2026

03:05 م

مصر والصين.. شراكة زراعية تتجه نحو التكنولوجيا وحماية الأمن الغذائي وزيادة الصادرات

الثلاثاء، 01 سبتمبر 2026 01:25 م

القطاع الزراعي

القطاع الزراعي

هدير جلال

في وقت تتجه فيه أنظار العالم إلى زيارة الرئيس الصيني شي جين بينج إلى مصر، تبرز الزراعة باعتبارها أحد القطاعات التي يمكن أن تشهد مرحلة جديدة من التعاون بين القاهرة وبكين، في ظل ما تمتلكه الدولتان من خبرات وإمكانات متكاملة في مجالات الإنتاج الزراعي، وإدارة الموارد المائية، والتكنولوجيا الحديثة، والتصنيع الغذائي.

وتأتي الزيارة في عام يحمل رمزية خاصة للعلاقات بين البلدين، مع مرور 70 عامًا على إقامة العلاقات الدبلوماسية المصرية الصينية، في الوقت الذي تسعى فيه القاهرة إلى تعزيز الشراكة مع بكين وتوسيع مجالات التعاون الاقتصادي والتكنولوجي، بما يخدم أهداف التنمية والأمن الغذائي. 

قطاع الزراعة

الزراعة.. محور مهم في الشراكة المصرية الصينية

يمثل التعاون الزراعي أحد المجالات الواعدة في العلاقات بين مصر والصين، خاصة مع تطور الاهتمام المشترك بالزراعة الحديثة والتكنولوجيا الزراعية ورفع كفاءة استخدام المياه وزيادة الإنتاجية.

وتشمل مجالات التعاون بين البلدين الزراعة الحديثة، والتكنولوجيا الزراعية، والري، وتحسين الإنتاجية، والتصنيع الزراعي، ومكافحة التصحر، والبحوث الزراعية، وتبادل المعرفة والخبرات.

وتكتسب الخبرة الصينية أهمية خاصة بالنسبة لمصر في ظل الحاجة إلى التوسع في تطبيق التقنيات الحديثة التي تساعد على زيادة الإنتاجية وخفض استهلاك الموارد، خاصة المياه، إلى جانب تطوير نظم الزراعة الذكية وإدارة الأراضي الزراعية.

وخلال يونيو 2026، بحث وزير الزراعة واستصلاح الأراضي علاء فاروق، ووزير الموارد المائية والري هاني سويلم، مع وفد من 6 شركات صينية فرص التعاون في مجالات الزراعة وإدارة المياه، بما يعكس استمرار التحرك العملي لتوسيع التعاون بين البلدين في هذه القطاعات. 

الزراعة

 الأمن الغذائي.. هدف مشترك

لا يقتصر التعاون الزراعي المصري الصيني على زيادة الإنتاج فقط، وإنما يرتبط بصورة مباشرة بملف الأمن الغذائي، من خلال تطوير نظم الإنتاج والتخزين والنقل وتقليل الفاقد والهدر، إلى جانب الاستفادة من التكنولوجيا الحديثة في إدارة سلاسل الإمداد.

ويمكن للتعاون بين البلدين أن يساهم في تطوير مرافق التخزين وسلاسل التوريد، وتحسين عمليات التصنيع الغذائي، ورفع كفاءة تداول المنتجات الزراعية، بما يضمن وصول المنتجات إلى المستهلك بجودة أفضل ويقلل الفاقد خلال مراحل الإنتاج والتداول.

كما تمثل الخبرة الصينية في التعامل مع الأراضي الجافة ومكافحة التصحر وإدارة الموارد الطبيعية مجالًا مهمًا للتعاون، خاصة أن مصر تعمل على التوسع في استصلاح الأراضي وزيادة الرقعة الزراعية.

وكان مسؤول مصري قد أكد في تصريحات سابقة أهمية تعميق التعاون مع الصين في مكافحة التصحر وإدارة الموارد المائية ورفع الإنتاجية الزراعية، والاستفادة من الخبرات الصينية في تخضير الأراضي الجافة والتنمية المستدامة. 

 التكنولوجيا الزراعية.. من نقل الخبرة إلى الإنتاج

ومن أبرز المجالات التي يمكن أن تستفيد منها مصر التكنولوجيا الزراعية الصينية، سواء في الميكنة الزراعية أو نظم الري الحديثة أو الزراعة الذكية أو تقنيات التصنيع والتعبئة.

ولا يتوقف الأمر عند استيراد التكنولوجيا، وإنما تبرز أهمية نقل المعرفة والخبرة وتوطين التكنولوجيا داخل مصر، بما يسمح بتطوير قدرات الإنتاج المحلي وخلق فرص استثمارية جديدة في القطاع الزراعي.

وفي هذا الإطار، شهد التعاون المصري الصيني تحركات في مجال تصنيع مستلزمات الإنتاج الزراعي، من بينها مشروع لإنشاء مصنع للمبيدات الزراعية باستخدام التكنولوجيا الصينية الحديثة، بما يستهدف نقل تقنيات التصنيع الحديثة إلى مصر من خلال استثمارات مشتركة. 

كما جرى توقيع بروتوكول تعاون بين مركز بحوث الصحراء والأكاديمية الصينية للعلوم لتعزيز التعاون العلمي والبحثي وتبادل الخبرات في مجالات الزراعة المستدامة والحفاظ على البيئة. 

 السوق الصينية.. فرصة كبيرة أمام الصادرات الزراعية المصرية

يمثل السوق الصيني، الذي يضم نحو 1.4 مليار نسمة، فرصة ضخمة أمام المنتجات الزراعية المصرية، خاصة الفواكه والخضراوات والمنتجات المصنعة.

وتأتي الحمضيات والبرتقال المصري ضمن المنتجات التي تتمتع بفرص قوية في السوق الصينية، إلى جانب الفواكه الطازجة والمجمدة والعديد من المنتجات الزراعية والغذائية.

كما تعد الفراولة المجمدة من المنتجات المصرية التي حققت حضورًا متزايدًا في السوق الصينية، في ظل تنامي الطلب على المنتجات الزراعية والغذائية المصرية. 

وتشير بيانات التجارة خلال النصف الأول من عام 2026 إلى ارتفاع صادرات مصر إلى الصين بصورة كبيرة، لتصل إلى نحو 840.8 مليون دولار، مقابل 280.5 مليون دولار خلال الفترة نفسها من عام 2025، بحسب البيانات التي أعلنها الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.

ويمثل نمو الصادرات فرصة لتعزيز حضور المنتجات المصرية في السوق الصينية، لكن الاستفادة الكاملة من هذه الفرصة تتطلب الالتزام بالاشتراطات الصحية والنباتية الصينية، إلى جانب تطوير نظم التعبئة والتغليف وسلاسل التبريد والتخزين.

 التجارة الزراعية في قلب العلاقات الاقتصادية

وبالنظر إلى هيكل التجارة بين البلدين، تظهر أهمية المنتجات الزراعية والغذائية ضمن الصادرات المصرية إلى الصين، إلى جانب الوقود والمنتجات المعدنية والمنسوجات.

وفي المقابل، تستورد مصر من الصين الآلات والمعدات الكهربائية والميكانيكية، والمركبات وقطع الغيار، والحديد والصلب، والبلاستيك، والمواد الكيميائية.

وهنا يمكن أن يمثل التعاون الزراعي فرصة لتحقيق قدر أكبر من التكامل، بحيث لا تقتصر العلاقة على تصدير المنتجات الزراعية المصرية واستيراد المعدات، وإنما تمتد إلى  تصنيع مشترك وتوطين التكنولوجيا وإقامة مشروعات زراعية وغذائية مشتركة.

الزراعة المستدامة

التصنيع الزراعي.. الحلقة التي تربط الإنتاج بالتصدير

ويعد التصنيع الزراعي أحد أهم المجالات التي يمكن أن تشهد توسعًا في التعاون المصري الصيني، خاصة أن تحويل جزء أكبر من الإنتاج الزراعي إلى منتجات مصنعة يرفع القيمة المضافة للصادرات ويزيد قدرتها على المنافسة في الأسواق العالمية.

وتملك مصر قاعدة إنتاجية كبيرة من الفواكه والخضراوات والمنتجات الزراعية، بينما تمتلك الصين خبرات واسعة في التصنيع والتعبئة والتخزين والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد.

ومن ثم، فإن إقامة مشروعات مشتركة في تصنيع وتجهيز المنتجات الزراعية يمكن أن تحقق مكاسب للطرفين، من خلال الاستفادة من الإنتاج الزراعي المصري والخبرات والتكنولوجيا الصينية، مع توجيه جزء من الإنتاج إلى السوق الصينية والأسواق الإقليمية.

البحوث الزراعية وتبادل الخبرات

ولا تقتصر الشراكة على التجارة والاستثمار، إذ يمثل التعاون العلمي والبحثي عنصرًا أساسيًا في تطوير الزراعة.

وتشمل المجالات الواعدة تبادل الخبرات في استنباط الأصناف، ومكافحة الآفات، وإدارة الأراضي، والزراعة المستدامة، ومراقبة صحة النبات، واستخدام التكنولوجيا الرقمية في متابعة المحاصيل والتنبؤ بالمشكلات الزراعية.

كما يمكن أن يمتد التعاون إلى تدريب الكوادر الزراعية والباحثين وتبادل الخبرات بين المؤسسات البحثية في البلدين.

 ماذا يمكن أن تحقق زيارة الرئيس الصيني للقطاع الزراعي؟

تفتح زيارة الرئيس الصيني إلى مصر الباب أمام مرحلة جديدة يمكن أن تتحول فيها العلاقات الزراعية من مجرد تعاون في مجالات متفرقة إلى شراكة أكثر تكاملًا تشمل الإنتاج والتكنولوجيا والتصنيع والتصدير.

وتتمثل أبرز الفرص في:

 التوسع في مشروعات الزراعة الحديثة والذكية.

 نقل وتوطين التكنولوجيا الزراعية الصينية.

 تطوير نظم الري وترشيد استخدام المياه.

 التعاون في مكافحة التصحر واستصلاح الأراضي.

 إقامة مشروعات مشتركة في التصنيع الزراعي والغذائي.

 تطوير التخزين وسلاسل التبريد والنقل.

 زيادة الصادرات الزراعية المصرية إلى السوق الصينية.

 تعزيز التعاون البحثي وتبادل الخبرات.

 تطوير منظومة مكافحة الآفات وصحة النبات.

 تدريب الكوادر والباحثين الزراعيين.

 شراكة تتجاوز حدود التجارة

في النهاية، تبدو الزراعة واحدة من القطاعات التي يمكن أن تمنح الشراكة المصرية الصينية أبعادًا أكثر عمقًا، خاصة في ظل التحديات العالمية المتعلقة بالأمن الغذائي والمياه وتغير المناخ.

فمصر تمتلك موقعًا جغرافيًا متميزًا وقاعدة إنتاجية زراعية وفرصًا كبيرة للتوسع في التصنيع والتصدير، بينما تمتلك الصين خبرات ضخمة في التكنولوجيا والميكنة والتصنيع وسلاسل الإمداد.

ومن هنا، فإن المرحلة المقبلة لا تتعلق فقط بزيادة حجم التبادل التجاري، وإنما بمدى قدرة البلدين على تحويل هذه العلاقات إلى مشروعات إنتاجية مشتركة تنقل التكنولوجيا، وتخلق قيمة مضافة، وتدعم الأمن الغذائي، وتفتح أمام المنتج الزراعي المصري طريقًا أوسع إلى السوق الصينية.

Short Url

search